فهرس الكتاب

الصفحة 605 من 5777

دروس من سورة يوسف

العلم والدعوة والجهاد

القرآن والتفسير, قضايا دعوية

عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري

المدينة المنورة

قباء

دروس في أساليب الدعوة: 1- لغة الخطاب 2- رقة الأسلوب 3- التمهيد والتدرج 4- التدين عن علم وبصيرة 5- اجتناب الفظاظة والغلظة أهمية الأسلوب الصحيح في صحة الدعوة ( أمثلة )

أما بعد: فقال الله تعالى: وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين [يوسف:42] .

يوسف عليه السلام أدى أولًا واجب الدعوة مع صاحبيه في السجن ثم بعد ذلك قضى لهما حاجاتهما بأن فسر لكل واحد منهما الرؤيا التي رآها, فأما أحدهما فينجو من السجن والقتل وهو الذي رأى أنه يعصر خمرًا وأما الآخر فيقتل وهو الذي رأى فوق رأسه خبزًا تأكل الطير منه ولكن يوسف الصديق عليه السلام سعادته في استخدام الأساليب المهذبة الرفيعة الرقيقة لم يعين كل واحد منهما مباشرة شفقة منه علي الذي يقتل منهما فلجأ إلى أسلوب الإبهام أما أحدكما فيسقي ربه خمرًا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه [يوسف:41] . لم يقل أما أنت يا فلان فسوف تصلب وتقتل لما في ذلك من مجابهة عنيفة قاسية مع المخاطب لكنه لجأ إلى هذا الأسلوب الرقيق المهذب الرفيع, وهذا هو ما نتعلمه من منهج الأنبياء, هذا الأدب الرفيع في الخطاب, هذا الأسلوب الرقيق في الحوار ولا نمل من الإلحاح إلى التنبيه إليه لما نرى من شدة حاجة الناس إليه ولما نرى من حاجة كثير من الذين يشتغلون بالدعوة وحاجة كثير ممن يقومون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى مثل هذا الأدب النبوي الرفيع في الخطاب والحوار والتعامل مع الناس.

بعد أن فرغ يوسف عليه السلام من هذا كله قال لصاحبه الذي ظن أنه ناج من السجن والقتل وأنه ستكون له حظوة عند الملك, قال له سرًا دون أن يشعر الأخر اذكرني عند ربك, اذكر قصتي عند سيدك, ذكر الملك إذا صرت ذا حظوة عنده بمظلمتي وحاجتي في السجن لعله ينصفني من هذا الظلم, ولكن صاحب يوسف لم يكن وفيًا كما توقع يوسف عليه السلام, هذا الصاحب الذي انعقدت بينه وبين يوسف المودة والألفة والصحبة عندما كان في ظل محنة السجن, سرعان ما نسي صاحبه عندما خرج من السجن وعاد إلى كنف الحياة المترفة مرة أخرى ولكن لا يلام يوسف على هذا السعي في سبيل رفع الظلم عن كاهله فإن هذا السعي وإن كان لم يثمر على الفور لكن الثمرة منه تحققت وإن كانت جاءت متأخرة فإن ذلك الساقي صاحب يوسف في السجن تذكر يوسف لما سمع الملك يقص رؤيته التي رآها على حاشيته ويطلب منهم تفسيرها وفي صنيع يوسف هذا وهو قوله: اذكرني عند ربك درسان عظيمان لنا:-

الدرس الأول: إن فعل الأسباب لابد منه واتخاذ الوسائل المادية الكفيلة بتحقيق المطلوب لابد منه وهذا أمر لا ينافي التوكل علي الله تبارك وتعالى بل هو من صميم التوكل فليس من التوكل على الله أن يستسلم الإنسان إلى ما هو فيه من محنة أو غيرها لا يفعل شيئًا ينتظر الفرج بلا سعي أو أن تمطر السماء عليه ذهبًا بلا تعب, هذا لا يسمى توكلًا على الله, هذا يسمى فشلًا وعجزًا وكسلًا فانه بدون عمل وبدون فعل السبب لا يتحقق المطلوب حتى الإيمان وحده وإن كان قويًا صادقًا لا ينفع صاحبه إذا لم يقرنه بالعمل, فبالعمل تدرك مطلوبك الدنيوي والأخروي, هذا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أكرم الخلق وأفضلهم ومكانته عند الله تعالى لا تخفى ومع ذلك لم يتكل على ذلك ويترك فعل السبب ويترك العمل بل كان صلى الله عليه وسلم يجتهد في فعل السبب ويجهد نفسه بالعمل ونأخذ مثالًا على ذلك في غزوة الأحزاب لما سمع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الأعداء يحشدون جنودهم وهم قادمون لغزو المدينة النبوية لإبادة المسلمين فيها وعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم, لم يتكل على مكانته عند الله تبارك وتعالى ولا اكتفى بالجلوس في المسجد ولا الدعاء بل بادر صلى الله عليه وسلم إلى فعل السبب واتخاذ الاحتياطات اللازمة فحفر الخندق حول المدينة وتحصن في المدينة هو والمسلمون, أجهد نفسه صلى الله عليه وسلم وأجهد المسلمون أنفسهم معه في غزو الخندق واتخاذ تلك الوسائل مع أنه صلى الله عليه وسلم هو نفسه في ذاته الشريفة معصوم بعصمة الله تبارك وتعالى محمي بحماية الإلهية خاصة لا يستطيع أي مخلوق أن يصل إليه بسوء, كيف وقد أنزل الله تعالى عليه والله يعصمك من الناس [المائدة:67] . ولكن هذا درس للأمة لتعلم أن العمل وفعل السبب شرط لحصول المطلوب.

الدرس الثاني: من أعجب الدروس وأنفسها أول ما أنزل من القرآن على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نعلم جميعًا اقرأ باسم ربك [العلق:1] . اقرأ هذا أمر بفعل السبب أي افعل السبب الذي يوصلك للمطلوب وهو الهداية وهذا السبب هو العلم ولكن افعل هذا السبب مستعينًا بربك لا يدخل في روعك أنك تحصله بنفسك وبجهدك الذاتي أو بفعل السبب وحده فمهما اجتهدت ومهما فعلت السبب لا تحصل المطلوب إلا إذا أعانك ربك ووفقك, فقوله باسم ربك هذا أمر أخر بالتوكل على الله تعالى فهذان الأمران الإلهيان لا يفترقان: أمر بفعل السبب وأمر بالتوكل على الله.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد: فالدرس الثاني من دروس قوله: اذكرني عند ربك فهو أن التوسل من الأسباب التي يشرع الإنسان في فعلها لتحقيق المطلوب ونقصد بالتوسل هنا ما يسميه الناس اليوم بالواسطة أو بالشفاعة وهذا أمر يعرفه القاصي والداني ويحتاج إليه الناس لقضاء حوائجهم وتحقيق مقاصدهم ولكن لا يكون هذا التوسل مباحًا ولا مشروعًا إلا إذا كان لجلب حق أو دفع مظلمة, أما ما يفعله كثير من الناس اليوم من اتخاذ الواسطة والشفاعة وسيلة لأكل حقوق الآخرين وظلمهم والاعتداء عليهم أو وسيلة لتعطيل المصالح العامة والاعتداء عليها فإنه حرام على الشافع وعلى المشفوع له وعلى المشفوع عنده, كل أطراف هذه القضية يشتركون في إثمها, قال تعالى: من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها [النساء:85] . ولما شفع حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن حبه أسامة بن زيد شفع عند رسول الله للمرأة المخزومية التي سرقت فحكم بقطع يدها, شفع لها لكي لا تقطع يدها غضب عليه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبًا شديدًا ووبخه قائلًا: (( أتشفع في حد من حدود الله والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت رسول الله سرقت لقطعت يدها ) ) [1] . هذا معناه اعتدال الموازين وانضباط القوانين الشرعية بحيث يسري حكمها على كل أحد في المجتمع بلا تفريط ولا محاباة ولا خلل ولا تقصير, في مثل هذا المجتمع المثالي الذي كان يرعاه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وفي مثل المجتمع المثالي الذي كان يرعاه الخلفاء الراشدون الأربعة من بعده لا يحتاج إلى الواسطة إلا نادرًا, فإن هذه الظاهرة ظاهرة الواسطة إنما تتفشى في المجتمع وتشتد حاجة الناس إليها عندما تختل موازين العدالة فيه, عندما لا تسري الأحكام على كل أحد, عندما لا تكون هناك محاباة وتفريق وظلم وخلل وتقصير, فيوسف عليه السلام دخل السجن مظلومًا ولبث فيه مهملًا لا يسأل عنه أحد ولم يحدث له هذا إلا في مجتمع نخر فيه الفساد واستحكم فيه الظلم, يقول بعض الناس الذين يمكنهم أن ينفعوا الناس بالشفاعة لهم والتوسط لهم لدى من بيده الحل والعقد لقضاء حوائجهم المشروعة المباحة يمتنع عن ذلك ويتحجج بأنه لا يريد أن تتفشى هذه الظاهرة في المجتمع وهذا من قلة فقههم فإن هذا لا يقال إلا في مجتمع مثالي كالمجتمع الذي وصفناه حيث لا يكون هناك خلل ولا تقصير ولا ظلم ولا محاباة ولكننا اليوم لا نعيش في مثل هذا المجتمع المثالي, إننا لا نعيش في عهد كعهد العمرين أو أحدهما ولذلك لا يقال إن الناس لا يحتاجون إلى من يتوسط لهم ومن يشفع لهم بل ما أشد حاجتهم اليوم إلى الشفاعة الحسنة, ما أشد حاجتهم اليوم إلى اذكرني عند ربك.

أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هديه صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد الله علي الجماعة ومن شذ شذ في النار واعلموا أن الجماعة هي التمسك بالكتاب والسنة وبمنهج الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

يا بن آدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك ملاقيه وكن كما شئت فكما تدين تدان ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال عز من قائل: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما [الأحزاب:56] . وقال صلى الله عليه وسلم: (( من صلى علي واحدة صلى الله بها عليه عشرا ) ) [2] ، اللهم صلِّ وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبى بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين عثمان وأبي السبطين علي وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.

[1] البخاري: كتاب الأنبياء (3288) .

[2] صحيح مسلم (408) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت