الرقاق والأخلاق والآداب, فقه
أعمال القلوب, الصلاة
عادل بن عدنان النجار
الكويت
العثمان
1-معنى الخشوع وفضله. 2- إقامة الصلاة تعني أداءها بخشوع. 3- فضل الخشوع. 4- نماذج من خشوع السلف.
قال تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ?للَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ?لْحَقّ وَلاَ يَكُونُواْ كَ?لَّذِينَ أُوتُواْ ?لْكِتَـ?بَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ?لأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَـ?سِقُونَ [الحديد:16] ، يقول تعالى: أما آن الأوان، وحان الوقت وانتهى، للذين آمنوا، الذين أقروا بالإيمان قولًا وعملًا، أما آن الأوان أن تخشع قلوبهم لذكر الله فتلين عند الذكر والموعظة وسماع القرآن فتفهمه وتنقاد له وتسمع وتطيع.
قال ابن مسعود: (مَا كَانَ بَيْنَ إِسْلَامِنَا وَبَيْنَ أَنْ عَاتَبَنَا اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ ِإِلَّا أَرْبَعُ سِنِينَ)
ولقد آنَ لك أن تناهى طائعا أو تستفيق إذا نهاك المرشد
عباد الله، إن الخشوع الذي أمر الله به هو التذلل والخضوع، والسكون والطمأنينة ولِينِ الْقَلْبِ لله تبارك وتعالى، وخُشُوعُ الْقَلْبِ يَتَضَمَّنُ كمال عُبُودِيَّة العبد لربه، وَلِهَذَا كَانَ الْخُشُوعُ فِي الصَّلَاةِ يَتَضَمَّنُ التَّوَاضُعَ وَالسُّكُونَ. فَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تعالى: ?لَّذِينَ هُمْ فِى صَلاَتِهِمْ خَـ?شِعُونَ [المؤمنون:2] قَالَ: مُخْبِتُونَ أَذِلَّاءَ. وَعَنْ الْحَسَنِ وقتادة: خَائِفُونَ. وَعَنْ مُقَاتِلٍ: مُتَوَاضِعُونَ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: غَضُّ الْبَصَرِ وَخَفْضُ الْجَنَاحِ، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ: لَيْسَ الْخُشُوعُ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ; وَلَكِنَّهُ السُّكُونُ وَحُبُّ حُسْنِ الْهَيْئَةِ فِي الصَّلَاةِ.
وَخُشُوعُ الْجَسَدِ تَبَعٌ لِخُشُوعِ الْقَلْبِ، فإذَا كان الرَّجُلُ مُرَائِيًا فإنه يُظْهِرُ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ كَمَا رُوِيَ عن أبي الدرداء قال: (تَعَوَّذُوا بِاَللَّهِ مِنْ خُشُوعِ النِّفَاقِ) وَهُوَ أَنْ يُرَى الْجَسَدُ خَاشِعًا وَالْقَلْبُ خَالِيًا لَاهِيًا. فَهُوَ سُبْحَانَهُ اسْتَبْطَأَ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ?للَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ?لْحَقّ [الحديد:16] ، فَدَعَاهُمْ إلَى خُشُوعِ الْقَلْبِ لِذِكْرِهِ، وَمَا نَزَلَ مِنْ كِتَابِهِ، وَنَهَاهُمْ أَنْ يَكُونُوا كَاَلَّذِينَ طَالَ عَلَيْهِمْ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ. والخاشعون هُمْ الَّذِينَ إذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إيمَانًا. وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ?للَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ?لْحَدِيثِ كِتَـ?بًا مُّتَشَـ?بِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ?لَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى? ذِكْرِ ?للَّهِ [الزمر:23] . وَاَلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ إذَا ذُكِرَ اللَّهُ تَعَالَى وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ. وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ: (( اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَقَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَنَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَدُعَاءٍ لَا يُسْمَع ) ).
وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تعالى قَسْوَةَ الْقُلُوبِ الْمُنَافِيَةَ لِلْخُشُوعِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ فَقَالَ تَعَالَى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مّن بَعْدِ ذ?لِكَ فَهِىَ كَ?لْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [البقرة:74] قَالَ الزَّجَّاجُ: قَسَتْ فِي اللُّغَةِ: غَلُظَتْ وَيَبِسَتْ وَعَسِيَتْ. فَقَسْوَةُ الْقَلْبِ ذَهَابُ اللِّينِ وَالرَّحْمَةِ وَالْخُشُوعِ مِنْهُ. وَفِي الأثر: (الْقُلُوبُ آنِيَةُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، فَأَحَبُّهَا إلَى اللَّهِ أَصْلَبُهَا وَأَرَقُّهَا وَأَصْفَاهَا) .
ولقد أمر الله تعالى به كما جاء في الآية السابقة وفي قول الله تبارك وتعالى: وَ?سْتَعِينُواْ بِ?لصَّبْرِ وَ?لصَّلَو?ةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ?لْخَـ?شِعِينَ [البقرة:45] وقال ممتدحًا أهل الخشوع: قَدْ أَفْلَحَ ?لْمُؤْمِنُونَ ?لَّذِينَ هُمْ فِى صَلاَتِهِمْ خَـ?شِعُونَ [المؤمنون:1، 2] .
لذلك فإن العبدَ أقرب ما يكون من ربه حال كونه خاشعًا في صلاته، وإن الصلاة التي شرعها الله تعالى لعباده ليست مجرد حركات تؤدى، كما هو الحال عند بعض الناس، بل هي روح ونور، ومعراج يصعد به القلب إلى بارئه وخالقه فيسبح في ملكوته بين خوفه ورجائه، وليس الخشوع فيها نافلة من العمل، بل هو فرض لازم، وحتم جازم، قال تعالى: حَـ?فِظُواْ عَلَى ?لصَّلَو?تِ و?لصَّلَو?ةِ ?لْوُسْطَى? وَقُومُواْ لِلَّهِ قَـ?نِتِينَ [البقرة:238] ، أي خاشعين متذللين مستكينين بين يديه، ولا يوجد في القرآن أمر بالصلاة إلا مع الإقامة كقوله تعالى: إِنَّنِى أَنَا ?للَّهُ لا إِلَـ?هَ إِلا أَنَاْ فَ?عْبُدْنِى وَأَقِمِ ?لصَّلَو?ةَ لِذِكْرِى [طه:14] ، وقوله تعالى: أَقِمِ ?لصَّلَو?ةَ لِدُلُوكِ ?لشَّمْسِ إِلَى? غَسَقِ ?لَّيْلِ [الإسراء:78] ، وقوله تعالى: فَإِذَا ?طْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ ?لصَّلَو?ة [النساء:103] ، الإقامة هي: الإتيان بها كاملة الخشوع والأركان، ولذلك لما رأى النبي رجلًا يسرع في صلاته قال له: (( ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ ) )فجعل عدم الخشوع كعدم الوجود.
بل وصف النبي المتعجل في صلاته بأنه أسوأ الناس سرقة فقال: (( إِنَّ أَسْوَأَ النَّاسِ سَرِقَةً الَّذِي يَسْرِقُ صَلَاتَهُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَسْرِقُهَا؟ قَالَ: لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا ) ).
ولذلك فإن الرجل لا يحصل من صلاته على خير إلا بمقدار ما حضر ذهنه فيها، كما قال النبي: (( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْصَرِفُ وَمَا كُتِبَ لَهُ إِلَّا عُشْرُ صَلَاتِهِ، تُسْعُهَا، ثُمْنُهَا، سُبْعُهَا، سُدْسُهَا، خُمْسُهَا، رُبْعُهَا، ثُلُثُهَا، نِصْفُهَا ) ).
تصلي بلا قلب صلاة بمثلها يكون الفتى مستوجبا للعقوبة
تظل وقد أتممتها غير عالم تزيد احتياطا ركعة بعد ركعة
فويلك تدري من تناجيه معرضا وبين يدي من تنحني غير مخبت
تخاطبه إياك نعبد مقبلا على غيره فيها لغير ضرورة
أما تستحي من مالك الملك أن يرى صدودك عنه يمنة بعد يسرة
أما من أدى الصلاة كما ينبغي أن تؤدى كان له من الأجر ما بينه النبي: ( ) مَا مِنْ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنْ الذُّنُوبِ مَا لَمْ يُؤْتِ كَبِيرَةً وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّه )) .
قال تعالى: لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ?للَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لّمَن كَانَ يَرْجُو ?للَّهَ وَ?لْيَوْمَ ?لاْخِرَ وَذَكَرَ ?للَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21] ، فقد كان النبي أكمل الناس خشوعًا، لا دونه ولا فوقه، كان عليه الصلاة والسلام خاشعًا لله بقوله وعمله، فإذا قام إلى صلاته طأطأ رأسه تواضعًا لله، ولم يلتفت ولم يتكلم، بل كان يسمع له في صلاته أزير وهو صوت البكاء، عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: (أَتَيْتُ النَّبِيَّ وَهُوَ يُصَلِّي، وَلِجَوْفِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ) يَعْنِي: يَبْكِي.
بل قام ليلة بآية واحدة يرددها، كما في حديث عائشة رضي الله عنها وهي قوله تعالى: إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ?لْعَزِيزُ ?لْحَكِيمُ [المائدة:118] .
وكذلك كان أصحابه، فهذا أبو بكر لمّا قال النبي: (( مروا أبا بكر فليصل بالناس ) )قالت عائشة: إن أبا بكر رجل رقيق إذا قرأ غلبه البكاء. وفي رواية: (( إن أبا بكر إذا قام مقامك لم يُسمع الناس من البكاء ) ).
وهذا عبد الله بن الزبير رضي لله عنهما لما قاتل الحجاج ورمى الحجاج البيت بالمنجنيق، كان عبد الله يصلي فذهب الحجر ببعض ثوبه فما انفتل من صلاته، وكان إذا سجد جاءت العصافير على ظهره لا تحسبه إذا جذم حائط، وكذلك كان الربيع بن خيم، ومسلم بن يسار كان إذا دخل البيت سكت أهل البيت، فإذا قام يصلي أخذوا يتحدثون، لعلمهم أنه لا يسمعهم وهو في الصلاة، وَكَانَ الرَّجُلُ مِنْ الْعُلَمَاءِ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ يَهَابُ الرَّحْمَنَ أَنْ يَشِذَّ بَصَرُهُ أَوْ أَنْ يُحَدِّثَ نَفْسَهُ بِشَيْءِ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا.
والنماذج في ذلك كثير من سلف هذه الأمة نسأل الله تعالى أن يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه...
لم ترد.