سيرة وتاريخ
غزوات
عبد الله الهذيل
الرياض
فيحان
1-دور اليهود في التجهيز لغزوة الأحزاب. 2- حفر النبي وأصحابه الخندق. 3- وعد النبي أصحابه بالفتوح، وتشكك المنافقين بهذه الوعود. 4- بعض أحداث غزوة الأحزاب.
أيها الأحبة في الله, وبعد أن تدارسنا أحداث غزوة بني المصطلق، وما كان فيها من عبر، نأتي إلى الدرس الخامس عشر؛ لنتحدث فيه عن غزوة من الغزوات العظمى، اشتدت فيها الكربة على المسلمين, وأحاط بهم البلاء, وزلزلوا زلزالًا شديدًا حتى ظنوا أنهم مضروبون عن قوس واحدة، حتى جاء الفرج من عند الله تعالى، وكان النصر أسرع إليهم من كل ما يحتسبون.
تلك غزوة الأحزاب ـ أو غزوة الخندق ـ التي كان وقوعها في شوال سنة خمس للهجرة على الصحيح.
فما أسباب هذه الغزوة؟
إن غزوة الأحزاب أبانت بيقين اجتماع الباطل على اختلاف مذاهب أهله وتفاوت طباعهم واختلاف ألسنتهم ضد الحق، وما ذاك إلا أنها ينفث الشيطان فيها سمومه، ويقرب ما بينها حين تكون المواجهة أمام السبيل القويم والصراط المستقيم.
أيها الأحبة في الله, إن اليهود في قديم تاريخهم وحديثه لم يفتؤوا أن يوقدوا حروبًا يرمون من ورائها هدم صرحٍ أعلى الله شأنه ورفع مكانه؛ ولكن هيهات لهم أن يصيب رميهم وتقر عيونهم.
ففي هذه الغزوة ـ غزوة الأحزاب ـ ذهب وفد من يهود بني النضير وهم قد أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر, ذهب هذا الوفد متوجهًا إلى مكة ليتعاهدوا مع قريش على حرب النبي صلى الله عليه وسلم، وشهدوا لقريش أن مذهبهم أسدُّ رأيًا وأقوم سبيلًا مما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، فسُرّت قريش بهذه الشهادة منهم أشد السرور، وأنزل الله تعالى فيهم: أَلَمْ تَرَ إِلَى ?لَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ ?لْكِتَـ?بِ يُؤْمِنُونَ بِ?لْجِبْتِ وَ?لطَّـ?غُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى? مِنَ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ سَبِيلًا [النساء:51] .
فواعدت قريش اليهود على الزحف معهم إلى المدينة.
ثم سار ذلك الوفد قِبَل نجد ليؤلب غطفان ومن حولها على المسلمين، فوافقت غطفان.
وهكذا اجتمعت الأحزاب, يجمعها الكفر الذي لفّ رقابها, وأعمى أبصارها، وسارت نحو المدينة لا يشك الواحد منهم في ضرب المدينة عن قوس واحدة، وأن أمرها قريب النهاية.
علم المسلمون بذلك، فاستشارهم النبي صلى الله عليه وسلم، فأشير عليه بحفر الخندق، وقيل إن الذي أشار عليه هو سلمان الفارسي رضي الله عنه، فأمر صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق شمال المدينة، وهي الجهة الوحيدة المكشوفة أمام الغزاة.
فكان صلى الله عليه وسلم أولهم بدءًا بالحفر, وأخذ أصحابه من حوله كلٌّ فأسه وبدأ يحفر، فشهدت المدينة منظرًا عجيبًا، شهدت وجوهًا ناصعة تتألف من قبائل شتى, تضرب بالفؤوس وتحمل المكاتل [1] , وتتعرى من زينتها لتلبس جبلًا من نسج الغبار المتراكم.
إنها اليد الواحدة التي شدتها الأيادي فكانت مثالًا للإيثار والتعاون.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحفر وينقل التراب حتى اغبّر بطنه ـ بأبي هو وأمي ـ وهو يرتجز بقول عبد الله بن رواحة:
والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الألى قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا
وكان يمد صوته بآخرها [2] .
وكان الصحابة يحفرون ويرتجزون:
نحن الذين بايعوا محمدًا على الجهاد ما بقينا أبدًا
فكان صلى الله عليه وسلم يجيبهم بقولهم:
اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة فبارك في الأنصار والمهاجرة [3]
وقد كان الصحابة إذا أعيتهم صخرة في حفرهم جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستغيثون به، فيفتّها لهم فتًا بضربة واحدة.
وفي تلك الساعات العصيبة التي ينتظر فيها المسلمون جموع الأحزاب أن يحيطوا بهم حول مدينتهم، يبعث النبي صلى الله عليه وسلم روح الأمل، وحسن الظن بالله تعالى بما سيفتحه الله عليه من كنوز الشرق والغرب.
روى الإمام أحمد عن البراء بن عازب قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق قال: وعرض لنا صخرة في مكان من الخندق لا تأخذ فيها المعاول قال: فشكوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عوف: وأحسبه قال وضع ثوبه ثم هبط إلى الصخرة فأخذ المعول فقال: (( بسم الله. فضرب ضربة فكسر ثلث الحجر وقال: الله أكبر! أعطيت مفاتيح الشام والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا، ثم قال: بسم الله. وضرب أخرى فكسر ثلث الحجر فقال: الله أكبر! أعطيت مفاتيح فارس والله إني لأبصر المدائن وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا، ثم قال: بسم الله, وضرب ضربة أخرى فقلع بقية الحجر فقال: الله أكبر! أعطيت مفاتيح اليمن والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا ) ) [4] .
أما المسلمون فزادتهم تلك البشارات إيمانًا ويقينًا، فلما انسابت عليهم جموع الأحزاب لم تطر نفوسهم شَعَاعًا، ولكن واجهوا الحاضر المر بحسن ظن يملأ بشاشة القلوب حتى جاءهم النصر القريب.
أما المنافقون والذين في قلوبهم مرض، فقد تندروا بأحاديث الفتح، وظنوها أماني المغرورين، وقالوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: يخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأنتم تحفرون الخندق، لا تستطيعون أن تبَرَّزُوا.
وقد أخبر الله تعالى عن موقفهم المَشين والمُخذل، فقال: وَإِذْ يَقُولُ ?لْمُنَـ?فِقُونَ وَ?لَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا ?للَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا [الأحزاب:12] .
لذلك كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم واحدًا بعد واحد يستأذنونه ويقولون إن بيوتنا عورة، وهم ما أرادوا إلا الفرار لغلبة الفَرَق على قلوبهم، فلن تبرز لهم نحور ولئن تثبت لهم قدم.
أيها الأحبة في الله, وصلت جموع الأحزاب في عشرة آلاف مقاتل وعسكروا حول المدينة.
نقض بنو قريظة العهد، وذلك بتزيين من حيي بن أخطب سيد بني النضير لكعب بن أسد القرظي سيد بني قريظة.
بلغ الخبرُ النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل السعدين لاستطلاع الخبر فأتيا به كما بلغه.
اشتد الأمر على المسلمين إِذْ جَاءوكُمْ مّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ ?لاْبْصَـ?رُ وَبَلَغَتِ ?لْقُلُوبُ ?لْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِ?للَّهِ ?لظُّنُونَاْ هُنَالِكَ ?بْتُلِىَ ?لْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالًا شَدِيدًا [الأحزاب:11,10] .
فوجئت قريش بذلك الخندق.
امتد الحصار, وكان هذا سببًا في أن تضعف معنويات الأحزاب شيئًا فشيئًا.
وكان صلى الله عليه وسلم يدعو على الأحزاب: (( اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم ) ) [5] .
وحدثت الفرقة في صفوف الأحزاب بتدبير نعيم بن مسعود بعد أن أسلم.
أرسل الله الريح على جموع الأحزاب، فصاروا لا يقر لهم قرار، وأرسل جندًا من الملائكة يزلزلونهم، ويلقون الرعب في قلوبهم.
إرساله صلى الله عليه وسلم لحذيفة بن اليمان للإتيان بالخبر.
روى الإمام مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قال: لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب وأخذتنا ريح شديدة وقر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ألا رجل يأتيني بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة، فسكتنا فلم يجبه منا أحد، ثم قال: ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة، فسكتنا فلم يجبه منا أحد ثم قال: ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة، فسكتنا فلم يجبه منا أحد، فقال: قم يا حذيفة فأتنا بخبر القوم، فلم أجد بدًا إذ دعاني باسمي أن أقوم قال: اذهب فأتني بخبر القوم ولا تذعرهم علي, فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام حتى أتيتهم, فرأيت أبا سفيان يصلي ظهره بالنار، فوضعت سهمًا في كبد القوس فأردت أن أرميه، فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولا تذعرهم علي, ولو رميته لأصبته فرجعت وأنا أمشي في مثل الحمام فلما أتيته فأخبرته بخبر القوم وفرغت قررت فألبسني رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها، فلم أزل نائمًا حتى أصبحت فلما أصبحت قال: قم يا نومان ) ) [6] .
وهكذا انتهت هذه الغزوة بتلك العاقبة الحسنة للمسلمين: وَرَدَّ ?للَّهُ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْرًا وَكَفَى ?للَّهُ ?لْمُؤْمِنِينَ ?لْقِتَالَ وَكَانَ ?للَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا [الأحزاب:25] .
[1] المكاتل جمع مِكْتَل كمِنْبَر: زِنبيل يسع خمسة عشر صاعًا.
[2] صحيح، أخرجه البخاري: كتاب الجهاد والسير - باب حفر الخندق، حديث (2837) ، وكتاب المغازي - باب غزوة الخندق وهي الأحزاب، حديث (4104) ، ومسلم: كتاب الجهاد والسير - باب غزوة الأحزاب وهي الخندق، حديث (1803) .
[3] صحيح، أخرجه البخاري: كتاب الجهاد والسير - باب التحريض على القتال، حديث (2837) ، وأخرج مسلم نصفه: كتاب الجهاد والسير - باب غزوة الأحزاب وهي الخندق، حديث (1804) .
[4] حسن، مسند أحمد (4/303) ، وأخرجه أيضًا النسائي بنحوه: كتاب الجهاد - باب غزو الترك والحبشة، حديث (3176) ، وابن أبي شيبة: كتاب المغازي - باب غزوة الخندق (8/501) .
[5] صحيح، أخرجه البخاري: كتاب الجهاد والسير - باب الدعاء على المشركين.. حديث (2933) ، ومسلم: كتاب الجهاد والسير - باب استحباب الدعاء بالنصر... حديث (1742) .
[6] صحيح، أخرجه مسلم: كتاب الجهاد والسير - باب غزوة الأحزاب، حديث (1788) .
لم ترد.