فهرس الكتاب

الصفحة 1532 من 5777

الدين النصيحة

العلم والدعوة والجهاد

أحاديث مشروحة, الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

مرزوق بن سالم الغامدي

مكة المكرمة

الرحمة

1-أهمية النصيحة ومنزلتها في الدين. 2- معنى النصيحة لله. 3- النصيحة لكتاب الله.

4-النصيحة لأئمة المسلمين وحكامهم. 5- النصيحة لعامة المسلمين.

أيها الإخوة: جاء في صحيح مسلم عن تميم الداري رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة ) )قلنا: لمن يا رسول الله قال: (( لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ) ).

فالنصيحة من قوام الدين، حيث بالنصيحة يستقيم أمر العباد وبها تستضاء سبيل الرشاد، والنصيحة كلمة جامعة يعبر بها عن إرادة الخير للمنصوح له، وهو ضد ونقيض الغش، وأصل النصح الخلوص والنقاء، فالناصح هو الخالص من العسل بعد تصفيته من الشمع ومن الشوائب.

والنصيحة واجبة على المسلمين للمسلمين، فهي عماد الدين، ولذلك عد هذا الحديث أصلًا عظيمًا من أصول الإسلام، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ البيعة من الصحابة رضي الله عنهم على النصح لكل مسلم، فعن جرير بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم) متفق عليه.

أيها الإخوة: قال أهل العلم في شرح الحديث الأول حديث تميم الداري: النصح لله على وجهين، أحدهما فرض، والآخر نافلة.

فالنصيحة المفترضة هي شدة العناية من الناصح باتباع محبة الله في أداء ما افترضه، ومجانبته ما حرم، والإيمان به سبحانه وتعالى وتوحيده في أفعاله وعبادته وأسمائه وصفاته دون تعطيل ولا تشبيه ولا تكييف ولا تمثيل ليس كمثله شيء وهو السميع البصير والنصيحة التي هي نافلة: هي إيثار محبته على محبة النفس، فيبدأ بما كان لربه، ويؤخر ما كان لنفسه، ومن النصح لله أن لا يرضى العبد بمعصية العاصي، ويحب طاعة من أطاع الله ورسوله وأن يخلص النية في جميع أعماله.

وأما النصيحة لكتابه فبالإيمان به والعمل بما فيه والاعتقاد أنه كلام الله منه بدأو إليه يعود، وأما النصيحة لرسوله صلى الله عليه وسلم فبالعناية بسنته والاقتداء به وتعظيم أمره ومحبته ومحبة آل بيته وصحابته رضي الله عنهم أجمعين، وتصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر واجتناب ما نهى عنه وزجر وألا يعبد الله إلا بما شرع، وأن نبغض كل من يخالف سنته أو يبتدع في الدين ويدين بخلاف ما شرعه لنا صلى الله عليه وسلم، وبالجملة فالنصيحة تشمل خصال الإسلام والإيمان والإحسان، فيكمل النصح بأداء الواجبات على أكمل وجه وترك المحرمات والبعد عن المبتدعات والتنزه والتورع عن المشتبهات والمكروهات.

أما النصيحة لأئمة المسلمين فيشمل كل من ولي أمر المسلمين، سواء العلماء أو الولاة، وتكون النصيحة لهم بطاعتهم في المعروف ومحبة ورشدهم وحب عدلهم واجتماع كلمتهم على الحق، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إن الله يرضى لكم ثلاثًا، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم ) ).

إن من تولى أمر المسلمين فإن عليه مسؤوليات جسام أولها حفظ الدين وذلك بنشره والدعوة إليه بالقلم واللسان والسنان، ودفع الشبه والبدع والأباطيل عنه ومحاربتها... وثانيًا بإقامة العدل بين الناس وإعطاء كل ذي حق حقه، وثالثًا مراعاة مصالح الأمة والحفاظ على ثغورها وحرماتها وإقامة شعائر الإسلام وتهيئة الأجواء المناسبة للمجتمع المسلم وحمايته، سواء بنشر العلم، أو بتكثير النسل أو بالتربية الإيمانية الجهادية في نفوس الشباب، إلى غير ذلك مما هو معلوم ومكتوب في كتب أهل العلم مما هو واجب على الولاة، فلو أخطأ ولي الأمر وخالف في قضية من القضايا أو مسألة شرعية فيجب على الأمة مناصحته.

وهنا مسألة هامة يجب أن يفهمها الناس فالمناصحة والإرشاد ليس معناه الخروج على الولاة كما يقول البعض، فلقد كان السلف يناصحون الولاة علنًا وأمام الجميع إذا ما رأوا أمرًا مخلًا بالشرع مخالفًا للسنة يفعله الوالي أمام الجميع.

فهذا الصحابي عمارة بن رؤيبة رضي الله عنه يقول للوالي وهو على المنبر يخطب الجمعة حينما رفع يديه في الدعاء: (قبح الله هاتين اليدين رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زاد على هذا وأشار بأصبعه السبابة) .

وهذا مروان يريد أن يخطب في العيد قبل الصلاة مخالفًا بذلك السنة النبوية فقال له أحد المصلين: خالفت السنة فقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: (أما هذا فقضى ما عليه) سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، ومن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ) ). فلم يقل أحد أن هذا من الخروج على الأئمة، أو أنه خالف الحكمة.

والمناصحة للعلماء تكون بتنبيههم على بعض الأخطاء وإرجاعهم إلى الدليل من القرآن والسنة، أما من تابعهم في كل ما يقولون حتى ولو خالف قولهم الدليل القطعي فإنه يخشى عليه أن يكون ممن اتخذهم أربابًا من دون الله كما فسر النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم قول الله تعالى: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله فقال عدي: إنا لا نعبدهم. قال: (( ألم يحلوا لكم ما حرم الله ويحرموا عليكم ما أحل الله فأطعتموهم؟ ) )قال: بلى. قال: (( فتلك عبادتهم ) ).

أيها الإخوة: إن مراعاة تحقيق المصالح ودرء المفاسد واجب أن يؤخذ به في المناصحة للولاة، فمرة تكون المناصحة بالمراسلة، ومرة باللقاء، ومرة بالرد العلني وبالهجر وعدم الدخول على السلاطين وخاصة الظالمين المعاندين المخالفين لشرع الله محققًا بذلك ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلطان افتتن وما ازداد عبد من السلطان قربًا إلا ازداد من الله بعدًا ) )، فلا ينبغي لأهل العقول والعلم أن يعرضوا أنفسهم للفتن ويخالفوا بذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما يكون دخولهم على الولاة لأجل مناصحتهم وردهم إلى الحق، وكل إنسان بحسبه ومقدرته، وكل حال وموقف بقدره.

عن كعب ابن عجرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( سيكون بعدي أمراء، فمن دخل عليهم فصدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه وليس بوارد علي الحوض، ومن لم يدخل عليهم ولم يعنهم على ظلمهم ولم يصدقهم بكذبهم فهو مني وأنا منه وهو وارد على الحوض ) ).

أيها الإخوة: النصيحة لأئمة المسلمين واجب شرعي تقويمي، فيه مصلحة للدين والدنيا، فيه مصلحة للإسلام والمسلمين.. لقد كان الصحابة رضي الله عنهم يطلبون من الناس ذلك. ويطلبونه علنًا أمام الجميع كما فعل أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين. فالولاة الصالحون من العلماء والأمراء يقبلون النصيحة بصدر رحب ولا يجدون في أنفسهم حرجًا ولا حقدًا على من يناصحهم ويبين لهم بالدليل والبرهان حتى ولو كان قاسيًا في كلامه ما دام الهدف هو حماية الدين أولًا وأخيرًا. أسأل الله العلي العظيم أن يوفقنا لما يحب ويرضا إنه سميع مجيب.

والنصيحة العامة للمسلمين فتكون بأن يحب المرء لهم ما يحبه لنفسه ويكرهه لهم ما يكرهها لنفسه ويشفق عليهم ويرحم صغيرهم ويوقر كبيرهم ويحزن لحزنهم ويفرح لفرحهم ويحب صلاحهم وألفتهم ودوام النعم عليهم ونصرهم على عدوهم ودفع كل أذى ومكروه عنهم.

إن النصيحة كما ذكرت في الخطبة الأولى كلمة جامعة متضمنة قيام الناصح للمنصوح له بوجوه الخير إرادة وفعلًا، فيكون فيها الإرشاد والتوجيه لما ينفع الناس وتعليمهم أمور دينهم ودنياهم وستر عوراتهم وسد خلاتهم ومجانبة الغش والخداع لهم وحفظ حقوقهم وأعراضهم وأموالهم، وتعليم جاهلهم ورد من زاغ منهم إلى الحق، فبالمناصحة يستقيم المجتمع، فاليد التي أصابها قذر لا يزول هذا القذر إلا بدعكها باليد الأخرى.

وهذه المسألة أيها الإخوة تكون في ولاة الأمور من علماء وأمراء أوجب وأقوى، لأن الأمة أمانة في أعناقهم، فولي الأمر مثل ربان السفينة الذي يجب عليه أن يقودها إلى بر الأمان.

قال أحد السلف: ما فاق أبو بكر رضي الله عنه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوم ولا صلاة، ولكن بشيء كان في قلبه، قال: الذي كان في قلبه الحب لله عز وجل والنصيحة في خلقه. جاء في الصحيحين عن معقل بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ما من عبد يسترعيه الله رعيةً ثم لم يحطها بنصيحة إلا لم يدخل الجنة ) ).

فالعلماء ينشرون السنة بين الناس ويعلمونهم الخير وفعل الطاعات وترك المنكرات، والأمراء يقومون بالعدل والقسط والدفاع عن المحرمات وحفظ الحقوق والأموال والأعراض وكل ما من شأنه حفظ الدين والأمة، وحفظ البلاد، ورد المعتدين، فالمؤمن منهم يُستر ويُنصح، والفاجر يُهتك ويُعير والأمة كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، والقوي ضعيف حتى يؤخذ الحق منه، والضعيف قوي حتى يأخذ حقه، والكل في رعاية الأمراء والعلماء الذين هم مسؤولون عما استرعاهم الله. فما من عبد يسترعيه الله رعية من المسلمين فيموت وهو غاش لهم إلا حرم الله عليه الجنة كما جاء عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، وكذلك ما رواه مسلم: قال صلى الله عليه وسلم: (( ما من عبد يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح لهم إلا لم يدخل الجنة معهم ) ).

وإن في استقامة الولاة والأئمة استقامة للأمة كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (إن الناس لم يزالوا مستقيمين ما استقامت لهم أئمتهم وهداتهم) وقال أيضًا: (الرعية مؤدية إلى الإمام ما أدى الإمام إلى الله، فإن رتع الإمام رتعوا) .

وأصل ذلك كله أيها الإخوة: الصدق.. الصدق مع الله ومع رسوله ومع الناس.. والصدق يكون في الأقوال والأفعال، فإذا وافق قول الإنسان واقعه فهذا صادق، وإذا وافق فعله وباطنه ظاهره فهو صادق... وإلا كان من المنافقين والعياذ بالله.

وقد وصف الله المهاجرين بأنهم هم الصادقون وقال سبحانه وتعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين وقال سبحانه عن المنافقين: فلو صدقوا الله لكان خيرًا لهم.

فالمشرك ليس بصادق، والمبتدع ليس بصادق، لأنه يدعي الاتباع للرسول صلى الله عليه وسلم وهو ليس بمتبع، وكل أمر يظهر فيه الإنسان أمام الأمة بما يخالف قوله فهو كاذب. فالغاش لهم والخائن والشحيح والظالم والمتعدي على الحقوق والأموال والمتجسس على الناس والنمام والموالي لأعداء الله والخاذل للدعاة والمصلحين كل هؤلاء يدخلون في نفق الكذب إذ أظهروا النصح والحرص للأمة بالقول فقط، فخالف ظاهرهم باطنهم، فهم أشبه ما يكونوا بالمنافقين نسأل الله السلامة.

روى الترمذي عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت