التوحيد
الشرك ووسائله
عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري
المدينة المنورة
قباء
خطر الشرك - غضب الرسول من أي مظاهر الشرك ( أمثلة ) - لا تأمن الشرك الشرك قد يخالط الإيمان - مراتب الدين ثلاثة
أما بعد:
فما زلنا في بيان قوله تعالى حكاية عن نبيه يوسف عليه السلام: ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء.
فهذا الأسلوب العربي المبين أفاد العموم فدخل في النفي سائر أنواع الشرك والمعنى: ما يحق لنا أن نشرك بالله أي نوع من أنواع الشرك ولأهمية هذا الذنب العظيم وخطورة شأنه ألا وهو الشرك بالله كان لا بد لنا أن نبينه بالتفصيل ولو طال بنا الحديث واستغرق جمعا متعددة فقد لبث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاثة عشرة سنة وجل اهتمامه وشغله تثبيت عقيدة التوحيد في نفوس أصحابه ونهي الناس عن الشرك حتى بعد هجرته إلى هذه المدينة الطيبة فقد كان حريصا صلى الله عليه وسلم بعد هجرته إلى هذه المدينة الطيبة وبعد نزول الأحكام كان حريصا أيضا صلى الله عليه وسلم على التحذير من الشرك كان حريصا صلى الله عليه وسلم على نقاء عقيدة التوحيد في نفوس أصحابه ولذلك كان من أشد ما يغضبه صلى الله عليه وسلم أن يرى أي انتهاك لعقيدة التوحيد بالوقوع في مظهر من مظاهر الشرك: (( رأى رجلا وفي يده حلقة من صفر فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ويحك ما هذه؟ قال الرجل: من الواهنة فقال صلى الله عليه وسلم: أما إنها لا تزيدك إلا وهنا فانبذها عنك فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا ) ) [1] .
انظر أيها المسلم كيف غضب النبي صلى الله عليه وسلم من صنيع هذا الرجل وحكم عليه بعدم الفلاح فيما لو مات ولقي ربه وهو على هذه الحال وما ذاك منه صلى الله عليه وسلم إلا لشدة حرصه وعظيم عنايته على تنقية القلوب من سائر علائق الشرك وعلى تصفية العقائد من مظاهره من جميع مظاهره وهذا الحرص النبوي منطلق من تحذير الله تبارك وتعالى لعباده من تحذيره سبحانه وتعالى لعباده من الوقوع في الشرك فقد حكم سبحانه وتعالى على من وقع في هذا الذنب العظيم ولقيه على ذلك حكم عليه بسد باب المغفرة والرحمة أمامه وتحريم الجنة عليه قال تعالى: إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار [المائدة:72] . وقال سبحانه وتعالى: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء [النساء:116] . وقال سبحانه لنبيه ومصطفاه والمعني والمقصود أمته: لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن في الآخرة من الخاسرين [الزمر:65] . وقد وصف الله تعالى الشرك بأنه ظلم عظيم فقال جل من قائل حكاية عن عبده ووليه لقمان: يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم [لقمان:13] . ووصف نبيه ومصطفاه محمد صلى الله عليه وسلم الشرك بأنه (أكبر الكبائر) [2] ولذا فإنه لا ينبغي للمؤمن أن يأمن على نفسه حتى يسلم من سائر أنواع الشرك فيكون إيمانه حينئذ له أمنا ووقاية من عذاب الله قال سبحانه: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم [الأنعام:82] - أي لم يخلطوا إيمانهم بظلم - أولئك لهم الأمن وهم مهتدون [الأنعام:82] . وقد فسر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظلم هنا في هذه الآية بأنه الشرك ولذلك فالمؤمن إذن لا ينبغي أن يأمن على نفسه ويغتر بإيمانه حتى يسلم من سائر أنواع الشرك حينئذ له الأمن وله الهداية اللذان يقيانه من عذاب الله يوم القيامة.
وقد يقول قائل ولم تكلم قوما مؤمنين موحدين من أهل لا إله إلا الله لما تخاطبه في حديث الشرك لما تحدثهم في موضوع الشرك أيمكن أن يقع المؤمن في الشرك؟ أيمكن أن يجتمع الإيمان والشرك؟ فنقول: نعم إن الشرك قد يخالط الإيمان فيكدره ويضعفه ولا يبطله وفي بعض الأحيان يبطله وينقضه ولهذا قال تعالى: وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون [يوسف:106] . قال عروة رحمه الله دخل حذيفة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل مريض فرأى في عضده سيرا فقطعه (خيطا فقطعه) أو انتزعه ثم قال حذيفة: وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ، ولهذا قد يطلب من المؤمن أن يبايع الله تعالى على عدم الشرك ومعنى ذلك على أن يثبت على التوحيد ويبتعد عن شوائب الشرك قال سبحانه وتعالى: يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على ألا يشركن بالله شيئا [الممتحنة:12] . فوصفهن بوصف الإيمان قبل المبايعة وما ذاك إلا لأن مبايعة المؤمن على ترك الشرك تزيد إيمانه نقاء وتوحيده صفاء ومثل هذه الآية في هذا المعنى ما رواه البخاري ومسلم عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وحوله عصابة من أصحابه: (( بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا ) ) [3] ، ها هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاطب بعض أصحابه بهذا الخطاب يطلب منهم أن يبايعوه على ألا يشركوا بالله شيئا مع ما نعلم من أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم أكمل هذه الأمة بعد نبيها إيمانا وأنقاهم توحيدا وأصفاهم عقيدة ومع ذلك طلب منهم النبي المصطفى أن يبايعوه على ألا يشركوا بالله شيئا وهم في حاله الإيمان ومعنى ذلك يبايعونه على أن يثبتوا على التوحيد ويحذروا من الوقوع في الشرك ولذلك علينا جميعا أن نعلم أن أمر هذا الدين يمكن تصويره بثلاث دوائر الدائرة الأولى وهي دائرة صغيرة في قلب هذه الدوائر وهي دائرة الإحسان ثم تليها من بعدها دائرة واسعة كبيرة هي دائرة الإيمان ثم تليها من بعدها دائرة أوسع منها وأكبر هي دائرة الملة دائرة الإسلام فأما الدائرة الأولى وهي دائرة الإحسان فهي أعلى مقام في هذا الدين ولهذا لا يبلغها أي مؤمن حتى يحقق مرتبة المشاهدة والمراقبة الدائمة فأما إذا غفل عن ربه وأخل بهذه المرتبة مرتبة المراقبة الدائمة التي هي بمثابة المعاينة انتقل من دائرة الإحسان إلى المرتبة التي تليها وهي دائرة الإيمان وهذه المرتبة الثانية دائرة الإيمان أهلها من خواص المسلمين الذين استكملوا خصال البر وسلموا من الوقوع في الشرك كله بسائر أنواعه أصغره وأكبره وسلموا من كبائر الذنوب وسلموا من البدع ألم تسمع قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ) ) [4] ، فهذا هو المقصود أنه إذا وقع في كبيرة من كبائر الذنوب يخرج من هذه الدائرة دائرة الإيمان دائرة خواص المسلمين الذين استكملوا خصال البر وينتقل منها إلى الدائرة التي تليها ألا وهي دائرة الإسلام لأنه لا يزال من أهل الملة من أهل القبلة من أهل لا إله إلا الله لا يزال أصل الإيمان في قلبه صحيحا سليما وهو الإيمان بالأركان الستة لا يزال قائما بشهادة الإسلام وعباداته الطاهرة هذه الدائرة الثالثة هي دائرة الإسلام ودائرة الملة هي واسعة كبيرة تتسع حتى للعصاة من هذه الأمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم حتى لأهل الكبائر تتسع حتى للمبتدعة ممن لم يقع في بدعة مكفرة تتسع حتى لمن وقع في الشرك الأصغر لا يخرج من هذه الدائرة دائرة الملة دائرة الإسلام التي هي آخر حدود الإسلام إلا من تورط في شيء من الشرك الأكبر أو وقع في شيء من البدع المكفرة المخرجة من الملة أو استحل شيئا من كبائر الذنوب أو وقع في غير ذلك من المكفرات الكبرى التي تخرج الإنسان من دائرة الملة هذا ما يأتي بيانه وتفصيله في الجمع الآتية إن شاء الله تعالى.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
[1] أحمد (4/445) .
[2] البخاري (2654) ، مسلم (87) .
[3] البخاري: كتاب الإيمان (18) ، ومسلم: كتاب الحدود (1709) .
[4] البخاري: كتاب المظالم (2343) .
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
فيا أيها الناس اتقوا الله واعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأطيعوه ولا تعصوه فإن من أطاعه سبحانه وتعالى نجا وسلم ومن عصاه فقد هوى وهلك واعلموا أن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار واعلموا أن الجماعة هي التمسك بالكتاب والسنة وبمنهج الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.
يا ابن آدم أحبب من شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك ملاقيه وكن كما شئت فكما تدين تدان ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال جل من قائل: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما [الأحزاب:56] . وقال صلى الله عليه وسلم: (( من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشرا ) ) [1] اللهم صل وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة أبى بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين عثمان وأبي السبطين علي وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.
[1] صحيح مسلم (408) .