الرقاق والأخلاق والآداب
آفات اللسان
سعد بن عبد الله العجمة الغامدي
الطائف
سعيد الجندول
1-التحذير من الغيبة. 2- تعريف الغيبة. 3- تعظيم أمر الغيبة. 4- المغتاب يخسر حسناته. 5- جزاء الغيبة في الآخرة. 6- أسباب الغيبة. 7- حالات تجوز فيها الغيبة.
أما بعد: فقد قال الله تعالى: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?جْتَنِبُواْ كَثِيرًا مّنَ ?لظَّنّ إِنَّ بَعْضَ ?لظَّنّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُواْ وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَ?تَّقُواْ ?للَّهَ إِنَّ ?للَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ [الحجرات: 12] .
إن الغيبة آفة خطيرة من آفات اللسان، وإن أشد ما يشمئز وينفر منه طبع الإنسان أن يأكل لحم إنسان ميت، وأشد من ذلك نُفْرَةً وأكثر منه فَظَاعَةً أن يكون ذلك الإنسان الميت أخاه. فالله تعالى مثَّل الغيبة وما يتناوله المغتاب من أخيه المسلم بهذا المثل الْمُسْتَقْذَرِ الذي تنفر منه الطباع البشرية لينفر الناس منها، وتستقر في نفوسهم بشاعتُها، فيحفظوا ألسنتَهم عن الوقوع في أعراض المسلمين؛ لأن للمسلم حقوقًا وواجبات.
والغيبة ذِكْرُ المسلم أخاه بما يكره صفة أو خصلة موجودة فيه، سواء كان في حضوره أم في غَيْبَتِهِ عن ذلك المجلس، وسواء كان ذلك القول في خَلْقِهِ أمْ في خُلُقِهِ، وإن لم يكن ذلك القول والوصف فيه فإنه يُعَدُّ بُهْتَانًا؛ ولذلك هو أعظم من الغيبة، والبهتان هو من صفات اليهود لأنهم قوم بُهْت.
ولقد بين النبي الغيبة لأصحابه بقوله: (( أتدرون ما الغيبة؟ ) )قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (( ذكرك أخاك بما يكره ) )، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: (( إن كان فيه ما تقول فقد اغْتَبْتَهُ، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بَهَتَّهُ ) )رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
إن في هذا الحديث بيانًا شافيًا لمعنى الآية الكريمة وتفسير الغيبة بما يشفي ويكفي لمن أراد حفظ لسانه عن أعراض المسلمين، ومتى حفظ المسلم يَدَهُ ولِسَانَهُ وفَرْجَهُ فقد ضمن له رسول الله الجنة، عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أيُّ المسلمين أفضل؟ قال: (( من سلم المسلمون من لسانه ويده ) )رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، وفي الحديث الصحيح الآخر قال رسول الله: (( من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة ) )رواه البخاري والترمذي.
والغيبة قد تكون في جسم الإنسان، وقد تكون في نسبه أو مهنته أو في خُلُقه أو في مظهره وثيابه أو في أموره الدنيوية أو الدينية، وأمثلة ذلك عمومًا بأن يقال في الشخص ما يكره أن يوصف به كأعمى أو أعور أو أعرج أو أحول أو طويل أو قصير، عبد، أو أصله عبد، جَزَّار، بخيل، جبان، سريع الغضب، مُتَهَوِّر، كثير الكلام، واسع البطن، دمه ثقيل، سَيِّئُ الْخُلُقِ، قذر المنظر، فهذه وغيرها من الأوصاف التي تعتبر من باب الغيبة إن كانت موافقة للحقيقة والواقع، فالقول بها حرام، والقائل بها مغتاب آكِلٌ لَحْم أخيه المسلم عَاصٍٍ لربه. وإذا لم يكن هذا الكلام وما شابهه مطابقًا للواقع فإنه يعتبر كذبًا وبهتانًا وافتراء، وهو أعظم من الغيبة.
عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قلت للنبي: حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كذا وكذا ـ تعني أنها قصيرة ـ فقال: (( لقد قُلْتِ كلمةً لو مُزِجَتْ بماء البحر لَمَزَجَتْهُ ) )رواه أبو داود واللفظ له والترمذي وقال:"حديث صحيح", ومعنى (( مزجته ) )أي: خالطته مخالطة يتغير بها طعمُه أو ريحه لشدة نَتَنِهَا وقُبْحِهَا. وهذا الحديث من أبلغ الزواجر عن الغيبة التي يجب على المسلم تجنبها وتَطْهِير لسانه منها ومن النميمة والبهتان والافتراء والكذب؛ لأنه سوف يحاسب على ما يتكلم به ويجده مكتوبًا في صحيفته يوم الجزاء والحساب، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
وفي نهاية الحديث الذي رواه معاذ بن جبل رضي الله عنه عندما كان يسير مع رسول الله وسأله عن أشياء وأخبره الرسول عنها إلى أن قال رسول الله: (( ألا أخبرك بِمِلاَكِ ذلك كُلِّهِ؟ ) )قلت: بلى يا رسول الله، قال: (( كُفَّ عليك هذا ) )وأشار إلى لسانه، قلت: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟! قال: (( ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، وهل يَكُبُّ الناسَ في النار على وجوههم ـ أو قال: على مناخرهم ـ إلا حصائدُ ألسنتِهم ) )رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة وقال الترمذي:"حديث حسن صحيح".
فطوبى لمن اشتغل بعيوب نفسه وقام بإصلاحها، فما من إنسان بعد الرسل إلا وفيه عيوب، قد تكون أكبر من عيوب غيره وأكثر خطورة، فعلى المغتاب أن يحاسب نفسه ويسألها: هل أصلحها ونَزَّهَهَا عن كل عيب وإثم ونقص في الدين حتى لم يبق عليه إلا عيوب الناس وأحوالهم وتتبع عوراتهم؟! إن المغتاب يرى العيب في غيره وإن صَغُرَ ولا يراه في نفسه وإن كان كبيرًا، قال رسول الله: (( يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تؤذوا المؤمنين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم هتك الله ستره، ومن يتبع عورته يفضحه ولو في جوف بيته ) )رواه أبو داود والطبراني وقال:"رجاله ثقات".
والمغتاب يخسر حسناته من حيث لا يشعر، ويعطيها رغمًا عن أنفه إلى من يغتابه، وهي تعتبر في الوقت نفسه للطرف الآخر ربحًا حيث يَجِدُ جَزَاءَهَا يوم القيامة حسناتٍ تُثَقِّلُ ميزانَه، أو سيئاتٍ تُطْرَحُ عنه جاءته من حيث لا يدري، وهذه عاقبة من يغتاب المسلمين ويتطاول في أعراضهم وينهشها أو يظلمهم أو يأكل حقوقهم, عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: (( أتدرون من المفلس؟ ) )قالوا: المفلس فينا من لا درهمَ له ولا متاع، فقال: (( المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وضرب هذا، وسفك دم هذا، فيُعْطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فَنِيَتْ حسناتُه قبل أن يُقْضَى ما عليه أُخِذَ من خطاياهم فَطُرِحَتْ عليه، ثم طرح في النار ) )رواه مسلم والترمذي وغيرهما، وأيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: (( كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وعرضه وماله ) )رواه مسلم والترمذي، ومما قاله في خطبته في حجة الوداع: (( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ ) )رواه البخاري ومسلم وغيرهما، وفي الحديث الآخر: (( الربا سبعون حوبًا، وأيسرها كنكاح الرجل أمه، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم ) )رواه ابن أبي الدنيا, وقال: (( إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق ) )رواه أبو داود، ولما جاء الأسلميُّ إلى رسول الله يريد تطهيره من جريمة الزنا، ثُمَّ رُجِمَ حتى مات، فسمع رسول الله رجلين من الأنصار يقول أحدهما لصاحبه: انظر إلى هذا الذي سَتَرَ الله عليه فلم يدع نفسه حتى رُجِمَ رَجْمَ الكلب، قال: فسكت رسول الله ، ثم سار ساعة فَمَرَّ بِجِيفَةِ حِمَارٍ شَائِلٍ بِرِجْلِهِ، فقال: (( أين فلان وفلان؟ ) )فقالا: نحن ذا يا رسول الله، فقال لهما: (( كُلا من جيفة هذا الحمار ) )، فقالا: غفر الله لك يا رسول الله، من يأكل من هذا؟! فقال رسول الله: (( ما نِلْتُمَا من عِرْضِ هذا الرجل آنفًا أشد من أَكْلِ هذه الجيفة، فوالذي نفسي بيده إنه الآن في أنهار الجنة ينغمس فيها ) )رواه ابن حبان في صحيحه، وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم ) )رواه أحمد وأبو داود.
وعلى المغتاب أن يتوب إلى الله ويستغفره ويطلب من أخيه المسلم أن يعفو عنه إن كان قد بلغته الغيبة، وإن لم تبلغه فليستغفر له وليَدعُ الله له وليُثنِ عليه بقدر ما أساء له لدى الأشخاص الذين كانوا يسمعون لغيبته وتكلم عندهم، ولا يخبر صاحبه حتى لا يُوغِرَ صَدْرَ أخيه عليه.
وأما واجب السامع للمغتاب فأنْ يَذُبَّ ويَرُدَّ عن عرض أخيه بالغيب ولا يسترسل مع المغتاب، قال رسول الله: (( من ذبّ عن عرض أخيه بالْغَيْبَةِ كان حقًا على الله أن يعتقه من النار ) )رواه أحمد بإسند حسن وابن أبي الدنيا والطبراني وغيرهم، وقال: (( من ردّ عن عرض أخيه ردّ الله عن وجهه النار يوم القيامة ) )رواه الترمذي وقال:"حديث حسن"وابن أبي الدنيا، وقال أيضًا عليه الصلاة والسلام: (( من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة ) )وهو صحيح الجامع.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، أحمده تعالى وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا.
أما بعد: فإن الغيبة أصبحت من الأمراض المنتشرة بين المسلمين، ولا يسلم منها إلا من رحمه الله تعالى، فالرجل والمرأة والجاهل وطالب العلم والصغير والكبير والرفيع والوضيع في ذلك سواء، وهناك دوافع تدفع الشخص حتى يغتاب أخاه المسلم فمنها:
1-الْغَيْرَةُ في أمر من الأمور الدنيوية أو الدينية، وهي منتشرة بين الرجال والنساء، وبين النساء أكثر، وخاصة الجارات أو ما يسمّى بالضرائر.
2-الْحَسَدُ الذي يأكل قلب المغتاب، فيريد أن يُحَطِّمَ مكانةَ أخيه عند الناس، أو يريد أن يحتلّ مكانه في أيّ عمل ديني أو دنيوي من تجارة أو صناعة أو وظيفة أو أي حرفة أخرى.
3-التَّنْقِيصُ والتَّهْوِينُ من شأن الشخصيّات المحترمة في أعين الناس؛ من أجل أن يبرِّر المغتاب معائبَه وقبائحَه.
4-وقد تكون موافقة الجلساء ومجاملة الأصدقاء ومساعدتهم في الكلام وحبّ التملق والنفاق هي الدافع للغيبة، أو الكراهية الخفية في نفس المغتاب، فكل ما كان من هذا القبيل فهو حرام وهو من باب الغيبة المحرمة.
وقد ذكر العلماء أسبابًا تبيح الغيبة ومنها:
1-التَّظَلُّمُ؛ بأن يذكر للوالي أو القاضي أو من يستطيع رفع الظلم عنه مثلًا يذكر ظلم أخيه له أو خيانته أو أكله للرشوة، قال تعالى: لاَّ يُحِبُّ ?للَّهُ ?لْجَهْرَ بِ?لسُّوء مِنَ ?لْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ [النساء: 148] .
2-الاستعانة على تغيير المنكر بذكره لمن يغيره بقصد ردّ العاصي إلى الصواب، فإن لم يكن قصده التوصل إلى إزالة المنكر كان ذلك حرامًا.
3-الاستفتاء وذكر الحال للمفتي طلبًا للفتوى ويذكر الحال الحاصل، والأحوط والأفضل في ذلك أن لاَّ يذكر اسم الشخص، بل يقول: ما تقول في رجل أو شخص أو زوج كان من أمره كذا وكذا؟ يُعَرِّضُ بِاسْمِهِ ولا يُصَرِّحُ به.
4-تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم، ومن ذلك جرح المجروحين من الرواة للأحاديث النبوية وكذلك الشهود، ومنها المشاورة في مصاهرة إنسان أو مشاركته أو إيداعه أو معاملته أو إسناد عمل له أو غير ذلك، ويجب على الْمُشَاوَرِ أن لاَّ يُخْفِي الحال بل يذكر ذلك بِنِيَّةِ النصيحة.
5-المجاهر بفسقه، مثل المجاهر بشرب الخمر أو أخذ الرشوة أو المجاهر بالبدعة وغير ذلك من الأمور الدينية.
6-التعريف بالشخص باللقب إذا كان لا يُعْرَفُ إلا به، ولا يكون ذلك على سبيل التنقص والاحتقار، مثل: الأعمش أو الأعرج أو الأصم أو الأعمى أو الطويل أو القصير... الخ. فإن عُرف بغير هذه الأوصاف والألقاب كان ذلك هو الأولى والأحسن والأقرب إلى الألفة والمودة بين المسلمين عندما ينادي أحدهم أخاه المسلم بأحب الأسماء إليه.
اللهمَّ صَلِّ وسَلِّمْ وبَارِكْ على عبدك ورسولك محمد وآله...