فهرس الكتاب

الصفحة 2349 من 5777

تحريم الظلم

الرقاق والأخلاق والآداب

الكبائر والمعاصي

خالد بن محمد الشارخ

الرياض

اللحيدان

1-عدل الله مدرك الظالم ولو بعد حين. 2- أنواع الظلم. 3- الانتقام من الظالم في عرصات يوم القيامة. 4- الظلم يمنع إصابة الدعاء. 5- دعوة لرد المظالم إلى أهلها. 6- قصة ظالم فهل من متدبر.

أما بعد, فيا أيها الناس: فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فهي وصية لنا ولمن قبلنا وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ?لَّذِينَ أُوتُواْ ?لْكِتَـ?بَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّـ?كُمْ أَنِ ?تَّقُواْ ?للَّهَ [النساء:131] .

أيها الأخوة المؤمنون, إن من أشد الأمور حرمةً، وأسرعها عقوبة وأعجلها مقتًا عند الله وعند المؤمنين, ومن أشد ما يُؤثِّر في النفس، ويذهب إنسانيتها، ويحيل قلب صاحبها من اللحم والدم إلى أن يصير كالحجارة أو أشد قسوة، هو ذلك الداء الخطير والشر المستطير الذي انتشر في الوقت الحاضر انتشارًا ينذر بالخطر، وبانتقام الجبار جل جلاله, ألا وهو الظلم.

فقد تفشى الظلم في مجتمعاتنا ليس على مستوى الأفراد فحسب, بل حتى على مستوى الأقارب والأرحام والأصهار، بل وحتى على مستوى المجتمعات والشعوب، نسأل الله السلامة والعافية.

إن الظلم ـ أيها الأخوة ـ مرتعه وخيم، وعاقبته سيئة، وهو منبع الرذائل ومصدر الشرور، وهو انحراف عن العدالة، ومتى فشا وشاع في أمةٍ أهلكها، وإذا حل في قريةٍ أو مدينة دمّرها.

والظلم والفساد قرينان, بهما تخرب الديار، وتزول الأمصار، وتقل البركات، ويحل الغش محلّها.

وهو ظلمات, في غياهبه تزل الأقدام, وتضل به الأفهام, ويظهر الفساد، وتمحق البركة، وكيف يقدس الله قومًا لا يُؤخذ من شديدهم لضعيفهم!

عن جابر بن عبد الله قال: لما رجعتْ إلى رسول الله مهاجرة البحر ـ الحبشة ـ عام خيبر قال: (( ألا تحدثوني بأعاجيب ما رأيتم بأرض الحبشة؟ ) )، قال فتية كانوا منهم: بلى يا رسول الله, بينا نحن جلوس, مرت بنا عجوز من عجائز رهَابِيْنِهِم تحمل على رأسها قُلةً من ماء، فمرّت بفتىً منهم فجعل إحدى يديه بين كتفيها ثم دفعها فخرت على ركبتيها فأنكسرت قُلتها. فلما ارتفعت التفتت إليه فقالت: سوف تعلم يا غُدَرُ إذا وضع الله الكرسيَّ وجمع الله الأولين والآخرين، وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون, فسوف تعلم من أمري وأمرك عنده غدًا).

قال: يقال رسول الله: (( صدقت, صدقت, كيف يقدِّسُ اللهُ أمةً لا يُؤخذ من شديدهم لضعيفهم من شديدهم ) ).

أيها الأخوة, اعلموا أن الظلم ثلاثة أنواع:

النوع الأول: ظلمٌ بين العبد وبين ربه، وهو الشرك, قال تعالى: إِنَّ ?لشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] . وهذا النوع لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، قال تعالى: إِنَّ ?للَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ [النساء:48] . وقال تعالى: إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِ?للَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ?للَّهُ عَلَيهِ ?لْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ ?لنَّارُ وَمَا لِلظَّـ?لِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة:72] .

النوع الثاني: ظلم العبد نفسه بارتكاب المعاصي التي هي دون الشرك؛ فإنه بذلك قد ظلم نفسه حيث عرضها لسخط الله وعقوبته، والله تعالى يقول: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا ?لنَّاسُ وَ?لْحِجَارَةُ [التحريم:6] .

وهذا النوع من الظلم تحت المشيئة، إن شاء الله غفر لصاحبه، وإن شاء عذبه به، قال تعالى: إِنَّ ?للَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء [النساء:48] .

النوع الثالث: ظلم الناس بالتعدي على دمائهم وأعراضهم وأموالهم، وهذا النوع لا يغفره الله للظالم إلا إذا غفر له المظلوم، وإن لم يغفر فإنه يمكّن من الاقتصاص منه في الدنيا والآخرة.

روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: (( لتؤدّن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء ) ).

وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أيضًا قال: قال رسول الله: (( من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو من شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أُخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه ) ).

وعنه أيضًا أن رسول الله قال: (( أتدرون ما المفلس ) )، قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: (( إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار ) ). رواه مسلم

وقال أبو هريرة رضي الله عنه مكتوب في التوراة (ينادي منادٍ من وراء الجسر ـ يعني الصراط ـ: يا معشر الجبابرة الطغاة، ويا معشر المترفين الأشقياء، إن الله يحلف بعزته وجلاله أن لا يُجاوز هذا الجسر ظالم) .

وعن أبي أمامة قال: (يجيء الظالم يوم القيامة حتى إذا كان على جسر جهنم لقيه المظلوم وعرّفه ما ظلمه به، فما يبرحُ الذين ظُلموا بالذين ظَلموا حتى ينزعوا ما بأيديهم من الحسنات، فإن لم يجدوا لهم حسناتٍ حملوا عليهم من سيئاتهم مثل ما ظلموهم حتى يُردوا إلى الدرك الأسفل من النار) .

وعن حذيفة بن اليمان وابن مسعود وسلمان وغيرهم قالوا: (إن الرجل لترفع له يوم القيامة صحيفة حتى يُرى أنه ناجٍ، فما تزال مظالم بني آدم تتبعه حتى ما يبقى له حسنة ويُحمل عليه من سيئاتهم) . رواه البيهقي بإسناد جيد

وعن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال: (( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا ) )الحديث رواه مسلم.

أيها الأخ المسلم, كأني بك بعدما سمعتَ هذا الكمّ الهائل من الآيات والأحاديث قد نفر قلبك عن الظلم، وكأني بك تسأل الله أن يجنبك الظلم والظالمين, ولكن قد تقول: ما هي صور الظلم، ومتى أُعدُّ من الظالمين؟

إن بعض الناس ـ أيها الأخوة ـ تجده يظلم الناس ويعتدي عليهم وربما أكل حقوقهم وأسرف في أعراضهم، ولكن لا يدري أنه ظالم، وهذه مصيبة عظيمة وبلاء وبيل أن يكون الإنسان واقعًا في الحرام ولا يدري ويظن أنه يتقلب في رضوان الله ورحمته.

وكم من الناس ـ أيها الأخوة ـ يسأل الله في صباحه ومسائه وغدوه ورواحه أن يعفو عنه وأن يدخله الجنة ويباعده عن النار، وهو مع ذلك قد ظلم عباد الله واعتدى عليهم في أموالهم وأعراضهم, فأنى يستجاب لهذا؟.

ولذلك لما جاء الصحابة فقالوا لرسول الله وذكروا له امرأةً تقوم الليل وتصوم النهار وتقرأ القرآن، ولكنها تؤذي جيرانها، قال: (( هي في النار ) )، قالوا: يا رسول الله تقوم الليل وتصوم النهار, ولها, ولها، فقال: (( لا خير فيها، هي في النار ) ).

فيا أخي المسلم, هل فتشت في نفسك وفي تعاملك مع الآخرين، وفي منصبك ووظيفتك؟

هل نظرت في جدول أعمالك، هل فيه شيء من ظلم الناس والتعدي عليهم؟

هل نظرت في تجارتك وأعمالك التجارية؟ هل فيها شيء من ظلم الآخرين؟

يقول أبو هريرة رضي الله عنه: (إن الحبارى لتموت في وكرها من ظلم الظالم) .

فمن الظلم أن تعتدي على مسكين أو فقير أو غريب لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا.

ومن الظلم منع العمال عن حقهم وتأخير أجورهم.

ومن الظلم أكل أموال الناس بغير حق.

ومن الظلم أن تأكل مال اليتيم.

ومن الظلم أيضًا أن تأخذ حق أخيك من مال أبيك، ولا تعطيه شيء.

ومن الظلم عدم رحمة المساكين، وتكليف العمال ما لا يطيقون من الأعمال.

ومن الظلم بخس الناس أشياءهم.

ومن الظلم أيضًا أن تقدم شخصًا في وظيفة ما وهناك أشخاص أكفأ منه وأقدر على العمل وأنفع للمسلمين.

ومن الظلم أيضًا إيذاء الزوجة والأولاد وظلم الأسرة والأقارب. إلى غير ذلك مما يطول ذكره.

أيها الأخوة, إن غالب مظالم الناس تكون في المال, ولكن ليعلم كل مسلم أنه لا يحل مال امرئٍ مسلمٍ إلا عن طيب نفسه وبرضاه التام، وإن حرمة مال المسلم كحرمة دمه وعرضه، فلا يجوز أخذ ماله حتى ولو كان أخوك الأصغر أو قريبك أو من أعزِّ الناس عليك إلا برضاه.

وكذلك لا يجوز سكنى بيته أو أخذ تجارته وعقاره إلا برضاه.

قال: (( من ظلم قِيْدَ شبر من الأرض طُوِقَه من سبع أرضين ) ). متفق عليه

أيها المسلمون, إن بعض الناس قد يتوهم أن حكم القاضي له بحق أخيه يبيحه له ويعفيه من مسئوليته، وهذا وهم خاطئ، فإن القاضي بَشَرٌ يخطئ ويصيب، وما دمت تعلم أنك غير محق في استيلائك على ملك غيرك, وجب عليك التخلي عنه والتحلل منه, وهذا رسول الله يقول للناس: (( إنما أنا بشر، وإنما يأتيني الخصم فلعل بعضهم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صادقٌ، فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من نار، فليحملها أو يذرها ) ).

فهذا الحديث من أوضح الأدلة على أن حكم القاضي لا يبيح المُحرَّم، ولا يكون عذرًا للظالم أن يستبيح به أموال الناس.

أما والله إن الظلم مشؤومٌ وما زال المسيء هو الظلوم

إلى الديان يوم الدين نمضي وعند الله يجتمع الخصوم

ستعلم في الحساب إذا التقينا غدًا عند المليك من الظَّلوم

فاتقوا الله عباد الله, واتقوا الظلم بجميع أنواعه، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة. وَسَيَعْلَمْ ?لَّذِينَ ظَلَمُواْ أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ [الشعراء:227] .

مرتع الظلم وخيم، وعاقبته سيئة، وجزاء صاحبه النار، ولو بغى جبل على جبل لدُك الباغي منهما. ولقد توعد الله الظالمين باللعنة وأليم العقاب، فقال جل وعلا: أَلاَ لَعْنَةُ ?للَّهِ عَلَى ?لظَّـ?لِمِينَ [هود:18] .

وقال تعالى: إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَاء كَ?لْمُهْلِ يَشْوِى ?لْوجُوهَ بِئْسَ ?لشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا [الكهف:29] .

قد يستبطئ الظالم العقوبة فيتمادى في ظلمه ولا يتذكر أن الله سبحانه يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته.

بارك الله لي ولكم..

الحمد لله على إحسانه, والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه, صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد, فيا أيها الأخوة المسلمون, لينظر كل واحد منا في أمواله وتجارته وعمله, فإن كان فيه من ظلمٍ تاب إلى الله منه وردَّ الحقوق إلى أهلها, وتحللهم قبل ألا يكون دينار ولا درهم.

يا من أكلت مال اليتيم, يا من حق الفقراء والمساكين, يا من أكلت مال إخوانك وظلمتهم, يا من ظلمت هؤلاء العمال وأخرت أجورهم, يا من يؤذي الناس في أبدانهم وأعراضهم وأموالهم, أما تتقي الله قبل أن يباغتك الموت، ويفاجئك الفوت، ولات ساعة مندم؟ أما ترى البلاء يقع عليك؟ أما ترى الأمراض تحيط بك؟ أما ترى البلاء يتعاقب على أبنائك؟

إن الخير يقفل في وجهك، وإن الغش حليفك, وجليس كل هذا يقع بك، ولم تتفطن ولم تعلم أن هناك دعوات تنطلق بالأسحار، فإذا هي تخترق الحجب فتصل إلى باريها وناصرها, فيقول لها: وعزتي وجلالي لأنصرنّك ولو بعد حين.

لا تظنّ أيها الظالم أن الله لا ينتقم منك لهؤلاء المظلومين الذين يصبحون ساخطين عليك، ويبيتون يدعون عليك، ودعوة المظلوم ترتفع فوق الغمام وليس بينها وبين الله حجاب.

وما من يد إلا يد الله فوقها ولا ظالمٌ إلا سيبلى بظالمِ

أيها الأخوة في الله, إن الظالم من الناس عادةً يكون إنسانًا قاسي القلب, ليس في قلبه ذرة من خشية الله تعالى، ولا أثارة من خوفه.

وأما المظلوم فهو في العادة رجل طيب القلب، قد امتلأ قلبه بالرحمة والإيمان, لا يريد أن يلجأ إلى الشر في مواجهة الشر الذي يلقاه ممن ظلمه؛ لأنه يخشى الله.

ولكن فتح الله له بابًا من الدعاء، يدعو به على من ظلمه وأكل حقه، (( واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب ) ).

أما أنت أيها المظلوم فاحذر أن تظلم لتنتقم ممن ظلمك، بل اعفُ عمّن ظلمك، واصبر على ذلك؛ فإن الله سيجعل لك مخرجًا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ?للَّهِ [الشورى:40] .

فإن أبيت فارفع يدك إلى السماء، وقل: [يا رب] فدعوتك ليس بينها وبين الله حجاب.

ولا تعتقد أن الله تعالى حينما لم يمكنك ممن ظلمك لم يستجب لتلك الدعوة وأن أبواب السماء قد أغلقت دونك.

كلاّ, إن الله قد استجاب لك، ولكن قد اختار من هو أقدر منك على القصاص ممن ظلمك.

واسمع لهذه القصة العجيبة التي ذكرها الهيثمي في كتاب الزواجر.

قال بعضهم: رأيت رجلًا مقطوع اليد من الكتف وهو ينادي: من رآني فلا يظلمنّ أحدًا، فتقدمت إليه، وقلت له: يا أخي ما قصتك؟ فقال: قصتي عجيبة, وذلك أني رأيت يومًا صيادًا مسكينًا قد اصطاد سمكة كبيرة فأعجبتني، فجئت إليه فقلت: أعطني هذه السمكة، فقال: لا أعطيكها، أنا آخذُ بثمنها قوتًا لعيالي، فضربته وأخذتها منه قهرًا، ومضيت بها.

قال: فبينما أنا ماشٍ بها، وكانت ما تزال فيها حياة، إذ عضت على إبهامي عضة قوية، وآلمتني ألمًا شديدًا، حتى لم أنم من شدة الوجع، وورمت يدي فلما أصبحت أتيت الطبيب، وشكوت إليه الألم، فقال: اقطعها وإلا تلفت يدك، فقطعت إبهامي.

ثم اشتد الألم على باقي يدي، ولم أطق الراحة ولا النوم فذهبت إلى الطبيب، فقال: لا بد أن يقطع الكف. فقطعها، وما زال الألم يتردد عليَّ حتى قطعت يدي من الكتف.

قال: فقال لي الناس: ما سبب ألمك؟ فذكرت قصة السمكة، فقالوا لي: لو كنت رجعت من أول ما أصابك الألم إلى صاحب السمكة فاستحللت منه واسترضيته ما قطعت يدك، فاذهب الآن إليه واطلب رضاه قبل أن يصل الألم إلى بدنك.

قال: فلم أزل أطلبه في البلد حتى وجدته فوقعت في رجليه وأبكي وقلت: يا أخي سألتك بالله إلا عفوت عني، فقال لي: ومن أنت؟

فقلت: أنا الذي أخذت منك السمكة غصبًا.

وذكرت له ما جرى وأريته يدي, فبكى حين رآها، ثم قال: يا أخي قد حللتك منها.

فقال الظالم: بالله يا أخي هل كنت دعوت عليّ لما أخذتها منك؟

قال: نعم. قلت: اللهم هذا تقوّى عليّ بقوته على ضعفي وأخذ مني ما رزقتني ظلمًا فأرني فيه قدرتك.

أيها الأخوة, فالعاقل اللبيب من يتحلل من أهل المظالم في دنياه قبل آخرته، ولا يدع حقًا لأحد عليه, بل يسارع لأداء ما في ذمته، ويطلب المسامحة ممن حصل بينه وبينه، منافسة أو منازعة أو معاملة من جار أو زوجة أو أخٍ أو أخت أو قريبٍ أو بعيد, قبل أن يقف ذلك الموقف المُرَوِّع في يومٍ يَجْعَلُ ?لْوِلْد?نَ شِيبًا السَّمَاء مُنفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا [المزمل:17-18] . يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ تُجَـ?دِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى? كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [النحل:111] .

والويل لأهل الظلم من ثقل الأوزار، وذكرهم بالقبائح قد ملأ الأقطار, يكفيهم أنهم وسموا بالأشرار. ذهبت لذاتهم بما ظلموا وبقي الخزي والعار.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَلاَ تَحْسَبَنَّ ?للَّهَ غَـ?فِلًا عَمَّا يَعْمَلُ ?لظَّـ?لِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ?لابْصَـ?رُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِى رُءوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء وَأَنذِرِ ?لنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ?لْعَذَابُ فَيَقُولُ ?لَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخّرْنَا إِلَى? أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ?لرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُمْ مّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مّن زَوَالٍ وَسَكَنتُمْ فِى مَسَـ?كِنِ ?لَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ ?لامْثَالَ وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ ?للَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ?لْجِبَالُ [:42-46] .

اللهم أعز الإسلام والمسلمين..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت