فهرس الكتاب

الصفحة 580 من 5777

دروس من سورة يوسف عليه السلام

العلم والدعوة والجهاد, سيرة وتاريخ

القرآن والتفسير, القصص

عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري

المدينة المنورة

قباء

الفَتَيان اللذان دخلا السجن مع يوسف عليه السلام وحالهما ؛ وحال قومهما - رحلة إبراهيم

الخليل عليه السلام وإنجاء الله له من النار , وإنجاء أهله من جبّار مصر - دعوة الأنبياء واحدة

وهي التوحيد - موقف اليهود من موسى وأنبيائهم وخيانتهم وغدرهم - التأكيد على الإيمان

باليوم الآخر وأهميته - بعض الطوائف المنحرفة التي تزعم الإسلام , وهي لا تؤمن باليوم الآخر

أما بعد:

فقال الله تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام: قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلي الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون [يوسف:37-38] .

يقول يوسف عليه السلام لرفيقيه في السجن إني أعرضت عن تلك الملة الوثنية لم أقتنع بها فلم أعتنقها أصلًا, والملة التي يشير إليها ملة وثنية قوم لا يؤمنون بالله كما يجب أشركوا معه آلهه أخرى وكانوا لا يعتقدون باليوم الآخر بيوم الدين ولا يؤمنون بالجزاء والبعث والحساب بعد الموت.

أولئك الوثنيون الذين عاصرهم إبراهيم الخليل أبو الأنبياء وإسحاق ويعقوب ويوسف عليهم السلام أجمعين, أولئك الوثنيون المقصودون هم سكان العراق وسوريا ولبنان وفلسطين ومصر في ذلك الوقت وكانوا وثنيين وهم القينيون والحيثيون والفرزيون والآراميون والكنعانيون واليبوسيون وهؤلاء هم سكان سوريا ولبنان وفلسطين في ذلك الوقت, والكلدانيون وهم سكان العراق والقبط وهم سكان مصر في ذلك الوقت, انحرفوا عن ملة التوحيد ووقعوا في الشرك والوثنية فأرسل الله إليهم خليله إبراهيم أبا الأنبياء فدعا الكلدانيين سكان العراق إلي ملة التوحيد فكفروا وجحدوا وعزموا على إحراق إبراهيم الخليل وإلقائه في النار فنجاه الله منها بمعجزة باهرة ثم هاجر إبراهيم الخليل عليه السلام إلى فلسطين ومعه نبي الله لوط ما آمن معه إلا هو.

ورحل إبراهيم من فلسطين إلى مصر بأهله ليدعو أهلها إلي التوحيد فبدلًا من أن يستجيبوا إلى الملة الحنيفية أراد جبار مصر في ذلك الوقت السوء بأهل إبراهيم الخليل بزوجه سارة وكانت أجمل أهل زمانها وأحسنهم , فرد الله كيده وحمى عرض خليله ونبيه كلما مد الجبار يده إلي سارة زوج إبراهيم يبست يده وشلت فخاف منها الجبار وردها إلي زوجها معززة مكرمة بل وأخدمها هاجر, أهدى إليها جارية مصرية هي هاجر فلما رجعت سارة إلي إبراهيم الخليل وهو في أشد القلق قال لها: مهيم. قالت: رد الله كيد الفاجر وأخدم هاجر.

ثم وهبت سارة تلك الجارية المصرية إلي زوجها إبراهيم الخليل عليه السلام لعله يرزق الولد فقد كانت سارة عاقرًا لا تلد, فولدت هاجر لإبراهيم إسماعيل فغارت سارة منها فأمر الله خليله إبراهيم بأن يأخذ هاجر وابنها الرضيع إسماعيل ويرحل بهما إلى جزيرة العرب حيث وضعهما في تلك البقعة المباركة بواد غير ذي زرع عند بيته المحرم المعظم بأمر من ربه عز وجل, ولكن بعد ذلك قدر الله وشاء فولدت سارة لإبراهيم إسحاق, وإسحاق هو أبو يعقوب, ويعقوب هو جد بني إسرائيل, فيعقوب هو نفسه إسرائيل. [1]

وهؤلاء الأنبياء جميعًا إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب, وإسماعيل الذي هو جد سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم وجد العرب, هؤلاء الأنبياء جميعًا رسالتهم واحدة وهي الدعوة إلي ملة التوحيد التي هي الإسلام, ولكن بني إسرائيل انحرفوا عن هذه الملة ووقعوا في الوثنية والشرك بل صار هذا حالهم دائمًا ولذلك كثرت فيهم الأنبياء حتى يدعونهم إلى ملة التوحيد كلما انحرفوا عنها.

ثم جاء نبي الله موسى الكليم عليه السلام ولقي عنتًا ومشقة وتعبًا شديدًا في دعوة بني إسرائيل إلى التوحيد وتعليمهم عقيدة التوحيد, بل إنهم ونبي الله موسى عليه السلام وأخوه نبي الله هارون بين ظهرانيهم عبدوا العجل واتخذوه إلهًا فغضب عليهم نبي الله موسى ويأس منهم فدعا عليهم قائلًا: رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين [المائدة:25] . فحكم الله علي بني إسرائيل بالذلة والمسكنة إلي يوم القيامة إلا بحبل من الله وبحبل من الناس.

اليهود اليوم يزعمون الانتماء إلي إبراهيم وإلي إسحاق ويعقوب الذي هو إسرائيل وينسبون دينهم المحرف المبدل إلي موسى وكل هذا كذب وزور وبهتان, فهؤلاء الأنبياء حاشا أن تكون هذه ملتهم ما كان إبراهيم يهوديًا ولا نصرانيًا ولكن كان حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين [آل عمران:67] . هؤلاء الأنبياء جميعًا وغيرهم من أنبياء الله ورسله دينهم واحد وملتهم واحدة وهي الإسلام, والإسلام هي الكلمة التي جعلها إبراهيم باقية في عقبه ووصى بنيه بها وكذلك يعقوب أو إسرائيل ملته الإسلام ووصى بنيه بها ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بنيّ إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون [البقرة:132] .

ولكن بني إسرائيل كعادتهم ودأبهم دائمًا خانوا وغيروا وبدلوا, حرفوا وصية أبي الأنبياء إبراهيم وحرفوا وصية يعقوب الذي هو إسرائيل والذي ينتمون إليه اليوم زورًا وبهتانًا وقد كانت وصيتهم بالإسلام واتباع نبي آخر الزمان النبي الخاتم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم, بشرت به الأنبياء والمرسلون, بشر به موسى وعيسى ويجدون أوصافه مكتوبة بالتوراة والإنجيل, فأحبارهم وعلماؤهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ولكنهم خانوا الوصية وحرفوها وبدلوها, خانوا العهد وغدروا وكيف لا يخونون هذه الوصية وهم قد خانوا أنبياءهم وخانوا أنفسهم وكتبهم المنزلة علي أنبيائهم, حرفوا وغيروا التوراة والإنجيل وشروها بثمن بخس.

إن اليهود عاندوا ربهم وعصوه حتى لعنهم وغضب عليهم وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانًا وأضل عن سواء السبيل فأي حق بقي لهم بعد ذلك كله, لا حق لهم أبدًا مما يزعمون, ليس لهم أي حق تاريخي ولا أي حق ديني بعد أن خانوا وغدروا وكفروا بالإسلام ملة إبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى وعيسى, بعد أن قتلوا الأنبياء والمرسلين لا حق لهم أبدًا, أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وقالوا كونوا هودًا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين [البقرة:135] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

[1] انظر البداية والنهاية (1/141) وأصل القصة في البخاري كتاب الأنبياء (3179) .

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلي آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد: عقيدة اليوم الآخر التي أشار إليها يوسف الصديق عليه السلام والتي هي أحد الأركان الستة للإيمان التي لا يكون الإنسان مسلمًا إلا بها هي عقيدة إبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل وموسى وعيسى وعقيدة سائر الأنبياء والمرسلين, وقد جاء بها إمامهم وخاتمهم سيد الخلق أجمعين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فهذه آيات القرآن العظيم حافلة بالدعوة إلي الإيمان باليوم الآخر وأن الله يبعث من في القبور وينصب الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئًا وسيجتاز الخلق الصراط وسيكون هناك الحساب ثم يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار, وهذه العقيدة بقيت منها بقايا في دين اليهود المحرف اليوم وفي دين النصارى إلا طوائف قليلة من اليهود لا يؤمنون باليوم الآخر ولا بالملائكة ومثلهم طوائف من المسلمين يدعون الإسلام ولكنهم مع ذلك يكفرون باليوم الآخر, لا يؤمنون بالبعث بعد الموت ولا بالجزاء والحساب ولا بالجنة والنار وهم طائفة من الروافض تسمى الخطابية وطائفة تسمى الإسماعيلية وطائفة تسمى البهرة والبهائية والنصيريون والدروز هؤلاء جميعًا لا يؤمنون باليوم الآخر, فيا ترى ما الفرق بينهم وبين أسلافهم الذين قالوا: أإذا كنا عظامًا ورفاتًا أإنا لمبعوثون خلقًا جديدًا قل كونوا حجارة أو حديدًا أو خلقًا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغصون رؤوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبًا [الإسراء:49] .

أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدى هديه صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار واعلموا أن الجماعة هي التمسك بالكتاب والسنة وبمنهج الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

يا ابن آدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك ملاقيه وكن كما شئت فكما تدين تدان ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال عز من قائل: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما [الأحزاب:56] . وقال صلى الله عليه وسلم: (( من صلى علي واحدة صلى الله بها عليه عشرا ) ) [1] ، اللهم صل وبارك على محمد وعلىآل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وارضَ اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبى بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين عثمان وأبى السبطين علي وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.

[1] صحيح مسلم (408) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت