فهرس الكتاب

الصفحة 720 من 5777

احفظ الله يحفظك

العلم والدعوة والجهاد

أحاديث مشروحة

محمد النمر

الطائف

الهويش

-أثر استشعار حفظ الرب لعبده في ضوء حديث ابن عباس - كيفية حفظ العبد ربَه( أوامر

الله ونواهيه وجوارح العبد )- كيفية حفظ الله عبده وصوره

وبعد:

فيا عباد الله: سعيد سعيد من يعيش في كنف الله وحفظه، فمن الذي يطوله بما يكره ما دام محفوظا بأمر الله تعالى، ولكن متى يبلغ الإنسان هذه المنزلة أن يكون في حفظ الله ورعايته، يدلنا نبينا على ذلك من خلال مخاطبته لابن عباس رضي الله عنهما فيقول: (( يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف ) ).

أي يقين تسكبه هذه الكلمات النبوية في القلب ليعيش المؤمن برد اليقين أنه في كنف الله وحفظه وأنه على عين الله وفي رعايته، ولن يصل العبد إلى هذا حتى يأتي بالشرط الذي بينه رسول الله إذ يقول: (( احفظ الله يحفظك ) )، فكيف يحفظ العبد الله؟ يحفظه بالوقوف عند أوامره بالامتثال وعند نواهيه بالاجتناب، وعند حدوده فلا يتجاوز ما أمر به وأذن فيه إلى ما نهى عنه، فمن فعل ذلك فهو من الحافظين لحدود الله الذين مدحهم في كتابه فقال عز وجل: هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب. وفسر أهل العلم الحفيظ هنا: بالحافظ لأوامر الله وبالحافظ لذنوبه ليتوب منها، ومن أعظم ما يجب حفظه من أوامر الله الصلاة، وقد أمر الله بالمحافظة عليها فقال: (( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ) )، ومدح المحافظين عليها بقوله والذين هم على صلاتهم يحافظون وقال عليه الصلاة والسلام: (( من حافظ عليها كان له عهد الله عند أن يدخله الجنة ) )وقال: (( من حافظ عليه كن له نورًا أو برهانا ونجاة يوم القيامة ) )، وكذلك الطهارة فإنها مفتاح الصلاة يقول عليهم الصلاة والسلام: (( لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن ) )، ومما أمر العبد بحفظه الأيمان فقال عز وجل واحفظوا أيمانكم فكم من حالف لا يحفظ ما يجب بيمينه.

ومما عهد على الإنسان أن يحفظه ما جاء في حديث ابن مسعود: (( الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى وتحفظ البطن وما حوى ) )، وحفظ الرأس وما وعى يدخل فيه حفظ السمع والبصر واللسان من المحرمات، وحفظ البطن وما حوى يتضمن حفظ القلب عن الإصرار على ما حرم الله، والله عز وجل يقول: إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا. ويتضمن مسؤول حفظ البطن أن لا يدخل الحرام إليه من المآكل والمشارب، ومن أعظم ما يجب حفظه من نواهي الله عز وجل: اللسان والفرج، فعن أبي هريرة أن رسول الله قال: (( من حفظ ما بين لحييه وما بين رجليه دخل الجنة ) ). وقد أمر عز وجل بحفظ الفروج ومدح الحافظين لها فقال: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم وقال: والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما. وقال تعالى: قد أفلح المؤمنين.. والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون فإذا التزم العبد بحفظ ما أمره الله عز وجل به يأتي الجزاء بأن يحفظه الله فالجزاء من جنس العمل، يحفظه الله في بدنه وولده وأهله وماله وهو القائل سبحانه: له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله. قال علي إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدر فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه. قال ابن عمر: لم يكن رسول الله يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح: (( اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي، واحفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي ) ).

ومن حفظ الله في صباه وقوته حفظه الله في حال كبره وضعف قوته، ومتعه بسمعه وبصره وحوله وقوته وعقله.

ولقد جاوز بعض العلماء المائة وهو ممتع بقوته وعقله فوثب يوما وثبة فعوتب في ذلك فقال: هذه جوارح حفظناها عن المعاصي في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر.

وقد يحفظ الله العبد بصلاحه بعد موته في ذريته كما قيل في قوله تعالى: وكان أبوهما صالحًا أنهما حفظا بصلاح أبيهما قال سعيد بن المسيب لابنه: لأزيدن في صلاتي من أجلك رجاء أن أحفظ فيك ثم تلا هذه الآية: وكان أبوهما صالحا.

قال ابن المنكدر:"إن الله ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده والدويرات التي حوله فما يزالون في حفظ من الله وستر".

فاللهم احفظنا في ديننا ودنيانا وأهلنا وأموالنا، اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا، واحفظنا من بين أيدينا وعن أيماننا وعن شمائلنا ومن فوقنا ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا.

واعلموا رحمكم الله أن من اتقى الله فقد حفظ نفسه، ومن ضيع تقواه فقد ضيع نفسه والله غني عنه، ومن عجيب حفظ الله لمن حفظه أن يجعل الحيوانات المؤذية بالطبع حافظة له من الأذى: هذا سفينة مولى رسول الله تكسر به المركب فيخرج إلى جزيرة فرأى الأسد فجعل يمشي معه حتى دله على الطريق، فلما أوقفه عليها جعل يهمهم كأنه يودعه ثم رجع عنه.

أما من ضيع الله ضيعه الله فضاع بين خلقه حتى يدخل عليه الضرر والأذى ممن كان يرجو نفعه من أهله وغيرهم كما قال بعض السلف: إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق خادمي ودابتي.

وحفظ الله الأكبر للعبد أن يحفظه في دينه وإيمانه، يحفظه في حياته من الشبهات المضلة ومن الشهوات المحرمة، ويحفظ عليه دينه عند موته فيتوفاه على الإيمان، قال رسول الله: (( إن قبضت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين ) )، وعلّم ابن عمر أن يقول: (( اللهم احفظني بالإسلام قائما، واحفظني بالإسلام قاعدا، واحفظني بالإسلام راقدا، ولا تطع في عدوا ولا حاسدا ) ).

وليكن المؤمن على يقين أن من حفظ الله فإن الله حافظه، قال ابن عباس في قوله تعالى: إن الله يحول بين المرء وقلبه ، قال: يحول بين المؤمن وبين المعصية التي تجره إلى النار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت