فهرس الكتاب

الصفحة 4291 من 5777

الحياء

الرقاق والأخلاق والآداب

مكارم الأخلاق

مهران ماهر عثمان نوري

الخرطوم

خالد بن الوليد

1-معنى الحياء. 2- فضائل الحياء. 3- أحق من يُستحى منه هو الله تعالى. 4- ما يظنُّه الناس من الحياء وليس منه. 5- الموصوفون بالحياء. 6- أحق الناس بالحياء. 7- مظاهر غياب الحياء.

أما بعد: فقد دعا الإسلام إلى أخلاق فاضلة وآداب سامية، تسمو بالإنسان وتُزكِّي روحه. ومن جملة هذه الأخلاق خلق الحياء.

والحياء خلق حميد يبعث على ترك القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق [1] .

وللحياء فضائل عديدة، دلت سنة نبينا عليها، فمن ذلك أنه خيرٌ كلُّه، فعن عمران بن حصين قال: قال النبي: (( الحياء لا يأتي إلا بخير ) )أخرجاه في الصحيحين، وقال: (( الحياء كله خير ) )رواه مسلم.

وهو من الأخلاق التي يحبها الله، قال الرسول: (( إنَّ الله حيي سِتِّير يحب الستر والحياء ) )رواه أبو داود والنسائي.

والحياء من الإيمان، وكلما ازداد منه صاحبه ازداد إيمانه، فعن أبي هريرة عن النبي: (( الإيمان بضع وسبعون شعبة، أفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان ) )أخرجاه في الصحيحين، وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي مرَّ على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء فقال رسول الله: (( دعه فإن الحياء من الإيمان ) )أخرجاه في الصحيحين.

وهو خلق دين الإسلام؛ لقول سيِّد الأنام عليه الصلاة والسلام: (( إنَّ لكل دين خلقًا، وخلق الإسلام الحياء ) )رواه مالك وابن ماجه.

والحياء يحمل على الاستقامة على الطاعة وعلى ترك المعصية ونبذ طريقها، وهل أدل على ذلك من قول نبينا: (( إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فافعل ما شئت ) )رواه البخاري؟!

وإنَّ من أعظم فضائله أنه يفضي بأصحابه إلى جنة عرضها السماوات والأرض، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله: (( الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء، والجفاء في النار ) )رواه الترمذي. والبذاء ضد الحياء، فهو جرأة في فُحشٍ، والجفاء ضد البر.

أيها المؤمنون، إن أحقَّ من يُستحَى منه الله تعالى، قال النبي: (( فالله أحق أن يُستحَى منه ) )رواه الترمذي. وقد بيّن النبي حقيقة الحياء من الله، فعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله: (( استحيوا من الله حق الحياء ) )، قلنا: يا نبي الله، إنا لنستحي والحمد لله، قال: (( ليس ذلك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، وتحفظ البطن وما حوى، ولتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء ) )رواه الترمذي. وهذا الحديث دليل على ما سبق ذكره من أن الحياء يصد عن قبيح الفعال وذميم الصفات.

اعلموا ـ عبادَ الله ـ أنه ليس من الحياء أن يسكت الإنسان على الباطل، ليس منه أن تُعَطل شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذا جبن وخور وضعف، وليس من الحياء في شيء، قال النووي رحمه الله:"وأما كون الحياء خيرًا كله ولا يأتي إلا بخير فقد يُشكل على بعض الناس من حيث إن صاحب الحياء قد يستحي أن يواجه بالحق من يجلُّه، فيترك أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وقد يحمله الحياء على الإخلال ببعض الحقوق، وغير ذلك مما هو معروف في العادة. وجواب هذا ما أجاب به جماعة من الأئمة؛ منهم الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله: أن هذا المانع الذي ذكرناه ليس بحياء حقيقة، بل هو عجز وخور ومهانة، وإنما تسميته حياء من إطلاق بعض أهل العرف، أطلقوه مجازًا لمشابهته الحياء" [2] .

ولذا مما تنزه الله عنه الاستحياء من الحق مع أنه موصوف بالحياء كما سيأتي، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا [البقرة:26] . وسببها أن المنافقين لما ضرب الله مثلهم: كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا [البقرة:17] وقوله: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ [البقرة:19] قالوا: الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال! فأنزل الله الآية [3] .

وقال سبحانه: إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ [الأحزاب:53] ، وقال النبي: (( إن الله لا يستحيي من الحق ) )رواه الترمذي.

وليس من الحياء أن يمتنع الإنسان من السؤال عن أمور دينه، فالحياء يبعث على الخير ولا يصدّ عنه؛ ولذا مدحت عائشة رضي الله عنها نساء الأنصار بقولها: رحم الله نساء الأنصار؛ لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين. رواه مسلم. وجاء إليها أبو موسى الأشعري فقال: يَا أُمَّاه، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكِ عَنْ شَيْءٍ وَإِنِّي أَسْتَحْيِيكِ؟ فَقَالَتْ: لا تَسْتَحْيِي أَنْ تَسْأَلَنِي عَمَّا كُنْتَ سَائِلًا عَنْهُ أُمَّكَ الَّتِي وَلَدَتْكَ، فَإِنَّمَا أَنَا أُمُّكَ، قُلْتُ: فَمَا يُوجِبُ الْغُسْلَ؟ قَالَتْ: عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: (( إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ ) )رواه مسلم، وجاءت أم سُليم رضي الله عنها لرسول الله قائلةً: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ، فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ النَّبِيُّ: (( إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ ) )أخرجه الشيخان.

فإذا لم يقدر الإنسان على السؤال لعذر يقتضي الحياء فعليه أن يُرسل من يسأل له أو يهاتف الشيخ أو يراسله، فقد قال علي بن أبي طالب: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، وَكُنْتُ أَسْتَحْيِي أَنْ أَسْأَلَ النَّبِيَّ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ، فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: (( يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ ) )أخرجه الشيخان.

فاحذر ـ رعاك الله ـ من أن يصدك الشيطان عن سبيل العلم وسؤال أهله بإيهامك أن هذا من الحياء، واجعل قول إمامنا مجاهد رحمه الله منك على بال:"اثنان لا يتعلمان: حيي ومستكبر".

عباد الله، إنَّ الحياء صفة من صفات الله رب العالمين والملائكة والمرسلين وصالح المؤمنين، فقد وصف النبي ربَّه بذلك فقال: (( إن ربكم تبارك وتعالى حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرًا خائبتين ) )رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه.

وكل صفة وصف الله بها نفسَه وقامت الأدلة على وصف العباد بها فلا تظنن أن ذلك يعني مشابهة الله لخلقه، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، قال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] ، فالفرق بين صفاتنا وصفاته كالفرق بين ذواتنا وذاته.

وقول النبي في عثمان فيما رواه مسلم: (( ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟! ) )دليل على اتصاف الملائكة به.

وهو خلق الأنبياء، فقد جاء عن خاتمهم: (( أربع من سنن المرسلين: الحياء والتعطر والسواك والنكاح ) )رواه الترمذي، وقال أبو سعيد ينعت نبينا: كان رسول الله أشدَّ حياءً من العذراء في خدرها. أخرجه الشيخان.

وهو خلق المؤمنين الصادقين، فهذا عثمان بن عفان يُذكِّر النبي الأمةَ بمناقبه فيقول: (( وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ ) )رواه أحمد والترمذي وابن ماجه. ويسأل النبي أصحابه وفيهم ابن عمر: (( إِنَّ مِنْ الشَّجَرِ شَجَرَةً لا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ، فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ؟ ) )فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي، قَالَ ابن عمر: وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (( هِيَ النَّخْلَةُ ) )أخرجه الشيخان.

والحياء من الأخلاق التي كانت تُعرف في الجاهلية فإن أبا سفيان لما كان على الإشراك سأله هرقل أسئلة عن النبي ، فلما انتهى الكلام بينهما قال أبو سفيان: والله، لولا الحياء من أن يأثروا علي كذبًا لكذبت. أخرجه الشيخان. وفي غزوة حنين تبع أبو موسى الأشعري أحد الكفار فولى هاربًا، فقال له أبو موسى: ألا تستحي؟! ألست عربيًا؟! ألا تثبت؟! فوقف وتقالا فقتله أبو موسى. رواه مسلم.

وأولى الناس بخلق الحياء النساء، وقد خلَّد القرآن الكريم ذكر امرأة من أهل هذا الخلق، قال الله عنها: فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [القصص:25] . فهذه الآية تدل على حياء تلك المرأة من وجهين: الأول: جاءت إليه تمشي على استحياء بلا تبذل ولا تبجح ولا إغواء، الثاني: كلماتها التي خاطبت بها موسى عليه السلام، إذ أبانت مرادها بعبارة قصيرة واضحة في مدلولها، من غير أن تسترسل في الحديث والحوار معه، وهذا من إيحاء الفطر النظيفة السليمة والنفوس المستقيمة.

ولا يَدري من وقف على أحداث هذه القصة التي جرت لنبي الله وكليمه موسى عليه السلام أيعجب من حياء المرأة أم من حيائه ؛ فقد جاء عن عمر بن الخطاب: جاءتْ واضعةً يدَها على وجهها، فقام معها موسى وقال لها: امشي خلفي وانعتي لي الطريق وأنا أمشي أمامك؛ فإنا لا ننظر في أدبار النساء. رواه الحاكم.

وإن تعجب من هذه المرأة فعجب أمر فاطمة رضي الله عنها التي حملها الحياء على أن تقول لأسماء بنت أبي بكر: يا أسماء، إني قد استقبحت ما يُصنع بالنساء؛ أنه يُطرح على المرأة الثوب فيصفها، فقالت أسماء: يا بنت رسول الله ، ألا أريكِ شيئًا رأيته بأرض الحبشة؟! فدعت بجرائد رطبة فحنتها ثم طرحت عليها ثوبًا، فقالت فاطمة رضي الله عنها: ما أحسن هذا وأجمله، يُعرف به الرجل من المرأة، فإذا أنا مت فاغسليني أنت وعليّ ولا تدخلي علي أحدًا. فلما توفيت جاءت عائشة تدخل فقالت أسماء: لا تدخلي، فشكت لأبي بكر فقالت: إن هذه الخثعمية تحول بيني وبين ابنة رسول الله وقد جعلت لها مثل هودج العروس! فجاء أبو بكر فوقف على الباب وقال: يا أسماء، ما حملك على أن منعت أزواج النبي يدخلن على ابنته، وجعلت لها مثل هودج العروس؟! فقالت: أمرتني أن لا أدخل عليها أحدًا، وأريتها هذا الذي صنعت وهي حية فأمرتني أن أصنع ذلك لها، فقال أبو بكر: فاصنعي ما أمرتك، ثم انصرف، وغسلها علي وأسماء رضي الله عنهما. رواه البيهقي.

لله درها! ما أكمل حياءها! وليس هذا مما يُستغرب منها، فهي من قد عرفنا.

بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم، ونفعنا بما فيه من آياتٍ وذكر حكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم وللمؤمنين، إنه غفور رحيم.

[1] شرح النووي على صحيح مسلم (2/6) .

[2] شرح صحيح مسلم (2/5) .

[3] تفسير الطبري (1/177) .

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين وخاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد: فيا أيها المؤمنون، إن لغياب الحياء عن ساحاتنا لمظاهرَ وخيمةً، وإن من أقبحها سيادة الفحش والعري والتفسخ، وقد علمت أثر الحياء في التستر والاحتشام، قال الله تعالى في ذكر قصة آدم عليه السلام: فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ [الأعراف:22] .

ومما وُصف به موسى عليه السلام أنه (( كان رجلًا حييًا ستيرًا، لا يُرى من جلده شيء استحياءً منه ) )رواه البخاري، والنبي لما دخل عليه عثمان وكان بعضُ فخذيه باديًا سوَّى ثيابه. أخرجه مسلم.

إن الحياء خلق رفيع، لا يكون إلا عند من عَزَّ عنصره ونَبُل خلقه وكَرُم أصله.

إذا قلَّ ماءُ الوجْهِ قلَّ حياؤه ولا خير في وجه إذا قلَّ ماؤه

حياءَك فاحفظه عليك فإنَّما يدل على وجه الكريم حياؤه

نسأل الله أن يهدينا لأحسن الأخلاق...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت