فهرس الكتاب

الصفحة 2348 من 5777

بين يدي العام الدراسي الجديد

العلم والدعوة والجهاد

التربية والتزكية

خالد بن محمد الشارخ

الرياض

اللحيدان

1-فضل العلم والعلماء. 2- العلوم منها ما هو فرض عين ومنها ما هو فرض كفاية. 3- لا أجر في علم تعلمه المرء لغير الله. 4- العلم يستلزم العمل. 5- دور المعلم في تربية طلابه.

أما بعد, فيا أيها المسلمون، اتقوا الله تعالى، وتعلموا أحكام دينكم، وتفقهوا فيه، لأن هذا هو طريق الخير، فمن يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين.

واعلموا أن الله تعالى رفع شأن العلماء العاملين.

فقال تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ?لَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ?لَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ [الزمر:9] .

وقال تعالى: يَرْفَعِ ?للَّهُ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ مِنكُمْ وَ?لَّذِينَ أُوتُواْ ?لْعِلْمَ دَرَجَـ?تٍ [المجادلة:11] .

عباد الله, لقد أمر الله جل وعلا بتعلم العلم قبل القول والعمل، فقال تعالى: فَ?عْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـ?هَ إِلاَ ?للَّهُ وَ?سْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ [محمد:19] .

ولقد بين النبي صلى الله عليه وسلم فضل العلماء العاملين, حيث قال صلى الله عليه وسلم: (( وإن العالم ليستغفر له من في السماوات والأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء هم ورثة الأنبياء، والأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم, فمن أخذه أخذ بحظ وافر ) )أخرجه الترمذي.

وقال بعض العلماء:"تعلم العلم، فإنه يقومك ويسددك صغيرًا, ويقدمك ويسودك كبيرًا، ويصلح زيغك وفاسدك ويرغم عدوك وحاسدك، ويُقوِّم عوجك وميلك، ويصحح همتك وأملك".

أيها الإخوة, واعلموا أن العلم وتعلمه خير من المال وجمعه، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، العلم حاكم والمال محكوم، مات خُزَّان الأموال, وبقي خزان العلم، أعيانهم متعددة، وأشخاصهم في القلوب موجودة) .

أيها الإخوة, وتعلم العلم على نوعين:

1-النوع الأول: واجب على كل مسلم ومسلمة، وهو تعلم ما يستقيم به دينه، كأحكام العقيدة والطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج على الوجه الذي يتمكن به من أداء هذه العبادة على وجهها الصحيح.

ولكن بعض الناس فرط في هذا، فتراه يؤدي العبادة بطريقة خاطئة، ومع ذلك لم يحاول تعلم أحكامها، في حين تجده حريصًا على دنياه، يطلبها من كل وجه، ومن هذا عمله فسيسأله الله على تفريطه فليعد للسؤال جوابًا، وللجواب صوابًا.

2-النوع الثاني من تعلم العلم: ما زاد عن ذلك، من تعلم بقية أحكام الشريعة كالمعاملات والتفقه في أمور العبادات، فهذا واجب على الكفاية، فإذا قام بتعلم هذا العلم من يكفي سقط الإثم عن الباقين.

وهذا النوع ـ أيها الإخوة ـ هو الذي تنصب فيه الآيات والأحاديث التي جاءت في الثناء على العلم وأهله، إذ أن النوع الأول واجب على كل مسلم ومسلمة، فلا مزية لشخص دون شخص آخر.

في حين أن النوع الثاني فيه مزية لمن طلب العلم واحتسب بذلك الأجر عند الله ورفع الجهل عن نفسه ورفع الجهل عن الناس، فإن هذا يدعى ربانيًا في الملكوت الأعلى.

عباد الله, وفي هذه الأيام يستعد الطلاب والطالبات لاستقبال عام دراسي جديد، يبتدئونه يوم غد، يقضون هذا العام بين أروقة المدارس والمعاهد وقاعات الكليات؛ لينهلوا من مناهل العلم والمعرفة على حسب مستوياتهم واتجاهاتهم.

معاشر طلاب العلم, لابد أن يكون طلب العلم خالصًا لوجه الله تعالى، لا يراد به عرض من الدنيا، وذلك ليعم نفعه، ويؤجر صاحبه.

وكذلك إذا أحاط طالب العلم علمًا بالمسألة، فالواجب عليه أن يطبقها على نفسه ويعمل بها ليكون علمه نافعًا، فإن العلم النافع ما طبقه الإنسان عمليًا، والعمل بالعلم هو ثمرة العلم، والجاهل خير من عالم لم ينتفع بعلمه ولم يعمل به، فإن العلم سلاح، فإما أن يكون لك أو يكون عليك.

أيها الإخوة, قولوا لي بربكم، ما فائدة العلم بلا عمل؟ أرأيتم لو أن إنسانًا درس الطب وأصبح ماهرًا، ولم يعالج نفسه ولا غيره فما فائدة تعلمه وتعبه؟!

وإن القلب ليعتصر ألمًا حينما نرى بعض من طرقوا أبواب العلم الشرعي، أو من أصبحوا معلمين، أخلاقهم على خلاف ما تعلموا، تعلموا من الأحكام الشيء الكثير، ولكن لا أثر لما تعلموه، تجد الواحد منهم يعلم الطلاب حكم صلاة الجماعة ووجوبها, وتجده في الواقع مفرطًا في صلاة الجماعة.

وتراه يعلمهم حكم إسبال الثياب ويسبل ثوبه، ويعلِّم حكم حلق اللحى ويحلق لحيته، ويعلم حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، ويعلم حكم الربا ويتعامل به أو يتحايل عليه.

ويعلم حكم خلوة الرجل الأجنبي بالمرأة الأجنبية ويستقدم سائقًا ويضعه مع محارمه يخلو بهن، أو هو يخلو بالخادمة أو غيرها من النساء الأجنبيات، ويعلم أن مصافحة الرجل الأجنبي أي غير المحرم للمرأة الأجنبية لا تجوز ومع ذلك يصافح النساء الأجنبيات، فمن هذه حاله فعلمه وبال وحجة عليه. نسأل الله السلامة والعافية.

إذًا معشر الطلاب لابد لكم من أمرين لا ثالث لهما:

الأول: إخلاص النية لله سبحانه وتعالى.

الثاني: العمل بما تُعُلِم من أحكام الشريعة الإسلامية.

ومن العمل بالعلم الدعوة إليه، وبذل الجهد في إصلاح الناس ونشر الخير بينهم.

وعلى الطالب: أن يتأدب مع معلمه ويوقره ويحترمه ويعرف فضله.

قال بعض العلماء: من لم يتحمل ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبدًا.

وينبغي أن يبدأ الطالب دراسته بكل همة ونشاط ومتابعة ودراسة لكي يُحَصِّل أكثر وأكثر.

يقول أحد العلماء: من لم تكن له بداية مُحْرِقة لم تكن له نهاية مشْرِقة. يعني رحمه الله أن طالب العلم إذا لم يكن حريصًا في بداية طلبه ولا له همة عالية وعزيمة قوية, كانت نهاية طلبه للعلم نهاية ميتة ولا ثمرة فيها، في حين من كانت همته عالية وكان حريصًا في بداية طلبه, وعزيمته قوية, فإنه تكون له نهاية مشرقة.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...

الحمد لله رب العالمين، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله

أيها المسلمون, اتقوا الله تعالى وراقبوه، واعلموا أن كلًا منكم على ثغر من ثغور الإسلام، فحذارِ أن يؤتى الإسلام من قبله.

إخواني أولياء أمور الطلاب, إخواني أساتذة أبناء المسلمين, مما لا يخفى على الجميع أن أبناء اليوم هم رجال الغد، وهم الذين سيتولون في المستقبل توجيه سفينة المجتمع وإدارة شؤونه، فإذا قمنا اليوم بتوجيههم الوجهة الصالحة التي أمر بها ديننا الحنيف، تخلصت مجتمعاتنا تحت إدارة هذه الصفوة من الشباب الطيب من أمراض اجتماعية متفشية في المجتمعات.

وأولياء أمور الطلاب والطالبات والمدرسون والمدرسات يقع عليهم العبء الكبير، لأنهم يقضون معظم أوقاتهم مع الطلاب، الأب مع أبنائه في البيت، والمدرس مع طلابه في المدرسة.

ويبلغ التأثير أعلاه حينما يكون الأب والمدرس كل منهما ملتزم بأحكام الإسلام في العبادات والمعاملات والأخلاق.

فإذا كان الأب والمدرس كل منهما ملتزمٌ بأحكام الإسلام معتزٌّ بإسلامه، شاعرٌ بواجبه في الدعوة إلى الله، أفاض على من يقوم بتربيته من نور هذا الإيمان الذي يحمله بين جنبيه ويمشي به في الناس.

فليكن شعارك أخي المدرس: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مّمَّن دَعَا إِلَى ?للَّهِ [فصلت:33] وليعلم كل من المدرس وولي أمر الطالب والطالبة: أنه راع فيهم، ومسؤول عن رعيته، ومطلوب منه النصح لهم، وليعلم أنه: (( ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لها إلا حرم الله عليه الجنة ) ). رواه مسلم.

وليعلم أنه إن ترك هذه البراعم الغضة، فإن رياح الشهوات ستعصف بها، وإن أعداء الإسلام سيجلبون عليها بقضهم وقضيضهم حتى يسلخوهم من الدين فيعودوا حربًا عليه.

وليعلم كل من اشتغل بالتدريس أن أقل ما ينتظر من المدرس المسلم أن يكون مظهره إسلاميًا، وأن يتفق قوله وفعله وسلوكه مع روح الإسلام ومبادئه، فمثلًا إذا دخل على طلابه يقابلهم بوجه طلق، قال صلى الله عليه وسلم: (( لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق ) ). رواه مسلم.

ويحييهم بتحية الإسلام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، لا بتحية الجاهلية: صباح الخير، ومساء الخير.

وليبدأ حديثه بحمد الله والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم, إلى غير ذلك من الأمور التي تغرس في نفوس الطلاب الأخلاق الحميدة والوجهة الإسلامية.

أيها الإخوة, وتختل الموازين حينما يتولى التدريس بعض من ليس لهم من الإسلام إلا الاسم، فهم يتهاونون بأوامر الله، ويرتكبون ما نهى الله عنه، وتجده يمارس هذه الظواهر أمام الطلاب، كالتدخين مثلًا أو استماع الغناء، وأدهى من ذلك حين يكون هذا المدرس متخصصًا بتدريس مادة شرعية.

فالطالب الذي يرى مدرسه في حالة من الميوعة والتسيب كيف يتعلم الفضيلة؟

والطالب الذي يسمع من مدرسه كلمات السب والشتم كيف يتعلم حلاوة المنطق؟

والطالب الذي يرى مدرسه يتعاطى الدخان سيسهل عليه هذا الأمر.

والطالبة التي مدرستها تسير خلف ما يصدره لها الأعداء من أزياء فاضحة وأخلاق سافلة كيف تتعلم الفضيلة؟

والطالبة التي ترى مدرستها متبرجة كيف تتعلم الالتزام بالحجاب؟

وبالعكس من ذلك.

فحينما ترى طالبًا خلوقًا ملتزمًا بآداب الإسلام تعلم أنه قد وفق بمن أحسن توجيهه، وتضافرت الجهود من المدرسة والبيت على ذلك.

وبالجملة فيجب على المدرس أن يكون معلمًا مؤدبًا لطلابه الأدب الإسلامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت