الإيمان, قضايا في الاعتقاد
الشفاعة, اليوم الآخر
ناصر بن محمد الأحمد
الخبر
النور
1-هول الحشر يوم القيامة وظهور مكانة الأنبياء وخصوصا محمد صلى الله عليه وسلم
بالشفاعة في ذلك الوقت وهي الشفاعة العظمى
2-أنواع أخرى من الشفاعة 3- من هم الذين يشفعون
4-أعمال توجب الشفاعة لأصحابها"بإذن الله تعالى"5- أعمال تمنع الشفاعة
أما بعد:
لقد اقتضت حكمة الله تعالى أن ينزل ويتجلى على عباده في الموقف يوم القيامة بالجلال والجبروت، ونعلم أن الناس يكونون في الموقف والشمس تدنو من الخلائق، وتكون منهم بمقدار ميل، فيغرقون في عرقهم كل بحسب عمله، حتى يتمنى بعض الناس الانصراف ولو إلى النار من شدة ما هم فيه، ولو علموا حقيقة النار لما تمنوا ذلك. فيرحم الله بعض خلقه المستحقين للرحمة بعدة رحمات منها الشفاعة، بالشفاعة يعرف المسلم قدر رحمة الله، ويعرف تفضله على أنبيائه عمومًا وعلى نبينا خصوصًا، لأن له المقام الأول، والحظ الأوفر من الشفاعة.
الشفاعة جعلها الله كرامة للشافع ورفعًا لدرجته، ونفعًا للمشفوع له خصوصًا أهل المعاصي من أمثالنا، والله المستعان ممن توقفت سعادتهم للحصول عليها. مسألة الشفاعة من العقائد المسّلم بها عند أهل السنة، وقد خالف وأنكرها بعض أهل البدع ممن ينتمي إلى أهل القبلة. وخلاصة الشفاعة أنها طلب الرسول صلى الله عليه وسلم أو غيره من الله تعالى في الدار الآخرة حصول منفعة لأحد من الخلق. ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئًا ) ). قال الله تعالى: من ذا الذي يشفع عنده إلاّ بإذنه وقال تعالى: يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون وقال سبحانه: يومئذٍ لاتنفع الشفاعةُ إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا وقال جل وعلا: وكم من ملك في السماوات لاتغني شفاعتهم شيئًا إلاّ من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى.
أيها المسلمون: وأعظم الشفاعات يوم القيامة شفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم لفصل القضاء بين الناس، عندما يكون العباد في قلق شديد وكرب عظيم لايدرون كيف يهتدون إلى الخلاص مما هم فيه، فيلهم الله تعالى بعض عباده طلب الشفاعة من الرسل إلى الله تعالى لفصل القضاء وإراحتهم مما هم فيه. فيأتون آدم، ثم نوح، ثم ابراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، حتى تنتهي بنبينا صلى الله عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين أفضل الصلاة وأتم التسليم. روى البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: (( يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ يُسْمِعُهُمْ الدَّاعِي وَيَنْفُذُهُمْ الْبَصَرُ وَتَدْنُو الشَّمْسُ فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنْ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ وَلَا يَحْتَمِلُونَ فَيَقُولُ النَّاسُ: أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ؟ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: عَلَيْكُمْ بِآدَمَ فَيَأْتُونَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَام فَيَقُولُونَ لَهُ: أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَإِنَّهُ قَدْ نَهَانِي عَنْ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ إِنَّكَ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ وَقَدْ سَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَيَقُولُ إِنَّ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُهَا عَلَى قَوْمِي نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُونَ: يَا إِبْرَاهِيمُ أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَدْ كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلَاثَ كَذِبَاتٍ فَذَكَرَهُنَّ نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُونَ: يَا مُوسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ فَضَّلَكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ عَلَى النَّاسِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَإِنِّي قَدْ قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَيَقُولُ: عِيسَى إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ قَطُّ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَنْبًا نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَخَاتِمُ الْأَنْبِيَاءِ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ، فَأَنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ الْعَرْشِ فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَهْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ. فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ أُمَّتِي يَا رَبِّ أُمَّتِي يَا رَبِّ أُمَّتِي يَا رَبِّ فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْبَابِ الْأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْأَبْوَابِ ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَحِمْيَرَ أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى ) ).
وهذه الشفاعة خاصة بالرسول صلى الله عليه وسلم وهي المقام المحمود المراد بقول الله تعالى: ومن الليل فتهجد به عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا.
أيها المسلمون: وهناك شفاعة في أهل الكبائر من هذه الأمة ممن يرتكبون الفواحش والمخالفات فقد يرحم الله بعضهم بشفاعة، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لايموتون فيها ولايحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم - أو قال بخطاياهم - فأماتهم إماتة حتى إذا كانوا فحمًا أَذِن بالشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر(أي جماعات) فبثواعلى أنهار الجنة، ثم قيل يا أهل الجنة أفيضوا عليهم فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل ))رواه مسلم. وقد قال الله تعالى: يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا لايملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدًا.
وهناك شفاعة لطائفة من المؤمنين بدخول الجنة بغير حساب ولا عذاب وعددهم سبعون ألفًا، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ: (( عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ فَجَعَلَ يَمُرُّ النَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلُ، وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، وَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الْأُفُقَ فَرَجَوْتُ أَنْ تَكُونَ أُمَّتِي فَقِيلَ هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ، ثُمَّ قِيلَ لِي: انْظُرْ فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الْأُفُقَ فَقِيلَ لِي: انْظُرْ هَكَذَا وَهَكَذَا فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الْأُفُقَ فَقِيلَ: هَؤُلَاءِ أُمَّتُكَ، وَمَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ فَتَفَرَّقَ النَّاسُ وَلَمْ يُبَيَّنْ لَهُمْ، فَتَذَاكَرَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا أَمَّا نَحْنُ فَوُلِدْنَا فِي الشِّرْكِ وَلَكِنَّا آمَنَّا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَكِنْ هَؤُلَاءِ هُمْ أَبْنَاؤُنَا. فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ هُمْ الَّذِينَ لَا يَتَطَيَّرُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَكْتَوُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ فَقَالَ: أَمِنْهُمْ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: نَعَمْ. فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: أَمِنْهُمْ أَنَا؟ فَقَالَ: سَبَقَكَ بِهَا عُكَاشَةُ ) )رواه البخاري.
وهناك شفاعة للرسول صلى الله عليه وسلم لمن سكن المدينة ومات بها، فالله جل وتعالى شرّف المدينة بخيرات عديدة، فهي مُهاجر الرسول صلى الله عليه وسلم، وعاصمة الاسلام الأولى، والإيمان يأرز إليها كما تأرز الحية إلى جحرها، ومن هذه الميزات شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهلها لمن مات بها صابرًا محتسبًا ففي صحيح مسلم: (( المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، لايدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه، ولا يثبت أحد على لأوائها وجَهدها إلا كنت له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة ) ).
أيها المسلمون: وأيضًا هناك شفاعة لرفع درجات أهل الجنة، فهؤلاء قد دخلوا الجنة ومع ذلك تنالهم شفاعة، فترفع درجاتهم كرمًا من الله جل جلاله، إن من عباد الله من يقدمون أعمالًا يدخلهم المولى برحمته الجنة، وفوق هذا ينالهم كرم الله فوق ذلك فتنالهم شفاعة ترفع منزلتهم في الجنة. أخرج البخاري عن أبي بردة عن أبي موسى رضي الله عنه أنه قال: لما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس، فلقي دريد بن الصمة، فقُتل دريد وهزم الله أصحابه، قال أبو موسى: وبعثني مع أبي عامر فرُمي أبو عامر في ركبته، رماه جشمي بسهم فأثبته في ركبته. فانتهيت إليه فقلت: يا عم، من رماك؟ فأشار إلى أبي موسى، فقال: ذاك قاتلي الذي رماني، فقصدت له فلحقته، فلما رآني ولى، فاتبعته وجعلت أقول له: ألا تستحي؟ ألا تثبت؟ فكف، فاختلفنا ضربتين بالسيف فقتلته، ثم قلت لأبي عامر: قتل الله صاحبك، قال: فانزع هذا السهم، فنزعته، فنزا منه الماء، قال: يا ابن أخي أقريء النبي صلى الله عليه وسلم السلام وقل له: استغفر لي، واستخلَفني أبا عامر على الناس، فمكث يسيرًا ثم مات، فرجعت فدخلت على النبي صلى الله عليه وسلم في بيته على سرير مرمل وعليه فراش، وقد أثر رمال السرير بظهره وجنبيه، فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر وقال: قل له: استغفر لي، فدعا بماء فتوضأ ثم رفع يديه فقال: اللهم اغفر لعبيد أبي عامر ورأيت بياض إبطيه، ثم قال: (( اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس، فقلت: ولي فاستغفر، فقال: اللهم اغفر لعبدالله بن قيس ذنبه، وأدخله يوم القيامة مدخلًا كريمًا ) ). قال أبو بردة: إحداهما لأبي عامر، والأخرى لأبي موسى.
وعن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ثم قال: (( إن الروح إذا قبض تبعه البصر، فضج ناس من أهله، فقال: لاتدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمّنون على ما تقولون، ثم قال: اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يارب العالمين، وافسح له في قبره ونور له فيه ) )رواه مسلم.
أيها الأحبة: وهناك شفاعة خاصة لأبي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم في تخفيف العذاب عنه، والكفار كما نعلم لا شفاعة لهم، والأصل في حقهم قول الله تعالى: فما تنفعهم شفاعة الشافعين لكن لما كان لأبي طالب مواقف عظيمة مع الرسول صلى الله عليه وسلم ومساندته له في دعوته ومناصرته والذب عنه، وهي أعمال فاضلة. أُذن للرسول الشفاعة في عمه فقط، وهي شفاعة تخفيف لا شفاعة إخراج من النار. ففي البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وذكر عنده عمه فقال: (( لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه ) ). وعند مسلم من حديث ابن عباس: (( أهون أهل النار عذابًا أبو طالب وهو مُنتعل بنعلين يغلي منهما دماغه ) )فنسأل الله أن يرحمنا برحمته.
وهل تنتهي الشفاعات عند هذا؟ لا. كرم المولى ورحمته بخلقه أعظم من هذا فقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يشفع في أمته عدة مرات وفي كل مرة يرحم الله فيها طائفة من الناس قال صلى الله عليه وسلم: (( ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ ثُمَّ أَرْجِعُ فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ. فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ عَلَّمَنِيهَا رَبِّي ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ ثُمَّ أَرْجِعُ فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، قُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ. فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ عَلَّمَنِيهَا ثُمَّ أَشْفَعْ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ ثُمَّ أَرْجِعُ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنْ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنْ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ بُرَّةً ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مَا يَزِنُ مِنْ الْخَيْرِ ذَرَّةً ) ).
وهل تنتهي الشفاعات عند هذا؟ لا. وبعد هذه الشفاعات يقول الله جل جلاله: (( شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار فيخرج قومًا لم يعملوا خيرًا قط ) ).
فنسأل الله تعالى أن تنالنا شفاعة تنجينا من عذاب الله.
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه...
أقول هذا القول...
أما بعد:
أيها المسلمون: إن الله تعالى يشفع في ذلك اليوم وكذلك يشفع الأنبياء والرسل ويشفع الملائكة. وممن يشفع أيضًا يوم القيامة الشهداء الذين قد أراقوا دمائهم في سبيل الله هؤلاء يكرمون يوم القيامة بأن يسمح لهم بالشفاعة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( للشهيد ست خصال: يغفر له في أول دفعة، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار: الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه ) )رواه الترمذي وغيره.
وممن يشفع أيضًا الولدان كما قال صلى الله عليه وسلم: (( لا يموت لمسلم ثلاث من الولد فيلج النار إلا القَسَم ) )رواه البخاري.
وأيضًا سيشفع القرآن، هؤلاء الذين أقبلوا على القرآن هنا في الدنيا، هذا القرآن سيشفع لهم عند الله تعالى، والجزاء من جنس العمل، فقد ثبت أن سورتي البقرة وآل عمران يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، تحاجان عن صاحبهما. وقال صلى الله عليه وسلم: (( اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه ) ).
أيها المسلمون: احرصوا على ثلاث واحذروا من ثلاث، أما الثلاثة التي يحرص عليها فإنها مما توجب الشفاعة بإذن الله:
الأمر الأول: طلب الوسيلة للرسول صلى الله عليه وسلم والإكثار من الصلاة عليه: فعن عبدالله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلّوا عليّ فإنه من صلى عليّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة، لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة ) )رواه مسلم.
الأمر الثاني: قول لا إله إلا الله بإخلاص والموت عليها: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قلت يارسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: (( لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث. أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصًا من قبل نفسه ) ).
الأمر الثالث: الإكثار من السجود: فعن زياد بن أبي زياد مولى بني مخزوم عن خادم النبي صلى الله عليه وسلم قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم مما يقول للخادم: (( ألك حاجة؟ حتى كان ذات يوم قال: يارسول الله، حاجتي أن تشفع لي يوم القيامة، قال: فأعني بكثرة السجود ) )رواه أحمد وسنده صحيح.
وأما الثلاثة التي يحذر منها فلأنها تمنع من الشفاعة:
الأمر الأول: الشرك بالله: المشرك لا شفاعة له ان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. والكافر قد حرم من المغفرة، فالشفاعة من باب أولى. يقول الكفار في ذلك اليوم فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا ويقول عز وجل عنهم فما تنفعهم شفاعة الشفاعين حتى لو شفع أحد فيهم فلا تنفعهم شفاعة شافع مهما كان.
الأمر الثاني: كثرة تعمد اللعن: عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( ان اللعانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة ) )رواه مسلم.
الأمر الثالث: التكذيب بالشفاعة: عن أنس رضي الله عنه أنه قال: (من كذب بالشفاعة فلا نصيب له فيها) . والجزاء من جنس العمل.