فهرس الكتاب

الصفحة 600 من 5777

دروس من سورة يوسف

العلم والدعوة والجهاد

القرآن والتفسير, قضايا دعوية

عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري

المدينة المنورة

قباء

حكمة يوسف في الدعوة - ذم التقليد وخطره - المترفون والتقليد - مقامان أكد فيهما القرآن على الحجة والبرهان

أما بعد: فقد قال الله تعالى حكاية عن نبيه يوسف الصديق عليه السلام: ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر أن لا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون [يوسف:40] .

في الآيات السابقة علي هذه الآية بينا كيف أن يوسف عليه السلام في محاورته مع صاحبيه استخدم أسلوبًا في الدعوة غير مباشر تجلى فيه الأدب الرفيع في الخطاب الذي أبرز ملامحه احترام شخصية المخاطب والانتباه لنفسيته وتجنب مصادمته ببيان قبح حاله, وهنا يستمر عليه السلام بنفس الأسلوب فهو لا يخاطبهما مباشرة ولكنه يستخدم ضمير الجمع ما تعبدون من دونه فيحقق بذلك هدفين:

أولهما: بيان حال المجتمع كله.

ثانيهما: تجنب الاصطدام المباشر بالمخاطب.

فيوسف عليه السلام في محاورته مع صاحبيه عندما يريد أن يبين سوء حالهما وفساد اعتقادهما كان يلجأ إلى التعميم كما نرى هنا فهو يستخدم ضمير الجمع كما قلنا ليتجنب الاصطدام المباشر بالمخاطب لما قد يترتب على ذلك من تنفيره ففي هذا المقطع من الآية نلحظ شيئًا جديدًا: ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان , نلحظ في هذا الجزء من الآية شيئًا جديدًا أنه عليه السلام ينعى عليهم التقليد والجمود على المورثات الباطلة التي لا تستند إلى برهان بل هي مجرد أعراف وتقاليد يجري فيها أفراد المجتمع على المحاكاة فبعضهم يحاكي فيها بعضًا وهكذا تجد وفي كل زمان أولئك الإمعات الذين يبررون مواقفهم وأفعالهم بقولهم: الناس كلهم يفعلون ذلك ويقلدون فيه أسلافهم من الأباء والأجداد ولذلك فإنك إذا دعوت الضالين المنحرفين منهم إلى الحق تمسكوا بما هم عليه وعاندوا الحق ويبررون موقفهم هذا بأن هذا ما وجدوا عليه آباءهم وأجدادهم كابرًا عن كابر أفتريد أنت الآن أن تغير ما مضى عليه جيل بعد جيل, وهكذا يخسر الضالون أنفسهم ويعاندون الحق ويرفضون الانقياد له بسبب التقليد الأعمى الذي يعطل الإنسان به ما وهبه الله من قوة عقلية وقدرة على التفكير وإدراك الأشياء, فإن الله تبارك وتعالى أودع في الإنسان قوة عقلية وقدرة على التفكير ليستخدم ذلك في إدراك الحق ومعرفته ومن ثم في اتباعه والانقياد له.

وأمر العقائد بالذات لا ينفع فيه التقليد والمحاكاة بل ما أضر الناس شيء في عقائدهم مثل التقليد الأعمى والجمود على المورثات فإن هذا ما منع الناس دائمًا من اتباع الرسل ومن الاستجابة لأتباع الرسل ويتولى كل ذلك دائمًا المترفون فإنهم يحثون دائمًا على التقليد والجمود علي الأوضاع والمورثات حماية لمصالحهم وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون [الزخرف:23] .

الدين يأمر الإنسان باستعمال عقله وينعى على الناس تعطيلهم لعقولهم واتباعهم لمن يعطل عقله, قال تعالى: وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون [البقرة:170] .

الدين يأمر الناس بأن يبنوا عقائدهم على الحجة والبرهان والعلم والبصيرة بما أنزل الله, الدين يأمر الناس بأن يعبدوا الله وحده ولكن عليه بأن يعبدوه على علم وعلى بصيرة, فإن التقليد في أمر العقائد لا ينفع أبدًا بل يضر الناس وهو الذي منع الناس دائمًا من اتباع الرسل ومن اتباع الحق ولذلك جرى في القرآن التنبيه بالبرهان في مقامين:

أولهما: عند بيان فساد اعتقاد أهل الكفر وأنه ليس مبنيًا على برهان فكم من موضع قال فيه تبارك وتعالى لأهل الكفر: قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين [البقرة:111] . وتأملوا هذه الآية قال سبحانه وتعالى: ومن يدعُ مع الله إلهًا آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه [المؤمنون:117] . يستحيل أن يكون هناك برهان على إله آخر مع الله فالشرك ليس عليه برهان فلماذا قيد بهذا الوصف واستخدم هذا الأسلوب لتنبيه الناس على أن أمر العقائد يجب أن يبنى على الحجة والبرهان وعلى العلم والبصيرة بما أنزل الله أما التقليد والمحاكاة فلا ينفع في ذلك.

ثانيهما: الذي جرى تنويه القرآن فيه بالبرهان عند بيان ما جاء به هذا الدين فإن هذا الدين جاء بالبرهان الواضح, هذا الدين لم يأتِ بمجموعة من الأسرار ومن الطلاسم ولا بالعقائد غير المفهومة لكنه جاء بالعقيدة الواضحة والشريعة السمحة ولذلك وصف القرآن الدين نفسه بأنه برهان وبأنه نور, قال تعالى: يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورًا مبينًا [النساء:174] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلي آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد: فعن ابن عباس رضى الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء ) ) [1] متفق عليه.

لماذا يكون الفقراء أكثر أهل الجنة كما أخبر بذلك الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم:

أولًا: لأنهم مقلون متخففون من هذه الدنيا ليسوا كمن يقدم يوم القيامة وقد حمل كاهله أثقالًا جسامًا وذنوبًا وأوزارًا كبارًا, أما الفقراء فمتخففون ولذلك فهم أحرى بالنجاة, أما كثرة المال وقوة الجاه والسلطان فإنها في الغالب إلا ما رحم الله تكون سببًا لغفلة الإنسان وطغيانه وبذلك تؤدي به إلي الهلكة, روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي أسماء أنه دخل علي أبي ذر الغفاري رضى الله عنه وهو بالربذة وعنده امرأة سوداء ليس عليها أثر للمحاسن ولا للخلوق أي للطيب, فقال أبو ذر رضي الله عنه ألا ترون إلى ما تأمرني به هذه السويداء: تأمرني أن آتي العراق فإذا أتيت العراق مالوا علي بدنياهم وإن خليلي صلى الله عليه وسلم عهد إلي أن دون جسر جهنم طريقًا ذا دحض ومزلة وإنا أن نأتي عليه وأحمالنا فيها اقتدار, أحرى أن ننجو من أن نأتي عليه ونحن بأوقار ثقال [2] .

يريد رضي الله عنه أننا نجيء يوم القيامة متخففين من مسؤوليات الدنيا وأعبائها وبالتالي متخففين من ذنوبها وأوزارها ذلك أقرب للنجاة من أن نأتي بأوزار وأثقال.

ثانيًا: الفقراء في الغالب أقرب إلى التواضع وإلى رقة القلب وقبول الحق بخلاف أولئك, بخلاف غليظي الأعناق متجبري القلوب الذين أفسدهم الترف وأفسدتهم المادية الطاغية, انظر إليهم في مكاتبهم الوفيرة كأنهم فراعنة وفي بيوتهم الفاخرة كأنهم أباطرة قد نسوا الله وغفلوا عنه وغلظت قلوبهم عن الحق لا يعيشون مع الناس ولا الناس معهم ولا يحبون الفقراء ولا المساكين ولا يلتفتون إلى المحتاجين, سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أكرم الخلق ومع ذلك كان يخالط الناس ويعيش معهم وبينهم ويجالس الفقراء والمساكين ويزورهم في بيوتهم ويحبهم, وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: (( اللهم أحيني مسكينًا وأمتني مسكينًا واحشرني في زمرة المساكين ) ) [3] ، والمسكنة هنا ليس معناها العجز والفشل والكسل والتواكل وإنما المراد بها التواضع لله تبارك وتعالى ولين الجانب ورقة القلب مع المؤمنين وخاصة مع الفقراء منهم.

أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هديه صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد الله علي الجماعة ومن شذ شذ في النار واعلموا أن الجماعة هي التمسك بالكتاب والسنة وبمنهج الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

يا ابن آدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك ملاقيه وكن كما شئت فكما تدين تدان ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال عز من قائل: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما [الأحزاب:56] . وقال صلى الله عليه وسلم: (( من صلى علي واحدة صلى الله بها عليه عشرا ) ) [4] ، اللهم صلى وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين عثمان وأبى السبطين على وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.

[1] البخاري كتاب بدء الخلق (3069) .

[2] أحمد (5/159) .

[3] الحاكم (4/322) .

[4] صحيح مسلم (408) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت