العلم والدعوة والجهاد
القتال والجهاد
مرزوق بن سالم الغامدي
مكة المكرمة
الرحمة
1-تدرج تشريع الجهاد. 2- الهدف من الجهاد في الإسلام. 3- فضل الجهاد والمجاهدين. 4-
عاقبة ترك الجهاد.
أيها الإخوة: لقد بعث الله نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم ليخرج الأمة من عبودية العباد والأهواء إلى عبودية الخالق سبحانه وتعالى، وجاء بالشرع الإسلامي الذي دعا إلى حفظ الدين والعقل والنفس والمال والنسب.
ووضع لكلٍ حدودًا وأهدافًا وطرقًا يلتزم بها كل موحد بالله مؤمن برسوله صلى الله عليه وسلم، فجاء الشرع الرباني بالقصاص والحدود لحفظ هذه الضروريات الخمس، الدماء، والعقل، والنفس، والمال، والنسب، والدين، وجاء الإسلام بالسبل المؤدية لتلك الغايات والمشبعة للحاجات بالطرق السليمة المباحة.
فبالزواج يحفظ النسب، وبالتجارة المباحة يكسب المال الحلال، وبالقصاص تحفظ الدماء وهكذا.
ولكون الأصل في هذا كله هو حفظ الدين، ونشره بين الناس، وحمايته من الأعداء، كان الجهاد في سبيل الله، الجهاد باللسان والحجة والبيان، والجهاد بالسيف والسنان، فكانت البداية دعوة إلى الله بالحجة والبيان، جهاد بالقرآن كما قال تعالى: وجاهد هم به جهادًا كبيرًا وعند إبلاغ الدعوة للناس وقف أعداء الله في وجهها بكل السبل حتى وصل بهم الأمر إلى محاولة الاغتيال، لقتل النبي صلى الله عليه وسلم، عندها جاء الإذن بالهجرة ثم الجهاد بالسنان فما هو الجهاد؟ وما هي أهدافه؟
أيها الإخوة: إن الجهاد بالسيف والسنان هو ذروة سنام الإسلام وهو استعداد على قدر الاستطاعة لإخضاع المعاندين والمكابرين لأمر الله... فإما الإسلام وإما الجزية وإما القتال.
قال صلى الله عليه وسلم: (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله ) )إن للجهاد حكمًا بالغة، وأهدافًا جليلة، لأن الذي شرعه هو العليم الخبير والهدف الرئيس هو تعبيد الناس لله وحده وإزالة الطواغيت كلها من الأرض جميعًا وإخلاء العالم من الفساد والبغي. قال تعالى: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنه ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين وقال سبحانه: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير قال المفسرون من الصحابة: حتى لا تكون فتنة أي حتى لا يكون شرك قال ابن جرير رحمه الله: فقاتلوهم حتى لا تكون فتنة أي حتى لا يكون شرك ولا يعبد إلا الله وحده لا شريك له، فيرتفع البلاء عن عباد الله من الأرض وهو الفتنة ويكون الدين كله لله.
إن هذا الهدف السامي هو إعلاء كلمة الله وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وإخلاء الأرض من الفساد وإزالة الطواغيت، وهو موضع اتفاق بين علماء المسلمين. يقول الشافعي رحمه الله: يجاهد مِنَ المسلمين مَنْ في جهاده كفاية حتى يسلم أهل الأوثان أو يعطي أهل الكتاب الجزية ويقول محمد بن الحسن: فريضة القتال، المقصود منها إعزاز الدين، وقهر المشركين. ويقول ابن عبد البر المالكي: يقاتل جميع أهل الكفر من أهل الكتاب وغيرهم من القبط والترك والحبشة والفزارية والصقالبة والبربر والمجوس وسائر الكفار من العرب والعجم، يُقاتلون حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
ولتحقيق هذا الهدف الأسمى لابد من استعداد الأمة وتربيتها التربية الجهادية الحقة المبنية على العقيدة الصحيحة والتي تسعى بكل ما أوتيت من قوة لنشر الدين وتعليم الناس الخير ورد اعتداء المعتدين على المسلمين، قال تعالى: وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ولتقوم الأمة الإسلامية بإزالة الغشاوة والفتنة عن الناس حتى يسمعوا كلام الله وحتى يروا نظام الإسلام مطبقًا ليعرفوا ما فيه من عدل وإصلاح للبشر، ويستخدموا في ذلك كل وسيلة إعلامية ممكنة للوصول إلى جمع سكان الأرض، وللقيام بهذا الأمر لابد من حماية لبلاد المسلمين من شر الكفار، حماية للدين، وحماية للعقيدة، وحماية للشعائر، وحماية للممتلكات، وحماية للأراضي التي عليها مسلمون يوحدون الله في أي جهة كانت، شرقًا أم غربًا، فالأرض التي عليها المسلمون هي أرض إسلامية، لابد لكل مسلم أن يهتم بها ويحافظ عليها بصفتها الإسلامية، وليس بصفتها الإقليمية أو العنصرية العرقية، فكل من يقف في وجه المسلمين من الكفار يجب قتله، فكل كافر معاند لا يستجيب لأمر الله بدفع الجزية أو التخلي عن صد الإسلام ودعاته في جميع أنحاء العالم يجب قتله وإبادته. قال تعالى: قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين.
وقال تعالى: ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين.
وعليه فلابد أن تكون للمسلمين هيبة ورهبة، لإرهاب الكفار وإخزائهم وإذلالهم وإيهان كيدهم وإغاظتهم وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم فإرهاب الكفار وإخافتهم من مقاصد الجهاد. يقول ابن القيم رحمه الله: ولا شيء أحب على الله من مراغمة وليه لعدوه وإغاظته له.
إن للجهاد في سبيل الله منزلة عظيمة، وقد عده بعض العلماء من أركان الإسلام الذي لا استقامة للإسلام ولا قوامة لشرائعه إلا به، وقد فضل الله المجاهدين والشهداء في سبيله فضلًا عظيمًا قال تعالى: ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون ، وقال تعالى: فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا وقال تعالى: لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة.
وقد جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض ) ). وقد تمنى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتل في سبيل الله مرارًا وتكرارًا كما جاء في الحديث الصحيح أنه قال صلى الله عليه وسلم: (( والذي نفسي بيده لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ) ).
أيها الإخوة: بعد أن عرفنا أهمية الجهاد وفضله، ومكانة المجاهدين، وأهداف وغايات الجهاد في سبيل الله نقف وقفة سريعة لنتعرف بها على عواقب ترك الجهاد وأثر ذلك على الأمة. ولا ننسى أن الجهاد بالدعوة والقرآن.... بالقلم والبيان، لا يقل أهمية عن الجهاد بالسيف والسنان، فالمنافقون ودعاة الضلالة من أهل البدع والمفسدون في الأرض من أهل الشهوات والسلطان، إذا لم يجدوا من يرد عليهم ويكشف أستارهم ويظهر الحق الساطع بالأدلة من الكتاب والسنة فإنهم سيلبسون على الناس دينهم ويلبسون الحق بالباطل فتختلط الأمور على عامة المسلمين فلا يميزون بين الحق والضلال، أو بين السنة والبدعة، بل قد يرون الضلال حقًا، والبدعة سنة والعياذ بالله.
أيها الإخوة: إن ترك الجهاد مع القدرة عليه كبيرة من الكبائر يقول الهيثمي رحمه الله في كتابه الزواجر عن اقتراف الكبائر: الكبيرة التسعون والحادية والثانية والتسعون بعد الثلاثمائة: ترك الجهاد عند تعينه بأن دخل الحربيون دار الإسلام. أو أخذوا مسلمًا وأمكن تخليصه منهم، وترك الناس الجهاد من أصله وترك أهل الإقليم تحصين ثغورهم بحيث يخاف عليها من استيلاء الكفار بسبب ترك ذلك التحصين.ا.هـ. كلام.
إن ترك الجهاد علامة على النفاق، كما جاء عن المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من نفاق ) ).
وإن ترك الجهاد سبب للهلاك في الدنيا والآخرة. قال تعالى: وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين. قال الصحابي أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه: نحن أعلم بهذه الآية إنما نزلت فينا، صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدنا معه المشاهد ونصرناه، فلما فشا الإسلام وظهر اجتمعنا معشر الأنصار نجيا، فقلنا: قد أكرمنا الله بصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونصره حتى فشا الإسلام وكثر أهله، وكنا قد آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد، وقد وضعت الحرب أوزارها فنرجع إلى أهلينا وأولادنا فنقيم فيهم... فنزل فينا وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة فكانت التهلكة الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد.
وإن ترك الجهاد سبب للذل والهوان، وإن تركه ترك للدين كما قال سيد المجاهدين صلى الله عليه وسلم: (( إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم ) ). وفي رواية أخرى: (( لئن تركتم الجهاد وأخذتم بأذناب البقر وتبايعتم بالعينة ليلزمنكم الله مذلة في رقابكم لا تنفك عنكم حتى تتوبوا إلى الله وترجعوا إلى ما كنتم عليه ) ).
وإن ترك الجهاد سبب للبلاء والضنك وسبب عذاب من الله. قال تعالى: إلا تنفروا يعذبكم عذابًا أليمًا ويستبدل قومًا غيركم ولا تضروه شيئًا والله على كل شيء قدير.
وإن ترك الجهاد هو الفشل الذي يعرض الأمة للبوار يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكًا وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين.
وإن ترك الجهاد سبب للفساد في الأرض وإفساد أهلها بالقضاء على دينهم ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين.. فلولا أن الله يدفع الكافرين بجهاد المؤمنين ويكبت الكفار ويذلهم لأفسدوا على الناس دينهم، ولولا أن الله يدفع شبه المبطلين المخالفين من أهل البدع وأهل الشهوات بجهاد العلماء والدعاة الذين يردون عليهم بالحجة والبيان لتشوه وجه الإسلام وتهلهل وأصبح كالثوب المرقع ففسدت حياة الناس في دينهم ودنياهم.
وإن ترك الجهاد يفوت مصالح عظيمة للمسلمين، منها، الأجر والثواب والشهادة في سبيل الله، والمغنم، والتربية الإيمانية التي لا تحصل بدون الجهاد، ودفع شر الكفار وإذلالهم، ورفع شأن المسلمين وإعزازهم، وإدخال أناس في الإسلام.
أيها الإخوة: إذا كان تارك الجهاد يصاب بهذه الأمور في الدنيا والآخرة فكيف بمن يقف ضد الجهاد ويحاربه ويؤذي المجاهدين بالحبس أو التضييق في الرزق أو القتل أو غير ذلك من أصناف التعذيب.