فهرس الكتاب

الصفحة 603 من 5777

دروس من سورة يوسف

العلم والدعوة والجهاد

القرآن والتفسير, قضايا دعوية

عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري

المدينة المنورة

قباء

التوقيت المناسب للدعوة - صور من حكمة رسول الله صلى الله عليه وسلم - (إن الحكم إلا لله ) - الحكم نوعان - العلاقة بين الأفراد في الحكم والإفراد في العبادة

أما بعد: فقال الله تعالى: إن الحكم إلا لله أمر أن لا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون [يوسف:40] .

هذا الجزء من الآية يمثل مرحلة من مراحل الدعوة وأسلوبًا من أساليب الحوار إنها مرحلة الجهر بالدعوة والأسلوب المباشر في الحوار فبعد كل تلك التمهيدات وأساليب الدعوة غير المباشرة التي استخدمها يوسف عليه السلام فيما مضى جاء هنا فجهر بدعوته وطرح فكرته التي يدعو إليها بشكل مباشر, إذ ليس من معاني الحكمة دائمًا ولا من مقتضاها في كل وقت أن تخفي دعوتك ولا أن تغلف الفكرة التي تدعو إليها خلف الأقنعة وتلبسها شتى الألبسة فلابد في مرحلة ما أن تجهر بدعوتك وتبين الفكرة التي تدعو إليها بيانًا واضحًا وبشكل مباشر ولكن بشرط أن تكون المرحلة مناسبة والفرصة مواتية وأن تكون قد هيأت المخاطب لتلقي ذلك أو وجدته مهيئًا, هذا ما ترشدنا إليه هذه الآية وما قبلها من الآيات في فن الدعوة وأسلوب الحوار ولغة الخطاب, فليس من الآداب الشرعية في الدعوة أن تلقي كلمتك كيفما اتفق وفي أي وقت تشاء أو تلقي كلمتك في وجه المخاطب كأنها حجر تشج رأسه بها وتهشم أنفه, ليس هذا من أسلوب الدعوة النبوية, دعوة النبي صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء ولا من أسلوب دعوة أتباع الأنبياء, كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخول الناس بالموعظة [1] أي لا يلقي عليهم الموعظة إلا في الوقت المناسب حيث يراهم مهيئين لسماعها وكان صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينكر فعلًا فعله أحد من الناس أو قولًا قاله أحد من الناس يعرض ويلمح ولا يصرح, يقول ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا.

ولكن ما هي تلك الحقيقة التي جهر بها يوسف عليه السلام وأراد بكل تلك المقدمات أن يصل إليها إن الحكم إلا لله أمر أن لا تعبدوا إلا إياه هذا هو ما دعا إليه يوسف عليه السلام, الحكم لله وحده وهذا هو نفسه ما جاء به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بل هو نفسه ما جاء به الأنبياء والمرسلون جميعًا وهذا هو نفسه هو معنى كلمة الإخلاص لا إله إلا الله, يقول تعالى: ألا له الخلق والأمر [الأعراف:54] . فمن كان الخلق له كله وجب أن يكون الأمر له وحده, من كان هو الذي خلق الخلق وحده وهو الذي يدبر الخلق وحده لا يشاركه أحد في ذلك وجب أن يكون الأمر له وحده لا يشاركه أحد في ذلك, فالحكم كله لله تعالى والحكم نوعان حكم شرعي وحكم فعلي, أما الحكم الشرعي فهو أوامر الله تعالى ونواهيه التي جاء بها الوحي لبيان العبادة وبيان العقيدة ولتنظيم أحوال الناس فهذا الحكم الذي هو بمعنى التشريع هو لله وحده لا يحق لأحد سوى الله كائنًا من كان أن يشرع للناس في أمر الدين شيئًا أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله [الشورى:21] .

وأما النوع الثاني من الحكم فهو الحكم الفعلي بمعنى القضاء والفصل والنفوذ فالرب سبحانه وتعالى يحكم بين عباده تارة في الدنيا وتارة في الآخرة, قال تعالى: واتبع ما يوحي إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين [يونس:109] . هذا هو الحكم في الدنيا بين المسلمين وبين غير المسلمين فينصر منهم من كان أقرب للعدل وإصلاح الأرض, وقال سبحانه وتعالى: وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون [البقرة:113] . هذا حكم الله بين عباده يوم القيامة في الآخرة يحكم بين اليهود والنصارى ويحكم بين الخلق أجمعين وهذا النوع من الحكم الذي هو الحكم الفعلي ينبه إلى حقيقة هامة هي سر كل شيء وهي أن من كان الحكم له وجب أن تكون العبادة له, من كان الحكم له وحده وجب أن تكون العبادة له وحده كما قال سبحانه ألا له الخلق والأمر فمادام هو الذي خلق وحده لم يشاركه أحد في ذلك ومادام هو الذي يدبر الخلق وحده لا يشاركه أحد في ذلك يجب أن يكون الأمر كله له وحده لا يشاركه أحد في ذلك, والأمر معناه الخضوع له والطاعة فيما أمر سبحانه وتعالى وهو أمر بأن تكون له العبادة له هذه الحقيقة هي سر التوحيد وهي جوهر الدين الذي جاء به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وإخوانه الأنبياء والمرسلون جميعًا وهي حقيقة ما دعا إليه يوسف عليه السلام ولذلك بعد أن قال إن الحكم إلا لله, عقب علي ذلك بقوله: أمر أن لا تعبدوا إلا إياه ثم وصف هذه الحقيقة بأنها هي الدين ذلك الدين القيم أي المستقيم الذي لا عوج فيه ولا نقص ولا خلل ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

[1] البخاري كتاب العلم (68) .

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد فعن أبي هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله وكالقائم لا يفتر وكالصائم لا يفطر ) ) [1] متفق عليه. وصدق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم , نحن الآن نعيش في حياة مادية جافة جامدة لا رحمة فيها ولا تعاطف ولا شفقة, حياة ينقلب فيها غالب الناس إلى تجار يعبدون الدرهم والدينار وهذه حياة أجنبية عنا وافدة علينا صدّرها إلينا القردة والخنازير فهم في بلادهم إذا كبر الإنسان وضعف وعجز لا يجد من يعطف عليه ويساعده حتى أبناؤه ينفضون من حوله لا مأوى ولا مكان للضعيف والعاجز والأرملة والمسكين عند القردة والخنازير إلا الملجأ وهذا الملجأ هو سجن المادية للإنسان الضعيف والسجن الذي تعده الحياة المادية للإنسان الضعيف, فالإنسان إذا ضعف لا يحتاج إلي أربعة جدران فحسب يقبع بينها وهذا الملجأ هو عنوان صارخ على الوحشية وحشية الإنسان الغربي الذي أصبح مجردًا من الشفقة والعواطف فسنحاول بإذن الله تعالى في كل خطبة أن نذكر طرفًا من الآداب الشرعية في مجال العلاقات الإنسانية والعلاقات الاجتماعية حتى نقارن بذلك بين حياتنا كما يريدها الإنسان وبين الحياة المادية كما هي حياة القردة والخنازير وحتى نحذر المسلم من الوقوع في حبائل الحياة المادية التي لا رحمة فيها ولا تعاطف ولا شفقة, في هذا الحديث الذي يرويه أبو هريرة رضى الله عنه جعل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقام الساعي على خدمة الأرملة والقيام بحاجة المسكين ونحو ذلك بمرتبة المجاهد في سبيل الله بل بمرحلة العابد الذي لا ينقطع عن العبادة يقوم الليل دائمًا ولا يفتر ويصوم النهار دائمًا ولا يفطر وهذا ينبه المسلم إلى أن ديننا كما يأمرنا بعبادة الله تبارك وتعالى فإنه يأمرنا بمساعدة الناس وفعل الخير لهم والقيام بحاجاتهم ومتطلباتهم وخاصة المحتاجين منهم فهذا بمرتبة ذلك, هذا بمرتبة عبادة الله تعالى فاتقوا الله يا مسلمون وانتبهوا إلى المحتاجين والضعفاء والأرامل والمساكين واليتامى, لا يكن في مجتمعكم أحد منهم لا يدري عنه أحد ولا يسأل عنه أحد فيكون مجتمعنا بذلك والعياذ بالله شر مجتمع, فعن أبي هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه ) ) [2] .

أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هديه صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد الله علي الجماعة ومن شذ شذ في النار واعلموا أن الجماعة هي التمسك بالكتاب والسنة وبمنهج الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

يا ابن آدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك ملاقيه وكن كما شئت فكما تدين تدان ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال عز من قائل: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما [الأحزاب:56] . وقال صلى الله عليه وسلم: (( من صلى علي واحدة صلى الله بها عليه عشرا ) ) [3] اللهم صل وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبى بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين عثمان وأبي السبطين علي وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.

[1] البخاري كتاب النفقات (5038) .

[2] ابن ماجة: أبواب الأداب (3679) . وضعفه الألباني في ضعيف ابن ماجة ص297.

[3] صحيح مسلم (408) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت