الرقاق والأخلاق والآداب, قضايا في الاعتقاد
البدع والمحدثات, الفتن
علي بن عبد الرحمن الحذيفي
المدينة المنورة
المسجد النبوي
1-نعمة الإسلام. 2- خطورة البدع. 3- أسباب البدع: الجهل، اتباع الهوى، سوء القصد، الإعراض عن الحق، الإعجاب بالرأي، البعد عن العلماء، الفتاوى والكتب المضلة، إيثار الدنيا. 4- تصدي الصحابة للبدع. 5- محاربة العلماء والأمراء للبدع. 6- أهمية نعمة الأمن. 7- نداء للخارجين على الجماعة. 8- فتنة الشهوات.
أمّا بعد: فاتَّقوا الله ـ أيّها المسلمونَ ـ وأطِيعوه، فتَقوَى اللهِ يُصلِح الله بهَا الأمورَ، ويشرَح بهَا الصّدورَ، ويحسِن الله بها العَواقبَ في الدّنيا والآخرَة، كما قالَ تعالى: تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين [القصص:83] .
عِبادَ الله، إنَّ أَعظمَ نِعَم اللهِ تعالى علَى العبادِ دينُ الإسلام الذي يفرِّق بينَ الحقِّ والباطلِ والحلال والحرام والخيرِ والشرّ وسبيلِ الهدَى وسبُل الرّدَى، قال الله تعالى: أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا [الأنعام:122] .
وإنَّ أعظمَ ما يهدِم الدّينَ الإسلاميّ ظهورُ البِدَع المضِلَّة التي يرَى صاحبُها أنّه مصيبٌ وهو على ضلالٍ.
وتكون البِدَع المضلَّة بسبَبِ الجهلِ كما قال تعالى: وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ [الأنعام:111] ، وكما قالَ عزّ وجلّ: وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ [الأنعام:116] .
ومِن أسباب البدَع المضِلَّة اتِّباعُ الهوى، قال الله تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ [القصص:50] .
ومِن أسباب البدَع المضِلّةِ سوءُ القصدِ والإرَادةِ، قال تعالى: سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا [الأعراف:146] .
ومِن أسبابِ البدَع المضِلَّة الإعرَاضُ عن تعلُّم الحقِّ والعَمَل به كما قَال تعالى: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى [طه:123، 124] ، وقال عز وجلّ: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها إِنَّا مِنْ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ [السجدة:22] .
ومِن أسباب البدع المضِلَّة إعجابُ المرءِ بنفسِه ورأيِه، فلا يقبل النصحَ والتوجيه، قال اللهُ تعالى: أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ [فاطر:8] ، وعن أبي ثعلبةَ الخشني أنه سأل النبيَّ عن هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة:105] فقال عليه الصلاة والسلام: (( ائتمِروا بالمعروف، وتناهَوا عن المنكر، حتى إذا رأيتم شُحًّا مطاعًا وهوًى متَّبعًا ودُنيا مؤثَرة وإعجابَ كلِّ ذي رأيٍ برأيه فعليك بنفسِك ودَع عنك أمرَ العَوام، فإنَّ مِن ورائِكم أيامًا الصبرُ فيهنّ مثلُ القبض على الجمر، للعامل فيهنّ مثلُ أجرِ خمسين رجلًا يعمَلون مثلَ عملكم ) )، قيل: يا رسولَ الله، أجر خمسين منّا أو منهم؟ قال: (( بل أجرُ خمسين منكم ) )رواه أبو داود والترمذي [1] .
ومِن أسبابِ البدَع المضلَّة البُعدُ عن أهلِ العِلم وَعَدَم سؤالِهم عن أمورِ الدّين وسؤالُ ذوي الجهل بالدين، قال الله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [النحل:43] ، وقال تعالى: وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ [العنكبوت:43] ، وعن عبدِ الله بن عمرو بنِ العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول: (( إنَّ اللهَ لا يقبِض العِلمَ انتِزاعًا ينتزِعه منكم، ولكن يَقبِض العِلمَ بقبضِ العلماءِ، حتى إذا لم يبقَ عالم اتَّخَذ الناسُ رؤساءَ جهَّالًا، فسئِلوا فأفتَوا بغيرِ علمٍ، فضلُّوا وأضلُّوا ) )رواه البخاري ومسلم [2] .
وكثيرًا ما وقع رجالٌ في البدع بسببِ فتاوى وكتبٍ تزيِّن البدعةَ وتزيِّن الانحرافَ عن نهج السلف، وبسببِ الزهد في أخذِ العلم عن الراسخين من العلماء.
ومِن أسبابِ البدَع المضلَّة إيثارُ الدنيا على الآخرة وتقديمُ محبّتها على النعيم المقيم الذي أعدَّه الله للمتقين، قال الله تعالى: كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ [القيامة:20، 21] ، وقال عز وجل: إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا [الإنسان:27] ، وقال تعالى: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى:16، 17] ، وقال عز وجلّ: اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [التوبة:9] ، وفي الحديث عن النبي: (( حبُّ الدنيا رأسُ كلِّ خطيئةٍ ) ) [3] . ولو استقرأنا التاريخَ لرأينَا أنَّ أهلَ البدع طلاّبُ دنيا، آثروها على الحقّ.
وإذا اجتمعَت هذه الأسبابُ فقَد استحكَمَت أسباب الشَّقاوة وتحَقَّقت الهلَكَةُ، إلاَّ أن يمُنَّ الله تعالى بتوبةٍ منقِذةٍ.
وقَد حدَثت أوائلُ البِدَع في أواخِر عصرِ الصّحابة رضي الله تعالى عنهم تَصديقًا لقوله: (( فإنّه مَن يَعِش منكم فسَيرى اختلافًا كثيرًا ) ) [4] ، فتصَدّوا لها، ودفَعوا في نحورِها بالبَيان وقوَّةِ السّلطان، حتى ولَّت مُدبِرةً وانكشَفَت ظلُماتها، وحذّروا أمّةَ الإسلام من كلّ بدعةٍ.
ففي أواخرِ عَصرِ الصحابة رضِي الله عنهم ظهرت بدعةُ الخوارِجِ وبدعةُ القدريّة، ثم تتابَعت البدَعُ المضلّة. وفي كلِّ عصرٍ يهيِّئ الله للأمّةِ الإسلاميَّة مِن ولاةِ الأمر والعلماءِ من يطفِئ نارَ الفتَنِ ويقمَع البدَعَ، فالولاةُ يقمعون البدعَ ويطفِئون الفتنَ بقوّةِ السّلطان، والعلماءُ بقوّة البَيان، فينشرونَ السّنَنَ، ويبلِّغون الأحكامَ، ويحذِّرون الأمّةَ أن تَتأثّرَ بدعاةِ الفتنة، اقتداءً بالنّبيِّ الذِي كان يحَذِّر من البدَعِ والفتَن بمثلِ قوله: (( إنه لم يكن قبلِي نبيٌّ إلاّ كانَ حقًّا عليهِ أن يدلَّ أمّتَه على خَير ما يعلَمه لهم، وينذِرَهم شرَّ ما يَعلمُه لهم، وإنَّ أمّتَكم هذه جُعِل عافِيتُها في أوَّلها، وسيصيبُ آخرَها بَلاء وأمورٌ تنكِرونها، وتجيءُ الفتَنُ فيرقِّق بَعضُها بَعضًا، وتجيء الفِتنَةُ فيقول المؤمن: هذِه مُهلِكَتي، ثم تَنكشِف، وتجيء الفِتنةُ فيقول المؤمنُ: هذهِ هذِه، فمَن أَحبَّ أن يُزَحزَح عن النّارِ ويُدخلَ الجنّة فلْتأتِه منيّتُه وهو يؤمِن بالله واليومِ الآخِر، وليأتِ إلى النّاس الّذي يحِبّ أن يُؤتَى إليه، ومَن بَايعَ إمامًا فأعطَاه صَفقَةَ يدِه وثمرَةَ قلبِه فليطِعه إن استطَاعَ، فإن جاءَ آخرُ ينازِعُه فاضرِبوا عُنقَ الآخَر ) )رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما [5] .
وعن معاذٍ رضي الله عنه قال: (إنَّ وَراءَكم فِتنًا يكثُر فيها المال، ويُفتَح فيها القرآنُ حتى يأخذَه المؤمِنُ والمنافِق والرّجلُ والمرأة والعَبد والحرّ والصّغِير والكَبير، فيوشِك قَائلٌ أن يقولَ: ما للنّاسِ لا يتَّبعوني وقد قرَأتُ القرآنَ؟! وما هم بمتَّبعِيَّ حتى أبتَدِعَ لهم غيرَه، فإيّاكم وما ابتَدَع، فإنما ابتدَعَ ضلالةٌ) رواه أبو داود [6] .
وعن أبي موسَى الأشعَريّ رضي الله عنه قَال: قال رَسول الله: (( مَن حمَل علينا السّلاحَ فليس منَّا ) )رواه البخاريّ ومسلم [7] ، وعن ابن مسعودٍ رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله: (( سِبابُ المسلم فُسوق، وقِتاله كفرٌ ) )رواه البخاري ومسلم [8] .
أيّها المسلمون، إنَّ بعضَ النّاس لا يتحمَّل الصبرَ على النّعَم، بل يحارِبها بأفعالِه، ويمَلُّها لتَتابِعها ولجهلِه، فيضرّ نفسَه ويضرُّ غيرَه، قال الله تَعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ [العنكبوت:67] .
والأمنُ نعمةٌ مِنَ الله تعالى ومِنّةٌ كبرى، تتحقَّق به مصالحُ الدّين والدنيا، حقُّه أن يُشكَرَ الله عليه، ويُعبَدَ الربّ في ظلِّه، ويُحاط الأمن ويحفَظ من كلِّ أحد، قال الله تعالى: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا البَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ [قريش:3، 4] ، وقالَ تَعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7] ، وعَن عبَيدِ الله بن محصِنٍ الأنصاريّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( مَن أصبَح منكم آمِنًا في سِربِه مُعافًى في جسدِه عِنده قوتُ يومِه فكأنما حِيزَت له الدنيا ) )رواه الترمذي [9] ، وَعن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أنَّ النبيَّ كانَ إذا رأَى الهِلالَ قال: (( اللّهمَّ أهِلَّه علينَا بالأمن والإيمان والسلامةِ والإسلامِ، ربِّي وربُّك الله ) )رواه الترمذي [10] .
ألا فليتَّق اللهَ هؤلاء الذينَ خَرَجوا على جماعةِ المسلمِينَ وولاةِ أمرِهم، وليتفكَّروا في هذهِ الأعمالِ التدميريّة التخرِيبيّة الإرهابيّة التي أفسَدَت فسَادًا عَريضًا وشوَّهت الإسلامَ، والدينُ منها بَرَاء، فهي إمَّا قَتلٌ لنفسِ العابِثِ بالأمنِ والله تعالى يقول: وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء:29، 30] ، وعن أبي هريرةَ قال: قال رسول الله: (( من تردَّى من جَبلٍ فقتل نَفسَه فهو في نار جهنّم يتردَّى فيها خالدًا مخلَّدًا فيها أبدًا، ومَن تحسَّى سُمًّا فقتل نفسَه فسمّه يتحسَّاه بيدِه في نارِ جهنّم خالدًا مخلّدًا فيها أبدًا، ومَن قتَل نفسَه بحديدَة فحديدتُه في يدِه يتوجَّأ بها في بطنِه في نار جهنّم خالدًا مخلَّدًا فيها أبدًا ) )رواه البخاري ومسلم [11] ، وإمّا قتلٌ لمواطنٍ أو مُقيمٍ مسلِم أو رجلِ أمنٍ والله تعالى يقول: وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93] ، وعن بريدةَ قال: (قتلُ المؤمنِ أعظمُ عند الله من زوالِ الدّنيا) رواه النسائي [12] ، وعن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله: (( لو أنَّ أهلَ السّماءِ وأهلَ الأرض اشترَكوا في دمِ مؤمنٍ لأكبَّهم الله في النار ) )رواه الترمذي [13] ، وفعلُهم إمّا قتلٌ كذلِك لغيرِ مسلِم مستأمَن قد حفِظَ الإسلامَ دمَه ومالَه وحرَّم ظلمَه والاعتداءَ عليه، وإمّا إتلافٌ لمالٍ خَاصّ أو إتلاف لمال عامٍّ، وإما تخويفٌ وترويع للآمنين وإشاعةٌ للذّعرِ والخوف في المجتمع، وكلُّ ذلك ظلماتٌ بعضُها فوقَ بعض وكبائرُ كثيرةٌ، لو تدبَّرها المتدبِّر لكَفَته واحدةٌ منها في النّفورِ عنها والبعدِ عن هذا الانحرافِ الفكريّ الشِّرِّير.
ونَدعوهم أن يسَلِّموا للسّلطانِ أنفسَهم، فذلك هو الطَّريق الصّحيحُ، ليس من طريقٍ غَيره، وأن يتوبُوا إلى الله تعالى مِن هذا الإفسَادِ، فإنَّ من تَاب تاب الله عليه وعَفا عنه، قالَ الله تعالى: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [المائدة:33، 34] . أعاذنا الله والمسلِمين مِن مضلاّت الفتَن.
وإنّه لا ينقضِي العجَبُ كيف استَدرَجَ شياطينُ الإنس والجنِّ هؤلاءِ الذين يرَونَ الإفسَادَ إصلاحًا والشّرَّ خيرًا والبَاطلَ حقًّا، حَتى دَفعوهم إلى أعمالِ أهل النّارِ والعياذ بالله، قال الله تَعالى: وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا [المائدة:41] .
ثبَّتني الله وإياكم على الصّراط المستقيم، وبارَك الله ولي ولَكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ونفعنا بهدي سيّد المرسلين وبقوله القويم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفروه إنّه هو الغفور الرحيم.
[1] سنن أبي داود: كتاب الملاحم (4341) ، سنن الترمذي: كتاب التفسير (3058) ، وأخرجه أيضا ابن ماجه في الفتن (4014) ، والطبراني في الكبير (2/220) ، وأبو نعيم في الحلية (2/30) ، والبيهقي في الشعب (6/83، 7/127) ، وقال الترمذي:"هذا حديث حسن غريب"، وصححه ابن حبان (385) ، والحاكم (7912) ، وهو في السلسلة الضعيفة (1025) .
[2] صحيح البخاري: كتاب الاعتصام (7307) ، صحيح مسلم: كتاب العلم (2673) .
[3] أخرجه البيهقي في الشعب (7/338) عن الحسن البصري مرسلا. وروي من كلام عيسى عليه السلام، أخرجه أبو نعيم في الحلية (6/388) ، والبيهقي في الزهد (248) عن الثوري قال: قال عيسى عليه السلام وذكره. وروي من كلام مالك بن دينار، أخرجه عنه ابن أبي الدنيا في مكائد الشيطان.
[4] سيأتي تخريجه.
[5] صحيح مسلم: كتاب الإمارة (1844) .
[6] سنن أبي داود: كتاب السنة (6411) ، وهو في صحيح سنن أبي داود (3855) .
[7] صحيح البخاري: كتاب الفتن (7071) ، صحيح مسلم: كتاب الإيمان (100) . وفي الباب عن عبد الله بن عمر وأبي هريرة وابن الزبير وسلمة بن الأكوع وعبد الله بن عمرو رضي الله عنهم.
[8] صحيح البخاري: كتاب الإيمان (48) ، صحيح مسلم: كتاب الإيمان (64) .
[9] سنن الترمذي: كتاب الزهد، باب: التوكل على الله (2346) ، وأخرجه أيضا البخاري في الأدب المفرد (300) ، وابن ماجه في الزهد، باب: القناعة (4141) ، والحميدي في مسنده (439) ، وقال الترمذي:"حديث حسن غريب"، وله شواهد من حديث أبي الدرداء وابن عمر وعلي رضي الله عنهم، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (2318) .
[10] سنن الترمذي: كتاب الدعوات، باب: ما يقول عند رؤية الهلال (3451) ، وأخرجه أيضا أحمد (1/162) ، والدارمي في الصوم (1688) ، والحاكم (7767) ، وقال الترمذي:"هذا حديث حسن غريب"، وصححه الألباني لشواهده في السلسلة الصحيحة (1816) .
[11] صحيح البخاري: كتاب الطب (5778) ، صحيح مسلم: كتاب الإيمان (109) .
[12] سنن النسائي: كتاب تحريم الدم (3990) عن بريدة رضي الله عنه مرفوعا، وأخرجه البيهقي في الشعب (4/345) ، وصححه ابن الملقن في خلاصة البدر المنير (2/261) ، وهو في صحيح الترغيب (2440) ، وانظر: غاية المرام (439) . وفي الباب عن سعد وابن عباس وأبي سعيد وأبي هريرة وعقبة بن عامر وابن مسعود وعبد الله بن عمرو رضي الله عنهم.
[13] سنن الترمذي: كتاب الديات (1398) ، وقال:"حديث غريب"، وقال ابن كثير في إرشاد الفقيه (2/258) :"في إسناده يزيد الرقاشي عن أبي الحكم وهو عبد الرحمن بن أبي نعم عنهما، ويزيد ضعيف جدّا، ولكن هذه الأخبار يشد بعضها بعضا"، ولذا صححه الألباني في صحيح الترغيب (2438، 2442) .
الحمد لله العزيزِ الوهّابِ، غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ [غافر:3] ، أحمد ربِّي وأشكُره، وأتوب إليهِ وأستغفِره، وأشهد أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له، عليه توكَّلت وإليه مَآب، وأشهد أنَّ نبيّنا وسيّدنا محمّدًا عبده ورسوله، فضَّله الله بأحسَنِ كِتابٍ، اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على عبدك ورسولك محمّد، وعلى الآل والأصحاب.
أمّا بعد: فاتّقوا الله تعالى وأطيعوه، فإنَّ طاعته أقوَم وأقوى، وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة:197] ، وتمسَّكوا من الإسلام بالعروة الوثقى.
عبادَ الله، إنَّ البِدعَ المضِلَّة هي الّتي تضرُّ المسلِمَ في دينِه، كما يضرّ المسلِمَ في دينِه شهواتُ الغَيّ، فتتَراكم على قلبِه المحرَّماتُ والشهوات حتى تطفِئَ نورَ الإيمانِ كما قال الله تبارك وتعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم:59] .
واللّذّاتُ المحرَّمَة هي للقَلبِ كالسّمومِ للأبدان، فاحذَر ـ أيّها المسلم ـ مَداخلَ الشيطان عَليكَ، وهِي أبوابُ الشّبُهات وأبوابُ الشّهوَات، واعتصِم بالصبرِ عَن الشَّهوات، واعتصم باليقينِ عن الشبهات، قال الله تعالى: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24] ، وقال تعالى: فَاصْبِرْ إِنَّ العَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [هود:49] .
والزم ـ أيّها المسلِم ـ جماعةَ المسلِمين وإمامَهم، فإنَّ يدَ الله على الجمَاعةِ، وإنما يأكُل الذئبُ من الغنمِ القاصيةَ، والشيطانُ ذئبُ الإنسان، عن العِرباضِ بن سارية رضي الله عنه قال: وَعَظنا رسول الله مَوعظةً وجلَت منها القلوب وذرَفت منها العيونُ، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعِظَة مودِّع فأوصِنا، قال: (( أوصيكم بتقوَى الله، والسمع والطاعة وإن تأمَّر عليكم عبدٌ، فإنّه من يعِش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعَليكم بسنّتي وسنّةِ الخلفاء الرّاشِدين المهديّين، عضّوا عليها بالنواجِذ، وإيّاكم ومحدثاتِ الأمور، فإنَّ كلَّ بدعةٍ ضَلالَة ) )رواه الترمذيّ وأبو داود [1] .
عبادَ الله، إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] ، وقد قال: (( مَن صلَّى عليَّ صلاةً واحِدَةً صلَّى الله عَليه بها عشرًا ) ).
فصلّوا وسلّموا على سيِّد الأوّلين والآخرين وإمامِ المرسلين.
اللهمَّ صلِّ على محمّد وعلَى آل محمّد كمَا صلّيت على إبراهيمَ وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد، وبارِك على محمّد وعلى آلِ محمّد كما باركتَ على إبرَاهيمَ وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد، وسلِّم تسليمًا كثيرًا، اللّهمّ وارضَ عن الصحابةِ أجمعين...
[1] سنن الترمذي: كتاب العلم (2676) ، سنن أبي داود: كتاب السنة (4607) ، وأخرجه أيضا أحمد (4/126-127) ، وابن ماجه في المقدمة (46) ، والدارمي في مقدمة سننه (95) وغيرهم، وقال الترمذي:"حديث حسن صحيح"، وصححه ابن حبان (1/179) ، والحاكم (1/95-96) ، ووافقه الذهبي، ونقل ابن رجب في جامع العلوم والحكم (2/109) عن أبي نعيم أنه قال:"هو حديث جيد من صحيح حديث الشاميين"، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (37) .