فهرس الكتاب

الصفحة 5593 من 5777

الشتاء ربيع المؤمن

الرقاق والأخلاق والآداب, موضوعات عامة

اغتنام الأوقات, مخلوقات الله

يحيى بن سليمان العقيلي

اليرموك

مسجد موضي الصباح

1-حلول فصل الشتاء. 2- تفاعل المؤمن مع التغيرات المناخية. 3- عبادات الشتاء وأذكاره. 4- أحكام الشتاء ورخصه. 5- حياة القلوب.

معاشر المؤمنين، ها هو فصل الشتاء حلّت بوادره وتنزَّل برده، طال ليله وقصر نهاره، وللمؤمن مع الشتاء أحوال وأحكام، إذ هو يتفاعل مع التغيرات الكونية والأحوال المناخية بهدي كتاب الله تعالى وسنة رسوله ، فيتحقّق إيمانه ويوثق صلته بالله سبحانه وتعالى، فإن تقلب الأحوال الكونية من صيف وشتاء وليل ونهار وجفاف وأمطار وسكون ورياح يعزِّز إيمان المؤمن بأن الله تعالى خالق الكون ومدبره، وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ [النور: 42] ، فإذا تدبَّر المؤمن ذلك الملكوت وتأمّل في تغير الأحوال وتصاريف الأقدار ذكر الله تعالى وسبح بحمده، إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران: 190، 191] .

وللشتاء ـ عباد الله ـ أحوال لمن أراد أن يتذكّر أو أراد شكورا، فقد أخرج الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري عن النبي قوله: (( الشتاء ربيع المؤمن ) )، وزاد البيهقي وغيره: (( طال ليله فقامه، وقصر نهاره فصامه ) )، وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (مرحبا بالشتاء؛ تتنزل فيه البركة، ويطول فيه الليل للقيام، ويقصر فيه النهار للصيام) ، ومن كلام يحيى بن معاذ قوله:"الليل طويل فلا تقصره بمنامك، والإسلام نقي فلا تدنّسه بآثامك".

وإنما كان الشتاء ربيع المؤمن ـ عباد الله ـ لأنه يرتع في بساتين الطاعات ويسرح في ميادين العبادات وينزه قلبه في رياض الأعمال الميسرة، فإذا ما هطلت الأمطار أقر بفضل الله ونعمته ودعا بما سنه النبي: (( مطرنا بفضل الله ورحمته ) )، وعن زياد بن خالد رضي الله عنه قال: صلى رسول الله صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت ـ أي: مطر ـ من الليل فلما أمطرت أقبل على الناس فقال: (( هل تدرون ماذا قال ربكم؟ ) )قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (( أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب ) )، وليتحرَّ المسلم ـ عباد الله ـ الدعاء حين نزول المطر، فهو من الأوقات الفاضلة، فعن النبي قوله: (( ثنتان ما تردان: الدعاء عن النداء وتحت المطر ) ).

معاشر المؤمنين، لقد سن النبي أدعية وأذكارا للأحوال المناخية، ومنها ما يكون في الشتاء خاصة، كالدعاء عند هبوب الرياح لقوله: (( الريح من روح الله، تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب، فإذا رأيتموها فلا تسبوها، واسألوا الله خيرها، واستعيذوا بالله من شرها ) )، كما سن الرسول الدعاء عند سماع الرعد بقوله: (( سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ) )، كما سن الاستسقاء وهو طلب السقيا والمطر من الله تعالى بصلاة الاستسقاء أو بالدعاء المجرد أو بالدعاء على منبر صلاة الجمعة.

معاشر المؤمنين، اعلموا ـ حفظكم الله ـ أن للشتاء أحكامًا شرعية وآدابًا نبوية، ينبغي للمؤمن أن يتحراها لتكتمل عبادته ويتم له أجره وثوابه ويقتدي بسنة نبيه ، منها إسباغ الوضوء وإتمامه، فلا يعجله الشعور بالبرد عن إكمال الوضوء لأعضائه وإتمامها، بل إن ذلك الإتمام والإسباغ وقت المكاره هو مما يكفر الله به الخطايا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: (( ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ ) )قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (( إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط ) )، والمكاره تكون بشدة البرد أو الحر أو الألم، فيحتسب المسلم تلك الشدة وهو يتوضأ بأنها من مكفرات الخطايا ورافعات الدرجات.

نسأل الله تعالى أن يعمنا بفضله ويكرمنا بنعمته ويمن علينا بعافيته، فهو الجواد الكريم، وهو الرؤوف الرحيم.

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه وخليله، صلوات ربي وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين.

وبعد: معاشر المؤمنين، إن من سماحة الإسلام ويسره تشريع رخص ترفع الحرج والمشقة عن الأمة، ففي الشتاء يرخص للمسلم أن يمسح على الجوارب درءًا للمشقة والبرد، يوما وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، بشروط مبينة في كتب الفقه. كما يرخص للمسلمين الجمع بين الصلوات وقت اشتداد المطر وحدوث البلل أو الوحل أو البرد، وإن حدثت مشقة في الاجتماع للصلاة جاز للمرء أن يصلي في بيته لقول ابن عمر رضي الله عنه: كان النبي ينادي مناديه في الليلة الباردة أو المطيرة: (صلوا في رحالكم) ، وإن كان الأمر ميسرا في زماننا ولله الحمد فالطرق معبدة والسيارات متوفرة والمساجد قريبة، ولكن هذا من يسر الإسلام وسماحته، والرخصة ـ عباد الله ـ سعة وتسهيل متى ما تحققت شروطها، والأولى بالمسلم أن يتحرى الوسطية فلا يتساهل بالأخذ بها ويخرج الصلاة عن وقتها فالصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا دون تحقق لمبررات الرخصة، ولا يتشدد تشددا يسبب المشقة على المسلمين.

معاشر المؤمنين، قال عليه الصلاة والسلام: (( اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب، أكل بعضي بعضا، فأذن لها بنفسين: نفس بالشتاء ونفس في الصيف، فهو أشد ما تجدون من الحر وأشد ما تجدون من الزمهرير، وهو شدة البرد ) ). فإذا ما وجد المرء لسعة البرد تذكر زمهرير جهنم، فاستعاذ منها، وسأل الله تعالى برد الجنة ونعيمها، مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا [الإنسان: 13] .

ومن مواطن العبرة والذكرى للمؤمن حين يرى الأرض وقد اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، حيث أحياها ربنا جل وعلا بالمطر بعد موتها، فليعلم حينها أن القرآن وذكر الله تعالى يحيي القلوب بعد موتها وغفلتها، وهذا ما أشار إليه القرآن حين ذكر استبطاء الله تعالى لخشوع قلوب المؤمنين فقال جل وعلا: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الحديد: 16، 17] ، فالله تعالى يحيي القلوب بالقرآن كما يحيي الأرض بالمطر، فمن وجد غفلة في نفسه وقسوة في قلبه فليقبل على كتاب الله تعالى تلاوة وتدبّرا، فإنما هو هدى ورحمة للمؤمنين وموعظة وشفاء للمتقين.

نسأل الله تعالى أن يحيي قلوبنا بذكره وأفئدتنا بمعرفته وأبداننا بطاعته، وأن يغيث نفوسنا باليقين والإيمان.

هذا، وصلوا وسلموا على الحبيب محمد وعلى آله وصحبه أجمعين...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت