الرقاق والأخلاق والآداب
الموت والحشر
عبد الحليم توميات
رايس حميدو
عمر بن الخطاب
1-فجأة الموت. 2- الديمومة لله تعالى. 3- الموت غاية كل حي. 4- الموت قاهر الجميع.
أما بعد: فلعل كثيرًا منكم يتساءل عن موضوع خطبتنا هذا اليوم، وعن الكبيرة التي سنتناولها فيها، ألا فاعلموا أننا سنحدثكم اليوم عن أعظم حقيقة في هذا الوجود، حقيقة ينبغي علينا جميعًا أن نتذكرها دائمًا في هذا العصر، وأن لا نغفل عنها طرفة عين ولا أقل من ذلك، عصر طغت فيه الشهوات والمغريات، وأعرض كثير من الناس فيه عن رب الأرض والسماوات، فتعالوا بنا نقف وقفة مع كلام الحق، مع القول الصدق، مع أصل العز والشرف، مع منبع الهدى والنور، مع القرآن الكريم، وهو يحدثنا عن أعظم الحقائق، يحدثنا عن الموت، تعالوا بنا وأعيرونا الأسماع والقلوب والأبصار.
يقول الله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا ?لإِنسَـ?نَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ?لْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى ?لْمُتَلَقّيَانِ عَنِ ?لْيَمِينِ وَعَنِ ?لشّمَالِ قَعِيدٌ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ وَنُفِخَ فِى ?لصُّورِ ذَلِكَ يَوْمَ ?لْوَعِيدِ وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ لَّقَدْ كُنتَ فِى غَفْلَةٍ مّنْ هَـ?ذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ ?لْيَوْمَ حَدِيدٌْ [ق:15-22] .
وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ ، والحق أنك تموت ويبقى الله حيًا لا يموت.
وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ ، والحق أن ترى عند موتك ملائكة الرحمة وملائكة العذاب.
وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ ، والحق أن يكون قبرك روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار.
وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ ، ذلك ما كنت منه تفر، ذلك ما كنت منه تهرب، تحيد إلى الطبيب إذا نزل بك مرض، تحيد إلى الطبيب إذا نزل بك مرض، تحيد إلى الطعام إذا أحسست بالجوع، تحيد إلى الشراب إذا نزل بك الظمأ، ولكن أيها القوي الفتي، أيها الذكي العبقري، أيها الأمير وأيها الكبير، أيها الحقير وأيها الصغير، اعلم أن كل باك سوف يبكى، وكل ناع سوف يُنعى، كل موجود فسيفنى، وكل مذكور فسينسى، ليس غير الله يبقى، من علا فالله أعلى.
وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ ، إنها الحقيقة الكبرى التي تعلن على مر الزمان وفي كل مكان، في أذن كل سامع، وعقل كل مفكر أن البقاء لله الحي الذي لا يموت، إنها الحقيقة الكبرى التي تُلبس الكون كله ثوب الذل والصغار والعبودية لله الواحد القهار، إنها الحقيقة التي يقر بها كل مؤمن وكافر، يمر بها كل بر وفاجر، إنه الموت، طالب لا يمل الطلب، لا يبطئ الخطأ، إنه هادم اللذات، إنه مفرق الجماعات، إنه مبكي العيون، ومفزع القلوب.
أين رسول الله ؟ أين الحبيب المصطفى؟ أين سيد ولد بني آدم؟ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مّن قَبْلِكَ ?لْخُلْدَ أَفَإِيْن مّتَّ فَهُمُ ?لْخَـ?لِدُونَ [الأنبياء:37] .
أيا عبد الله كم يراك الله عاصيا حريصا على الدنيا وللموت ناسيا
أنسيت لقاء الله واللحد والثرى ويومًا عبوسا تشيب فيه النواصيا
لو أن المرء لم يلبس لباسًا من التقى تجرد عريانا ولو كان كاسيا
ولو أن الدنيا تدوم لدامت لأهلها ولكان رسول الله حيا وباقيا
ولكنها تفنى ويفنى نعيمها وتبقى الذنوب والمعاصي كما هيا
أيها الكبير، أيها الصغير، ي?أَيُّهَا ?لإِنسَـ?نُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى? رَبّكَ كَدْحًا فَمُلَـ?قِيهِ [الانشاق:6] ، إن الموت آت، وكل آت قريب.
كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ ?لتَّرَاقِىَ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ وَظَنَّ أَنَّهُ ?لْفِرَاقُ وَ?لْتَفَّتِ ?لسَّاقُ بِ?لسَّاقِ إِلَى? رَبّكَ يَوْمَئِذٍ ?لْمَسَاقُ [القيامة:26-30] ، وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ قيل: هل أحد يرقيه؟ أحضروا الطبيب، أحضروا الراقي، أحضروا الدواء، ولكن إذا حان الأجل فلا تستطيع قوة على وجه الأرض أن تؤخره، انظروا إليه، والأطباء حوله، وأهله حوله، يحاول جاهدًا أن يتكلم، إنه يبذل كل ما لديه ليحرك شفتيه بكلمة التوحيد، لكنه لا يستطيع، يجدها عليه كالجبل الضخم، لا يوفق يومئذ إلا من يسر الله ذلك عليه، فيبقى ينظر إلى الطبيب عند رأسه، إلى زوجته، إلى أولاده، ينظر إليهم وكأنه يقول لهم: يا أحبائي، يا أولادي، يا بناتي، أنا أبوكم، أنا حبيبكم، أنا الذي جمعت لكم هذا المال وبنيت لكم بيوتًا كأمثال الجبال، فمن يزيدني ساعة من عمره.
فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ?لْحُلْقُومَ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَـ?كِن لاَّ تُبْصِرُونَ فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَـ?دِقِينَ فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ ?لْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّـ?تُ نَعِيمٍ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَـ?بِ ?لْيَمِينِ فَسَلَـ?مٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَـ?بِ ?لْيَمِينِ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ ?لْمُكَذّبِينَ ?لضَّالّينَ فَنُزُلٌ مّنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ إِنَّ هَـ?ذَا لَهُوَ حَقُّ ?لْيَقِينِ فَسَبّحْ بِ?سْمِ رَبّكَ ?لْعَظِيمِ [المعارج:82-96] .
سبحانك، يا من قهرت بالموت أعناق الجبابرة، سبحانك، يا من أذللت بالموت أنوف الأكاسرة، سبحانك، يا من أخضع بالموت رؤوس القياصرة، سبحانك، يا من نقلتهم بالموت من القصور إلى القبور، من ضياء المهود إلى ظلمة اللحود، من ملاعبة الجواري الحسان إلى مقاساة الهوام والديدان، ومن التلذذ بالطعام والشراب إلى التمرغ في الوحل والتراب، سبحانك، فَسَبّحْ بِ?سْمِ رَبّكَ ?لْعَظِيمِ [المعارج:96] .
الحمد لله باعث الأرواح وقابضها، واهب الحياة وسالبها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلقنا من التراب وإليه يُرجعنا، ثم إذا شاء منه يُنشرنا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أطال الحديث عن الموت وكربته، وعن الحساب وشدته، فنبه الناس من غفلتهم، وخلصهم من حيرتهم، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحابته الأبرار، الذين تعلقت قلوبهم بدار القرار، فكانوا لها عاملين، وللموت ذاكرين، حتى لقوا الله رب العالمين.
أما بعد: فقد قال الحسن البصري رحمه الله تعالى:"ما رأيت يقينا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت"، فكل الناس يعلمون أنهم ميتون لا محالة، ثم تراهم يعملون أعمال المخلدين، وكلهم يعلن أنه ميت، ثم تراه يعمل أعمال المخلدين، وكلهم يعلن أنه عبد، ثم تراه يعمل أعمال الأحرار، ورحم الله الفضيل بن عياض الذي رأى رجلًا فسأله: كم مضى من عمرك؟، فقال الرجل: ستون سنة، قال الفضيل: إذن فأنت منذ ستين سنة تسير إلى الله، فيوشك أن تصل.
فحري ببعض آبائنا الذين نجلهم ونحترمهم أن يتذكروا ذلك جيدًا، فإن ما بقى أقل بكثير مما مضى لا محالة، فمن العيب أن يسبقهم الصغار إلى المساجد، ومن أكبر العيب أن تجد بعضهم لا يزالون يضيعون أوقاتهم في اللهو واللعب بالنرد والورق وغير ذلك،
ورحم الله الخليفة الصالح هارون الرشيد، نام على فراش الموت فقال:"أريد أن أرى القبر الذي سأدفن فيه"، فحملوه إلى قبره، ونظر إليه فبكى والتفت إلى أحبابه فقال:"مَا أَغْنَى? عَنّى مَالِيَهْ هَلَكَ عَنّى سُلْطَـ?نِيَهْ [الحاقة:28، 29] ."
أين المال؟ أين الجاه؟ أين الإمارة؟ أين الوزارة؟ أين التجارة؟ أين المنصب؟ أين الدرهم؟ أين الدينار؟ أين الجند؟ أين الأولاد؟ مَا أَغْنَى? عَنّى مَالِيَهْ هَلَكَ عَنّى سُلْطَـ?نِيَهْ ، ثم رفع رأسه إلى السماء وقال وهو يبكي:"يا من لا يزول ملكه، ارحم من قد زال ملكه".
سفري بعيد وزادي لن يبلغني وقوتي ضعفت والموت يطلبني
ولي بقايا ذنوب لست أعلمها الله يعلمها في السر والعلن
أنا الذي أغلق الأبواب مجتهدًا على المعاصي وعين الله تنظرني
يا زلة كتبت في غفلة ذهبت يا حسرة بقيت في القلب تُحرقني
ما أحلم الله عني حيث أمهلني وقد تماديت في ذنبي ويسترني
كأنني بين تلك الأهل منطرحا على الفراش وأيديهم تقلبني
وقد أتوا بطبيب كي يعالجني ولم أر من طبيب اليوم ينفعني
واشتد نزعي وصار الموت يجذبها من كل عرق بلا رفق ولا هون
واستخرج الروح مني في تغرغرها وصار ريقي مريرًا حين غرغرني
وغمضوني وراح الكل وانصرفوا بعد الإياس وجدوا في شِرا الكفن
وقام من كان أحب الناس في عجل نحو المغسل يأتيني يغسلني
فجاءني رجل منهم فجردني من الثياب وأعراني وأفردني
وأودعوني على الألواح منطرحا وصار فوقي خرير الماء ينظفني
وأسكب الماء من فوقي وغسلني غسلًا ثلاثًا ونادى القوم بالكفن
وأخرجوني من الدنيا فوا أسفا على رحيل بلا زاد يبلغني
وحملوني على الأكتاف أربعة من الرجال وخلفي من يشيعني
وقدموني إلى المحراب وانصرفوا خلف الإمام فصلى ثم ودعني
صلوا علي صلاة لا ركوع لها ولا سجود لعل الله يرحمني
وأنزلوني إلى قبري على مهل وقدموا واحدًا منهم يلحدني
وقال هُلُوا عليه التراب واغتنموا حسن الثواب من الرحمن ذي المنن
يا نفس كُفي عن العصيان واكتسبي فعلا جميلًا لعل الله يرحمني
يا زارع الخير تحصد بعده ثمرا يا زارع الشر موقوف على الوهن
يا نفس ويحك توبي واعملي حسنا عسى تجازين بعد الموت بالحسن