فهرس الكتاب

الصفحة 1631 من 5777

الرحمة العامة في الإسلام

الإيمان

الجن والشياطين

إسماعيل الخطيب

تطوان

الحسن الثاني

أما بعد:

خاطب الله رسوله بقوله: ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين وخاطب المؤمنين بقوله: فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة.

عباد الله: القرآن كتاب الله هدى ورحمة، هو الجواب القاطع لكل حيرة، المبين للحق في كل شيء بين الله فيه العقائد والفضائل والآداب والأحكام التي بها تصلح أمور البشر، فهو رحمة عامة للذين تنتشر فيهم هدايته، وتنفذ فيهم شريعته، فأحكام القرآن إن طُبقت سعد بها حتى غير المؤمنين، ذلك أنهم يكونون آمنين في ظلها على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، عائشين في جو خالٍ من الفواحش والمنكرات: ولقد علمنا أن دين الله - الإٍسلام - حرم قتل أي نفس إلا بالحق، قال تعالى: ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولذلك جاء الوعيد في قتل المعاهدين، قال نبينا عليه الصلاة والسلام: (( من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا ) )والمعاهدون هم غير المسلمين الذين يعيشون مع المسلمين فلهم العهد والضمان والأمان بأن لا يُظلموا وأن تصان دماؤهم وأموالهم وأعراضهم مع ضمان حريتهم في دينهم، وبذلك يكون دين الله رحمة للناس أجمعين، هو رحمة للمؤمنين في الدنيا والآخرة، ورحمة لغيرهم في الدنيا إن طبقت فيهم أحكامه.

فالمجتمع المسلم هو الذي يعمل بشريعة الله ويطبق حكم الله، المجتمع المسلم هو الخالي من الفواحش والمنكرات التي تفسد الأخلاق وتولد الأمراض، المجتمع المسلم هو الذي تُضمن فيه الحقوق لجميع المتساكنين، هذا هو مجتمع الرحمة الذي لا يقتل فيه إنسان إلا بالحق بل إن الحيوان لا يقتل فيه إلا بحق، قال نبينا عليه الصلاة والسلام: (( من قتل عصفورًا فما فوقها بغير حقها، سأله الله عن قتله ) )قيل يا رسول الله وما حقها؟ قال:"أن يذبحها فيأكلها ولا يقطع رأسها فيرمي بها"وقد نهى عن اتخاذ ما فيه الروح هدفًا للرمي، فقال: (( لا تتخذوا شيئًا فيه الروح غرضًا ) )ومن ذلك نصب الحيوان فيرمى إليه حتى يموت. قال ابن عمر عن النبي أنه (( نهى عن قتل كل شيء من الدواب صبرًا ) )ففي ذلك وحشية وهمجية كما يشاهد في مصارعة الثيران عند الأسبان حيث يعذب الحيوان لفترة طويلة تسلية سخيفة للمشاهدين، بل إن نبينا عليه الصلاة والسلام نهى عن التحريش بين البهائم، وذلك يدفعها إلى التقاتل فيما بينها، فإذا كان نبينا قد نهانا عن الإفساد والإغرار بين الحيوان، فهل يسمح به بين الإنسان.

إن دين الرحمة والإحسان يمنع كل تحريش بين الإنسان والإنسان أو بين الإنسان والحيوان، ويدعو إلى علاقة إنسانية رفيعة أساسها الإحسان والرحمة، وهذا الإحسان ينبغي أن يظهر حتى عند ذبح الحيوان للانتفاع بلحمه، قال عليه الصلاة والسلام: (( إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وليُحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته ) ).

وعن ابن عباس قال: مر رسول الله على رجل واضع رجله على صفحة شاة وهو يُحد شفرته، وهي تلحظ إليه ببصرها. فقال: (( أفلا قبل هذا؟ أو تريد أن تميتها موتات ) ).

إنها الرحمة - أيها المسلمون - التي جاء بها نبي الرحمة عليه الصلاة والسلام الذي خاطبه الله تعالى بقوله: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين.

عباد الله: بين كتاب الله أن القتل لا يكون إلا بحق. قال تعالى: ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق وبين رسول الله هذا الحق بقوله: (( لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة ) )فعقوبة القتل شرعت لحفظ الأعراض، والزنا نتائجه وخيمة، قال عليه الصلاة والسلام: (( لا تزال أمتي بخير ما لم يفش فيهم ولد الزنا، فإذا فشا فيهم ولد الزنا أوشك أن يعمهم الله بعذاب ) )والمتزوج البالغ العاقل العالم بتحريم الزنا الغير المكره، إنسان أنعم الله عليه بنعمة الإحصان فكان الواجب عليه أن يشكر هذه النعمة. فإن هو وقع في الزنا فقد تنكر لنعمة الله ولم يشكرها، فكان جديرًا بعقوبة الرجم الثابتة بالسنة الصحيحة. كما شرعت عقوبة القتل للقاتل عمدًا، قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى والقصاص هو أن يُفعل بالجاني مثل ما فعل بالمجني عليه، على أن الله تعالى خفف على العباد ورحمهم فأجاز لولي الدم أن ينتقل من القصاص إلى الدية أو العفو مجانًا. وشُرعت عقوبة القتل لحفظ الدين، قال: (( من بدل دينه فاقتلوه ) )فالمرتد خطره كبير بصده للناس عن دين الله، إذ هو يبث أحقاده وسمومه تحت ستار معرفته بالإسلام، فاستحق بذلك عقوبة القتل حتى لا يدخل في الإسلام من يسعى لهدمه من الداخل، فإذا حقق غرضه عاد لكفره وضلاله.

فاللهم لك الحمد على نعمة الإيمان والإسلام لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله، وأنت على كل شيء قدير.

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت