الرقاق والأخلاق والآداب
آفات اللسان
محمد بو سنه
عين النعجة
مبارك الميلي
1 -تعريف النميمة
2 -ذم النميمة وبيان مفاسدها
3 -تحريم النميمة
4 -انواع النميمة وصورها
5 -موقف المسلم إذا جاءه النمام بخبر
روى البخاري ومسلم عن إبن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله مر بحائط اي بستان من حيطان المدينة فسمع صوت رجلين يعذبان في قبريهما فقال النبي: (( إنهما ليعذبان ومايعذبان في كبير، ثم قال: بلى وإنه لكبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بين الناس بالنميمة ) )، لا يزال حديثنا عن خطر اللسان وآفاته المهلكة والموجبة لصاحبها عذاب الله عز وجل ومن هذه الآفات الخطيرة النميمة، وهي نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض من أجل الإفساد وإيقاد نيران الحقد والعداوة بينهم، وقد ذم الله تعالى صاحب هذا الفعل فقال عز وجل: ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم أي لاتطع ولا تسمع لكل حلاف مهين أي الذي يكثر الحلف وهو كاذب، والهماز الذي يغتاب الناس، والمشاء بنميم هو الذي يمشي بين الناس ويحرش بينهم وينقل الحديث لإفساد ذات البين.
فالنميمة عباد الله، خلق ذميم لأنه باعث للفتن وقامع للصلات وزارع للحقد ومفرق للجماعات يجعل الصديقين عدوين، والأخوين أجنبيين، والزوجين متنافرين، فهذه المصيبة أي مصيبة النميمة لايرضاها لنفسه إلا من انحطت قيمته ودنؤت نفسه وكان عندها حقيرًا، وصار كالذباب ينقل الجراثيم، وأما من كان يشعر بنفسه وله خوف من ربه فلا يرضى لها هذه الحالة النميمة حرام بجميع أنواعها وصورها، وإن من أشد صورها خطراُ تخبيب الزوج على زوجته والعكس أي السعي في إفساد العلاقة بينهما، ولا يخفى ما يصلح بسبب هذه النميمة من التباغض والكره بين الزوجين الى أن يصل الأمر إلى الفصل والطلاق بينهما غالبًا.
ومن صور النميمة السيئة قيام بعض الموظفين لدى أرباب الجاه والسلطان والمسؤولين بنقل كلام الآخرين بقصد إلحاق الضرر بهم، فكم جرت هذه السعاية والوشاية من ويلات على كثير من الأبرياء المؤمنين الغافلين طاهري القلوب سليمي الصدور، فقضت على أرواحهم وأموالهم، وكم نكلت بكثير من العلماء فأخرجتهم من ديارهم وأموالهم وأصبحوا عرضة للمحن والمصائب؟ وكم ضرت بصالحين مطمئنين فأودعتهم السجون وسلبتهم الحقوق وجعلت للفسقة عليهم سلطانًا؟ وكم حرمت أطفالًا ونساءً من قوتهم وسلبت منهم نعيمهم بدون جناية اقترفوها؟ ومن صورها أيضًا: رفع الثقة من مزاحم في تجارة أو صناعة وإنزال شخص عن مكانته واحترامه عند فئة من الناس، فهذا أيها الناس معظم أنواع النميمة وصورها الخطير، وهي كما ترون من شر ما منيت به الفضيلة ورزئت به الإنسانية لأجل ذلك قال النبي فيما يرويه أحمد والحديث صحيح: (( خيار عباد الله الذين إذا رؤوا ذكرالله، وشرار عباد الله المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الباغون للبراء العنت ) )أي الذين يسببون بهذه النميمة التعب والمشقة والمصائب والمحن للأبرياء.
فالنمام عباد الله عدو المحبة حبيب للفرقة والخلاف، فلينظر في نفسه عسى أن يكون قد إقترب أجله هل اشبع غيظه وملأ قلبه الحاقد فرحًا وغبطة بالنميمة والأذى؟ ماذا جنيت أيها السفيه أتظن أنك قد أحسنت صنيعًا؟ فلا والله ما أحسن، كم فرقت بين القلوب وكم بكلامك الجائع للشر قتلت الأبرياء والأتقياء، كم حملت من الأوزار والآثام والخطايا، اعمل ما شئت فستجزى على كل ذلك، لبئس ما أنت عليه من حال، ولبئس ما سيكون لك من مآل.
فليتق الله أصحاب الألسنة الحداد، ولا ينطقوا إلا بما فيه الخير لخلق الله، ويكفيكم في هذا قول المصطفى: (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت ) )فيا أيها المسلمون إن الواجب على من نقل إليه أحد أن فلانًا يقول فيه كذا وكذا أن ينكر عليه وينهاه عن ذلك ويذكره بما قال: (( لا يبلغن أحد من أصحابي عن أحد شيئًا فإني أحب أن أخرج اليكم وأنا سليم الصدر ) )، وترهبه بقوله: (( لا يدخل الجنة نمام ) )نعوذ بالله من النميمة ومن أهلها.
إذًا تبين لكم أن النميمة دواء وبيل وشر خطير يترتب عليه أعظم الشرور والمفاسد فعلى كل واحد منا إذا نقلت إليه النميمة. كأن يقول لك: قال فيك فلان كذا وكذا أو فعل بحقك كذا وكذا فالواجب أن لا تصدق النمام لأن النمام فاسق، والله تعالى يقول في شأن الفاسق: يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة ويجب أن تنهي هذا الناقل وتنصحه إن كنت تظن به خيرًا، وأنه يتأثر بالموعظة الحسنة، فتذكره بما جاء من الآيات والأحاديث الصحيحة في عظم النميمة وخطرها، وتبين له ما يترتب عليها من إيذاء المسلمين وظلم الناس في أعراضهم وأرزاقهم وتحذره من عاقبة وشايته، وتأمر أن لا يظن بأخيه الغائب السوء فإن الله عز وجل يقول: يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم وخير علاج يقضي عليه أن ينصرف الناس عن النمام ولا يستمعون إليه، ولقد أجاد من قال:
تنح عن النميمة واجتنبها فإن النمّ يحبط كل أجر
يثير أخو النميمة كل شر ويكشف للخلائق كل سر
ويقتل نفسه وسواه ظلمًا وليس النم من أفعال حر
وروي عن ابن عمر بن عبدالعزيز أنه دخل عليه رجل فذكر عنده وشاية في رجل آخر فقال عمر: إن شئت حققنا هذا الأمر الذي تقول فيه وننظر فيما نسبته إليه، فإن كنت كاذبًا فأنت من أهل هذه الآية: إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا وإن كنت صادقًا فأنت من أهل هذه الآية: هماز مشاء بنميم وإن شئت عفونا عنك، فقال: العفو يا أمير المؤمنين لا أعود إليه أبدًا، ثم اعلم أن من نقل إليك كلام الناس وأفشى سرهم، فإنه ينقل عنك كلامك ويفشي سرك الى الآخرين، ورحم الله الحسن البصري فإنه قال:
لا تفش سرًا ما أستطعت إلى امرئ يفشي إليك سرائرًا يستودع
فكما تراه بسر غيرك صانعًا فكذا بسرك لا أبًا لك يصنع
وقال آخر:
لا تقبلن نميمة بُلِّغتها وتحفَظَّن من الذي أنبأكها
إن الذي أهدى إليك نميمة سينم عنك بمثلها قد حاكها
وقال رجل لعمرو بن عبيد: إن رجلًا - وذكر إسمه - ما يزال يذكرك في قصصه بشرّ. فقال له عمرو: يا هذا ما رعيت حق مجالسة الرجل حيث نقلت إلينا حديثه ولا أديت حقي حين أعلمتني عن أخي ما أكره ولكن أعلمه: أن الموت يغمنا والقبر يضمنا والقيامة تجمعنا والله تعالى يحكم بيننا وهو خير الحاكمين، وروى أن سليمان بن عبد الملك كان جالسًا وعنده الزهري رحمه الله فجاءه رجل فقال له سليمان: بلغني أنك وقعت في وقلت كذا وكذا فقال الرجل ما فعلت ولا قلت. فقال سليمان: إن الذي أخبرني صادق فقال له الزهري: لا يكون النمام صادقًا، فقال سليمان: صدقت، ثم قال: للرجل اذهب بسلام.
وروي أيضًا أن بعض السلف زار أخًا له وذكر له بعض إخوانه شيئًا يكرهه فقال له: يا أخي أطلت الغيبة وأتيتني بثلاث جنايات - أي مخالفات - بغضت الي أخي - أي جعلته مكروهًا عندي - وشغلت قلبي بسببه، وأتهمت نفسك الأمينة.
فيا أخي المسلم وأختي المسلمة إحفظا لسانكما من هذه الآفة السيئة: النميمة، فإن فيها إفسادًا لذات البين، وفي إفساد ذات البين تعاون على الإثم والعدوان والله جل وعلا يقول: ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ولذلك سماها النبي: (( الحالقة، لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين ) )، فعلى كل مسلم أن يسعى في كل أمر يؤلف بين قلوب إخوانه ويجمع كلمتهم وأن ينابذ ويبغض كل ما يؤدي الى الإفساد في الأرض بسبب النميمة، فقد سمعتم في الحديث أنها سبب لعقوبة الله وعذابه في القبر كما قال عليه الصلاة والسلام: (( وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة ) )وحسب النمام عقوبة وعذابًا أن لايدخل الجنة فاتقوا الله واصلحوا ذات بينكم واطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين.
فاللهم اهدنا لمحاسن الأخلاق وصالح الأعمال، وجنبنا مساوئ الأخلاق ومنكرات الأعمال اهدنا إلى صراطك المستقيم إنك جواد كريم، وأغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.