فهرس الكتاب

الصفحة 964 من 5777

بر الوالدين

الأسرة والمجتمع

الوالدان

محمد بو سنه

عين النعجة

مبارك الميلي

1 -بر الوالدين قرين التوحيد في كتاب الله

2 -فضل الوالدين

3 -الأم ثم الأب

4 -حق الوالدين والأدب معهما

5 -احاديث فضل بر الوالدين

روى البخاري ومسلم عن إبن مسعود رضي الله عنه قال: (( سألت رسول الله: أي العمل أحب الى الله؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله ) ).

بر الوالدين فريضة لازمة وواجب متحتم وعقوقهما حرام، وذنب عظيم، وقد جعل الله بر الوالدين قرين توحيده وعبادته سبحانه، وبيّن ما يجب لهما وما لا يحل فعله معهما فقال جل وعلا: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولًا كريمًا واخفض لهم جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا ولن يستطيع الأبناء والبنات مجازاة الآباء والأمهات على ماقاموا به نحوهم من الطفولة الى الرجولة، من عطف ورعاية وتربية إلا أن يجد الولد أباه مملوكًا فيشتريه فيعتقه كما جاء في الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: (( لايجزي ولد والده الا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه ) )فشكر المنعم واجب ولله سبحانه على عباده نعم لا تحصى كما قال تعالى: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها فمن تلكم النعم، إن الله عز وجل خلقنا وأوجدنا وجعل سبحانه للوالدين نعمة الإنجاب والتربية الصالحة والعناية التامة بالأولاد، وأكبر الناس مِنَّة وأعظمهم نعمة على الإنسان بعد رسل الله والداه، اللذان جعلهماالله سببا لوجوده وأعتنيا به منذ كان حملًا إلى أن صار رجلًا، فأمه حملته شهورًا تسعًا في الغالب تعاني آلامًا من مرض ووحم وتقل، فإذا آن وقت الوضع وجاءها المخاض شاهدت الموت وقاست من الآلام ما الله به عليم، فتارة تموت وتارة تنجو، وليت الألم والتعب ينتهي بالوضع: يكن الأمر سهلًا، ولكن يكثر النصب ويشدد التعب بعده قال الله تعالى: حملته أمه كرهًا ووضعته كرهًا ثم ترضعه حولين كاملين فتقوم به مثقلة وتقعده به مثقلة تضيق أحشائها وقت حمله وتضعف أعضاؤها عند وضعه وإرضاعه، ثم بعد ذلك بكاء وصياح بالليل يحرم الوالدين النوم وكذلك بالنهار يقلق راحتهما، ومرض يعتري الولد من وقت لآخر يتعب قلبيهما يذرف دموعهما، تعهد من الأم لجسمه بالغسل ولثيابه بالتنظيف، ولفضلاته بالإزالة لا يومًا ولا يومين ولا شهرًا ولا شهرين، ليلهما ونهارهما كله في متاعب ومشاق، وكثير ما يضحي الوالدين براحتهما في سبيل راحة الأبناء والبنات، والطفل يعرف أمه ويحبها قبل كل أحد، فاذا غابت صاح حتى تأتيه واذا أعرضت عنه دعاها وناجاها بما قدر عليه من كلام أو غيره، واذا أصابه شيء يؤلمه إستغاث بها وناداها، يظن أن الخير كله عندها ولا الشر يصيبه ما دامت تضمه على صدرها وترعاه بعينها وتدافع عنه بيديها، ولذلك فالأم مقدمة في الحضانة إذا فارقها زوجها ولم تتزوج حتى يميز ويختار من شاء منهما، كما جاء في حديث عبدالله بن عمر بن العاص أن أمرأته قالت: (( يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وحجري له حواء، وثديي له سقاء، وزعم أبوه أنه ينزعه مني، فقال رسول الله: أنت أحق به مالم تنكحي - مالم تتزوجي ) )، ثم الولد لا يحب بعد أمه إلا أباه، إذا دخل سر وبش به، وإن خرج تعلق به، واذا حضر قعد على حجره، واذا غاب سأل عنه وانتظره، فأي حب وإحترام بعد هذا، ولكن يا للأسف سرعان ما ينسى الجميل وينكر المعروف ويلتفت الى زوجته وأولاده وينسى أباه ولذلك لا يحتاج الآباء الى توصية بالأبناء إنما يحتاج الأولاد الى توصيتهم ببر الوالدين وتذكيرهم بواجبهم نحوهما.

ولقد أجاد من قال:

عليك يا إبن أخي قد أفنت العمرا

وقد تمرغت في أحشائها شهرًا

سرت لما ولدت مولدها ذكرًا

في حجرها تستقي من ثديها الدررا

منها ولا تشتكي نتنا ولا قذرًا

خوفًا عليك وترخي دونك السترا

حتى استويت وصرت كيف ترى

ولا تدع قلبها بالقهر منكسرًا

واحفظه لا سيما إن إدرك الكبرا

على ظهرك حج البيت واعتمرا

فلا تطع زوجة في قطع والدة

فكيف تنكر أمًا بثقلك احتملت

وعالجت بك أوجاع النفاس وكم

وأرضعتك إلى حولين مكملة

ومنك ينجسها ما أنت راضعة

وقل هو الله بالمرات تقرؤها

وعاملتك بإحسان وتربية

فلا تفضل عليها زوجة أبدًا

والوالد الأصل لا تنكر لتربيته

فما تؤدي له حقًا عليك ولو

فاللهم وفقنا لما وفقت إليه القوم، وأيقظنا من سنة الغفلة والنوم، وأرزقنا الاستعداد لذلك اليوم الذي يربح فيه المتقون، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين.

وبعد:

فقد فصَّل سبحانه وتعالى ما يجب علينا من الإحسان الى الوالدين فقال: إما يبلغن عندك الكبر أي اذا وصل الوالدان أو أحدهما الى الكبر، حال الضعف والعجز وصارا عندك في آخر العمر، كما كنت عندهما في أوله وجب عليك أن تحنو عليهما وتشفق عليهما وتلطف بهما وتعاملهما معاملة الشاكر لمن أنعم عليه، ويظهر الإحسان إلى الوالدين بأن تتبع معهما أمورًا خمسة:

أولًا: ألا تتأفف من شيء تراه أو تشمه من أحدهما أو منهما مما يتأذى منه الناس، ولكن اصبر على ذلك منهما واحتسب الأجر عليه من الله جل وعلا كما صبرا عليك في صغرك واحذر الملل القليل والكثير، وعليك بالرفق واللين معهما والله لايضيع أجر من أحسن عملًا.

ثانيًا: أن لا تنغص ولا تكدر حياتهما بكلام قبيح تزجرهما به فقد بلغنا من بعض من لايحفظون للوالدين حقوقًا ولا يعرفون لهما معروفًا ولا إحسانًا، بلغنا عنهم أنهم يجرحونهما بكلام قبيح حتى بلغ بأحدهم أن أمه زارته في بيته فغلظ لها الكلام وفتح الباب وطردها، فالله المستعان ولا حول ولا قوة الا بالله.

ثالثًا: أن تقول لهما قولًا كريمًا أي حسنًا طيبًا مقرونًا بالإحترام والتعظيم مما يقتضيه حسن الأدب كأن تقول يا أبي ياوالدي يا أمي ولا تدعوهما بأسمائهما ولا ترفع صوتك أمامهما ولا تحدق فيهما بنظرك بل يكون نظرك إليهما نظر عطف ولطف وتواضع، أخرج إبن أبي حاتم عن عروة في قوله تعالى: وأخفض لهما جناح الذل من الرحمة قال: إن إغضباك فلا تنظر إليهما طويلًا، فإن أول ما يعرف به الغضب الرجل شدة نظرة إلى من غضب عليه. وسئل الحسن إلى أي شيء ينتهي إليه عقوق الوالدين؟ قال: أن يحرمهما ويهجرهما ويحد النظر إليهما.

رابعًا: أن تدعو الله أن يرحمهما برحمته الواسعة جزاء رحمتهما بك وجميل شفقتهما عليك.

خامسًا: أن تتواضع لهما وتطيعهما فيما أمراك به مالم يكن معصية لله، وينبغي عليك أن تشتاق وترتاح كلما بذلت ما يطلبان منك من حطام الدنيا الفانية.

وعلى الجملة فقد أكد جل وعلا التوصية بالوالدين من وجوه كثيرة، وكفاهما أن جعل الإحسان اليهما مع توحيده سبحانه، وقد جاء في بر الوالدين أحاديث كثيرة من ذلك أن رجلًا جاء الى النبي يستأذنه في الجهاد معه فقال: (( أحي والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد ) )ومن ذلك ما رواه ابو هريرة رضي الله عنهما أن النبي قال: (( رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كلاهما فلم يدخل الجنة ) )، وعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: أقبل رجل الى النبي فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد وأبتغي الأجر من الله تعالى، فقال: (( فهل من والديك أحدٌ حي؟ ) )فقال: نعم بل كلاهما قال: (( تبتغي الأجر من الله تعالى ) )قال: نعم بل كلاهما، قال: (( تبتغي الأجر من الله تعالى؟ قال: نعم، قال: فأرجع الى والديك فأحسن صحبتهما ) )، وفي رواية لأبي داود قال الرجل: جئت أبا يعك على الهجرة وتركت أبوي يبكيان فقال: ارجع اليهما فأضحكهما كما أبكيتهما، وعن أنس قال: قال رسول الله: (( من سره أن يمد في عمره ويزاد في رزقه فليبر والديه وليصل رحمه ) ).

وعن أسير بن جابر قال: كان عمر رضي الله عنه اذا أتى عليه أمراء اليمن سألهم أفيكم أويس بن عامر؟ حتى أتى إليه فقال: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم، قال: من مراد ثم من قرن؟ قال: نعم، قال: فكان بك برص فبرأت منه إلا موضع درهم؟ قال: نعم، قال: الك والدة؟ قال: نعم، قال: فإني سمعت رسول الله يقول: (( ياتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد اليمن من مراد ثم من قرن: كان به برص فبرئ منه إلا موضع درهم له والدة يحوبها بر، لو أقسم على الله لأبره ) )، فإن إستعطعت أن يستغفر لك فافعل فاستغفر لي. فانظروا رحمكم الله إلى هذه المنزلة التي بلغها هذا البار بأمه حتى كان من شأنه أن يخبر عن المصطفى وأن يقول لعمر إن إستطعت أن يستغفر لك فأفعل، وانظر الى حوض عمر على البحث عن هذا الرجل البار ليطلب منه الإستغفار له.

ورأى إبن عمر رجلًا قد حمل أمه على رقبته وهو يطوف بها حول الكعبة فقال: يا ابن عمر أتراني جازيتها؟ قال: ولا بطلقة واحدة من طلقاتها ولكن أحسنت، والله يثيبك على القليل بكثير.

فاللهم وفقنا للإحسان الى الوالدين وجنبنا عقوقهما واغفر لهما وارحمهما كما أحسنا إلينا والحمد لله رب العالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت