الرقاق والأخلاق والآداب
أعمال القلوب
عادل بن عدنان النجار
الكويت
العثمان
1-الخوف من الله شغل قلوب الصالحين. 2- الخوف من الله شرط الإيمان. 3- نماذج من خوف الصالحين من السلف.
بسبب طول الأمل وسكرة الهوى ونسيان الأجل، تدافع الناس إلى المحرمات دفعًا، وتهاونوا في الطاعات، فما أقاموا لها وزنًا. فأصبح التسويف ديدنهم حاجزًا لهم عن توبة ربهم، فما خافوا سطوته وما تألمت قلوبهم حذرًا من نقمته.
أحسنت ظنك بالأيام إذ أحسنت ولم تخف سوء ما يأتي به القدر
وسالمتك الليالي فاغتررت بها وعند صفو الليالي يحدث الكدر
إن الخوف من الله ورجاء رحمته وعفوه ومغفرته قطع قلوب المؤمنين الصادقين، شغل بالهم وأقلق مضاجعهم، فقاموا بين يدي الله فارين منه إليه َتَجَافَى? جُنُوبُهُمْ عَنِ ?لْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَـ?هُمْ يُنفِقُونَ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [السجدة:16، 17] .
قوم إذا جن الظلام عليهم باتوا هناك سجدًا وقيامًا
خمص البطون من التعفف ضمرا لا يعرفون سوى الحلال طعاما
وقفوا بين يدي الله يدعونه ويناجونه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يغفر لهم ذنوبهم ويكفر عنهم سيئاتهم، وما كان لهم ذلك الخوف والخشية إلا لعلمهم بالله تبارك وتعالى، إِنَّمَا يَخْشَى ?للَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ?لْعُلَمَاء [فاطر:28] ، فهو القوي وهو العظيم الجبار، وهو الرؤوف الرحيم.
فسعوا سعيًا حثيثًا لطاعته جل وعلا، فأعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46] . قال مجاهد:"هو الرجل يهم بالمعصية، فيذكر الله فيدعها من خوفه".
وفي الحديث القدسي قال الله تعالى: (( وعزتي وجلالي لا أجمع لعبدي أمنين ولا خوفين، إن هو أمِنني في الدنيا أخفته يوم أجمع عبادي، وإن هو خافني في الدنيا أمنته يوم أجمع عبادي) ). وقد جمع الله لأهل الخوف الهدى، والرحمة والعلم، والرضوان، فقال تعالى: هُدًى وَرَحْمَةٌ لّلَّذِينَ هُمْ لِرَبّهِمْ يَرْهَبُونَ [الأعراف:154] وقال: إِنَّمَا يَخْشَى ?للَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ?لْعُلَمَاء إِنَّ ?للَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ [فاطر:28] وقال: رّضِىَ ?للَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ [البينة:8] .
وقد أمر الله بالخوف منه وجعله شرط الإيمان فقال عز وجل: وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ [آل عمران:175] ، فلذلك لا يتصور أن ينفك مؤمن عن الخوف وإن ضعف، ويكون ضعفه بحسب ضعف معرفته وإيمانه، قال النبي: (( لا يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ ) )، قال الفضيل بن عياض:"من خاف الله دله الخوف على كل خير".
قال الله تعالى: إِنَّ ?لَّذِينَ هُم مّنْ خَشْيةِ رَبّهِمْ مُّشْفِقُونَ وَ?لَّذِينَ هُم بِئَايَـ?تِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَ?لَّذِينَ هُم بِرَبّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ وَ?لَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى? رَبّهِمْ ر?جِعُونَ أُوْلَئِكَ يُسَـ?رِعُونَ فِى ?لْخَيْر?تِ وَهُمْ لَهَا سَـ?بِقُونَ [المؤمنون:57-61] .
روى الترمذي عن عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ قَالَتْ سَأَلْتُ رَسُولَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: وَ?لَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [المؤمنون:60] قَالَتْ عَائِشَةُ: أَهُمِ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: (( لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمِ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُمْ، أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ ) ).
قال تعالى: يَخَـ?فُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ?لْقُلُوبُ وَ?لاْبْصَـ?رُ [النور:38] ، يوم عظيم يوم القيامة يوم الحسرة والندامة يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى ?لنَّاسَ سُكَـ?رَى? وَمَا هُم بِسُكَـ?رَى? وَلَـ?كِنَّ عَذَابَ ?للَّهِ شَدِيدٌ [الحج:2] .
قال الحسن:"ما ظنك بيوم قاموا فيه على أقدامهم مقدار خمسين ألف سنة، لا يأكلون فيها أكلة ولا يشربون فيه شربة، حتى إذا انقطعت أعناقهم عطشًا، واحترقت أجوافهم جوعًا، انصرف بهم إلى النار فسقوا من عين آنية قد آن حرها، واشتد لفحها".
ومن تأمل أحوال الصحابة، رضي الله عنهم، ومن بعدهم من الصالحين من سلف هذه الأمة، وجدهم في غاية العمل مع غاية الخوف، ونحن في التقصير بل التفريط والأمن إلا من رحم الله.
فهذا الصديق عنه يقول: وددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن، وكان إذا قام إلى الصلاة كأنه عود من خشية الله عز وجل.
وهذا عمر بن الخطاب عنه قرأ قولَ الله عز وجل وَ?لطُّورِ وَكِتَـ?بٍ مُّسْطُورٍ فِى رَقّ مَّنْشُورٍ وَ?لْبَيْتِ ?لْمَعْمُورِ وَ?لسَّقْفِ ?لْمَرْفُوعِ وَ?لْبَحْرِ ?لْمَسْجُورِ إِنَّ عَذَابَ رَبّكَ لَوَاقِعٌ [الطور:1-7] ، بكى واشتد بكاؤه حتى مرض وعادوه، وقال لابنه وهو يموت: ويحك ضع خدي على الأرض عساه يرحمني. ثم قال: (ويل أمي إن لم يغفر لي ـ ثلاثًا ـ ثم قضى) .
وكان يمر بالآية في ورده بالليل تخيفه، فيبقى في البيت أيامًا يعاد يحسبونه مريضًا، وكان في وجهه خطان أسودان من كثرة البكاء. وكان يسأل حذيفة بن اليمان، أنشدك الله: هل سماني لك رسول الله ، يعني من المنافقين. فيقول: لا، ولا أزكي بعدك أحدا. وهاهو ينقش على خاتمه: (كفى بالموت واعظًا يا عمر) .
وهذا عثمان بن عفان كان إذا مر بالقبر يبكي حتى يبلّ لحيته، قال: (لو أنني بين الجنة والنار ولا أدري إلى أيتهما أصير لاخترت أن أكون رمادًا قبل أن أعلم إلى أيتهما أصير) .
وكان لابن عباس أسفل عينيه مثل الشراك البالي من كثرة الدموع.
قال يزيد بن حوشب: ما رأيت أخوف من الحسن وعمر بن عبد العزيز، كأن النار لم تخلق إلا لهما.
أين نحن من أولئك القوم؟
مستوفين على رحل كأنهم ركب يريدون أن يمضوا وينتقلوا
عفت جوارحهم عن كل فاحشة فالصدق مذهبهم والخوف والوجل
عباد الله، كثير من الجهال اعتمدوا على رحمة الله وعفوه وكرمه، فضيعوا أمره ونهيه، ونسوا أنه شديد العقاب وأنه لا يرد بأسه عن القوم المجرمين. فليس الخوف من يبكي ويمسح عينيه، بل من يترك ما خاف أن يعاقب عليه. وقيل لذي النون المصري: متى يكون العبد خائفًا ؟ قال: إذا نزّل نفسه منزلة السقيم الذي يحتمي مخافة طول السقام. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الخوف المحمود ما حجز عن محارم الله.
عباد الله، من لامس الخوف شغاف قلبه وسرى في عروقه أورثه ذلك عملًا وصلاحًا.. أولئك الذين سئل عنهم ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قلوبهم بالخوف فرحة، وأعينهم باكية، يقولون كيف نفرح والموت من ورائنا، والقبر أمامنا، والقيامة موعدنا، وعلى جهنم طريقنا، وبين يدي الله موقفنا.
لم ترد.