فهرس الكتاب

الصفحة 5590 من 5777

حادثة الإفك

سيرة وتاريخ

السيرة النبوية, القصص

سعد بن عبد الله العجمة الغامدي

الطائف

سعيد الجندول

1-قصة حادثة الإفك. 2- عفو الصديق عن مسطح بن أثاثة. 3- كيفية التعامل مع الإشاعات.

أما بعد: فجدير بكل مسلم أن يعيش مع القرآن وتفسيره وأسباب نزوله ومع أحاديث رسول الله ، ويسترشد بهما ويتبعهما ويبتعد عما ورد النهي عنه في أحدهما، وإن المؤمن ليجد الأُنْسَ والطمأنينة والراحة عندما يتلو آيات الله أو تتلى عليه ويرى حال بعض الناس من المنافقين والفاسقين في ذلك الزمان ينطبق مع حال أتباعهم وأشباههم إلى أن تقوم الساعة، كيف لا والقرآن الكريم كلام العزيز الرحيم الذي خلق البشر وهو أعلم بهم وبما يصلحهم؟! سبحانه لا إله إلا هو العزيز الغفور.

وأورد حادثة الإفك على عائشة أم المؤمنين كما قالت رضي الله عنها، والتي كانت بعد غزوة بني المصطلق أو ما تسمى في بعض الروايات غزوة المريسيع؛ لكي يستفيد منها كل مسلم دروسًا عظيمة ويعلم أن البلايا والمحن وأنواع الاختبار والامتحان نزلت بأشرف وأطهر منه، فلا عليه إن نزل به شيء من ذلك إلا مقابلته بالصبر والاحتساب لينال الأجر في الدنيا والآخرة.

عن عروة بن الزبير رضي الله عنه وعن أبويه عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي قالت: كان رسول الله إذا أراد سفرًا أقرع بين أزواجه، فأيّتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله معه، قالت عائشة رضي الله عنها: فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله بعدما نَزَِلَ الحجابُ، فكنت أُحْمَلُ في هَوْدَجِي وأُنْزَلُ فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله من غزوته تلك وقفل ودَنَوْنَا من المدينة قافلين آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي، فلمست صدري فإذا عِقْدٌ لي من جَزَع ظَفَارٍ قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه. قالت: وأقبل الرَّهْطُ الذين كانوا يرحلُون لي، فاحتملوا هَوْدَجِي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب عليه، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إِذْ ذاك خِفَافًا لم يهبلْنَ ولم يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ، إنما يأكلن العُلْقَةَ من الطعام، فلم يستنكرِ القومُ خِفَّةَ الهودج حين رفعوه وحملوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل فساروا، ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها منهم داعٍ ولا مجيبٌ، فتيمَّمْتُ منزلي الذي كنت فيه، وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمتُ، وكان صفوان بن الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثم الذكوانِيُّ من وراء الجيش، فأدلج فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم فعرفني حين رآني، وكان قد رآني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فَخَمَّرْتُ وجهي بجلبابي، وَوَاللهِ ما كلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، وَهَوَى حتى أَنَاخَ راحلته، فَوَطِئَ على يَدَيْهَا، فقمت إليها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش مُوغِرِينَ في نحر الظهيرة وهم نزول، قالت: فهلك من هلك، وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أُبِيِّ بن سَلُولٍ، قال عروة: أ ُ خْبِرْتُ أنه كان يشاع ويتحدث به عنده، فيقره ويستمعه ويستوشيه. فقال عروة أيضًا: لم يُسَمَّ من أهل الإفك إلاّ حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش، في ناس آخرين لا علم لي بهم، غير أنهم عصبة كما قال الله تعالى، وإنَّ كِبْرَ ذلك يقال له: عبد الله بن أبيّ بن سلول. قال عروة: كانت عائشة تكره أن يُسَبَّ عندها حسان وتقول: إنه الذي قال: فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء قالت عائشة رضي الله عنها: فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمت شهرًا، والناس يُفِيضُون في قول أصحاب الإفك، لا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل علي رسول الله فَيُسَلِّمُ، ثم يقول: (( كَيْفَ تِيكُمْ؟ ) )ثم ينصرف، فذاك الذي يَرِيبُنِي ولا أشعر بالشَّرِّ حتى خرجتُ بعدما نَقهْتُ، فخرجتْ معي أمُّ مِسْطَح قِبَلَ المنَاصِع، وهو مُتَبَرَّزُنا، وكنا لا نخرج إلا ليلًا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الْكُنُفَ قريبًا من بيوتنا، وأَمْرُنا أمرُ العرب الأُوَل في التَّبَرُّزِ قِبَلَ الغائط، فكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأم مسطح وهي ابنة أبي رُهْم بن المطلب بن عبد مناف، وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق، وابنها مسطح بن أُثَاثَة بن عبَّاد بن المطلب، فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي حين فرغنا من شأننا، فعثرت أم مسطح في مِرْطِهَا فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: بئس ما قُلْتِ! أَتَسُبِّينَ رجلًا شهد بدرًا؟! فقالت: أَيْ هَنْتَاه، أَوَلَمْ تسمعي ما قال؟! قالت: وقلت: وما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، قالت: فَازْدَدْتُ مرضًا على مرضي، فلما رجعت إلى بيتي ودخل عليَّ رسول الله فَسَلّمَ ثم قال: (( كيف تيكم؟ ) )، فقلت له: أتأذن لي أن آتِيَ أَبَوَيَّ؟ قالت: وأنا حينئذٍ أريد أنْ أَسْتَيْقِنَ الخبرَ مِنْ قِ بَلِهِمَا، قالت: فأذن لي رسول الله ، فجئت أبويَّ فقلت لأمي: يا أمَّتَاه، ما يتحدث الناس؟ قالت: يا بُنَيَّة، هوِّني عليك، فوالله لَقَلَّمَا كانت امرأةٌ قَطُّ وَضِيئَةٌ عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا كثَّرن عليها، قالت: فقلت: سبحان الله! وقد تحدث الناس بهذا؟! قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يَرْقَأُ لي دمع ولا أكتحل بنوم حتى أصبحت أبكي، فدعا رسول الله علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد رضي الله عنهما حين اسْتَلْبَثَ الوحيُ يستشيرهما في فراق أهله، قالت: فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم لهم في نفسه من الْوُدِّ، فقال: يا رسول الله، هم أَهْلُكَ ولا نعلم إلا خيرًا، وأما علي بن أبي طالب فقال: يا رسول الله، لم يُضَيِّقِ الله عليك، والنساء سواها كثير، وإنْ تَسْأَلِ الجاريةَ تَصْدُقْكَ، قالت: فدعا رسول الله بَرِيرَةَ فقال: (( أَيْ بريرة، هل رأيت من شيء يَرِيبُكِ؟ ) )قالت بريرة: لا والذي بعثك بالحق، إِنْ رأيت عليها أمرًا قط أغمصه عليها أكثرَ من أنها جاريةٌ حديثةُ السِّنِّ تنام عن عجين أهلها فتأتي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ، قالت: فقام رسول الله من يومه فاستعذر من عبد الله بن أبيّ بن سلول، قالت: فقال رسول الله وهو على المنبر: (( يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي ) )، قالت: فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: يا رسول الله، أنا أعذرك منه، فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، قالت: فقام رجل من الخزرج، وكانت أم حسان بنت عمه مِنْ فَخِذِهِ، وهو سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، قالت: وكان قبل ذلك رجلًا صالحًا، ولكن احتملته الحمية، فقال لسعد: كذبت لعمر الله، لا تقتله ولا تقدر على قتله، فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لَنَقْتُلَنَّهُ، فإنك منافق تجادل عن المنافقين، قالت: فتثاور الْحَيَّانِ الأَوْسُ والْخَزْرَجُ حتى هَمُّوا أن يَقْتَتِلُوا ورسول الله قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله يخفِّضهم حتى سكتوا وسكت، قالت: فبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، قالت: فأصبح أَبَوَايَ عندي وقد بكيت ليلتين ويومًا لا أكتحل بنوم ولا يرقأ لي دمع وأبوايَ يَظُنَّانِ أن البكاءَ فَالِقٌ كَبِدِي، فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنتْ عليَّ امرأةٌ من الأنصار فأذنتُ لها، فجلستْ تبكي معي، قالت: فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله فسلم ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها، وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني بشيء، قالت: فتشهد رسول الله حين جلس، ثم قال: (( أما بعد: يا عائشة، فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه ) )، قالت: فلما قضى رسول الله مقالته قَلَصَ دمعي حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب رسول الله عني فيما قال، فقال أبي: والله، ما أدري ما أقول لرسول الله ، فقلت لأمي: أجيبي رسول الله فيما قال، قالت أمي: والله، ما أدري ما أقول لرسول الله ، فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرًا من القرآن: إني والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقرَّ في أنفسكم وصَدَّقْتُمْ به، فلئن قلت لكم: إني بريئة لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر ـ والله يعلم أني منه بريئة ـ لَتُصَدِّقُنِّي، والله ما أجد لي ولكم مثلًا إلا كما قال أبو يوسف: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَ?للَّهُ ?لْمُسْتَعَانُ عَلَى? مَا تَصِفُونَ [يوسف: 18] ، قالت: ثم تحولت فاضطجعت على فراشي، وأنا أعلم حينئذٍ أني بريئة وأن الله مُبَرِّئِي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن الله مُنْزِلٌ في شأني وَحْيًا يتلى، وَلَشَأْنِي في نفسي كان أَحْقَرَ من أن يتكلم الله فِيَّ بأمر يُتْلَى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله في النوم رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللهُ بِهَا، قالت: فوالله، ما رَامَ رسولُ الله مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أُنْزِلَ عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البُرَحَاءِ، حتى إنه لَيَتَحَدَّرُ منه مثلُ الْجُمَانِ من العَرَقِ، وهو في يومٍ شاتٍ؛ من ثقل القول الذي أنزل عليه، قالت: فَسُرِّيَ عن رسول الله وهو يضحك، فكانت أول كلمة تكلم بها أن قال: (( يا عائشةُ، أما اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فقد بَرَّأَكِ ) )، قالت: فقالت لي أمي: قومي إليه، فقلت: لا والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله عز وجل، فأنزل الله: إِنَّ ?لَّذِينَ جَاءوا بِ?لإفْكِ عُصْبَةٌ مّنْكُمْ العشر الآيات كلها، فلما أنزل الله هذا في براءتي قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره: والله، لا أُنْفِقُ على مسطح شيئًا أبدًا بعد الذي قال لعائشة ما قال، فأنزل الله: وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ?لْفَضْلِ مِنكُمْ وَ?لسَّعَةِ أَن يُؤْتُواْ أُوْلِى ?لْقُرْبَى? وَ?لْمَسَـ?كِينَ وَ?لْمُهَـ?جِرِينَ فِى سَبِيلِ ?للَّهِ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ?للَّهُ لَكُمْ وَ?للَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [النور: 22] ، قال أبو بكر: بلى والله، إني لأحب أن يغفر الله لي، فَرَجَعَ إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا. قالت عائشة: وكان رسول الله يسأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال: (( يا زينب، ماذا عَلِمْتِ أَوْ رَأَيْتِ؟ ) )فقالت: يا رسول الله، أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلا خيرًا، قالت عائشة: وهي التي كانت تُسَامِينِي من أزواج رسول الله ، فعصمها الله بالورع، وطَفِقَتْ أختُها حَمْنَةُ تحارب لها فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك. رواه البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى. قال ابن شهاب: فهذا الذي بلغني من حديث هؤلاء الرهط. ثم قال عروة: قالت عائشة: والله، إن الرجل الذي قيل له ما قيل ليقول: سبحان الله! فَوَالَّذِي نفسي بيده ما كشفتُ من كنف أنثى قط، قالت: ثم قتل بعد ذلك في سبيل الله.

إن الحمد لله، نحمده ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله لحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: فهذه القصة العجيبة والحادثة الأليمة التي تحمل في طَيَّاتِهَا من الدروس والعبر والعظات الشيء الكثير، والتي نزلت ونزل وقعها الأليم على أشرف خلق الله محمد رسول الله وعلى زوجته الطاهرة أم المؤمنين عائشة وعلى أبويها أبي بكر الصديق وزوجته رضي الله عنهم أجمعين، والتي واجهوها بالصبر القوي الذي ألهمهم الله إياه وثَبَّتَهُمْ عليه عندما نزل بهم جميعًا هذا الابتلاء والامتحان والاختبار الذي يعتبر نِبْرَاسًا للأمة المسلمة، لكي يستفيدوا منه دروسًا عملية في حياتهم ومستقبل أيامهم، ليستلهموا منه العبر والعظات والتوجيهات وتسديد الآراء الصائبة.

إن من التعليمات التي وجهها الله تبارك وتعالى إلى المسلمين ـ وذلك في ضمن الآيات التي نزلت فيها براءة عائشة رضي الله عنها مما قال عليها المفترون ـ أن لاَّ يقبلوا من كل أحد قوله بدون رَوِيَّةٍ وتَثَبُّتٍ إذا كان يرمي غيره بما لا يرونه فيه، وعليهم أن لاَّ يُشِيعُوه في المجتمع، بل من واجبهم إذا وجدوا أن قد فشت في المجتمع مثل هذه الافتراءات والاتهامات الكاذبة أن يعملوا على كَبْتِهَا ويَحُولُوا دون شيوعها ويجتنبوا تناقلها بينهم. وإن الذين يُلَفِّقُونَ الأخبار الفاحشة ويذيعونها أو يحاولون أن تشيع الفاحشة في المجتمع المسلم ويحاولون إِلْصَاقَ التُّهَمِ بالمؤمنين والمؤمنات ويرمونهم بما ليس فيهم إنهم لا يستحقون الحماية والتشجيع، بل يستحقون العقاب وإقامة الحدِّ على كل فرد منهم حتى يرتدع ويطهر لسانه وسمعه وبصره عن قَالَةِ السوء وقذف الغافلين من المؤمنين والمؤمنات، وليرتدع غيرهم من المخدوعين بهذه المقالات السيئة إن كان مؤمنًا ويكون تطهيرًا له، وإن كان منافقًا يقام عليه الحد كذلك من أجل أن يُكْبَتَ ويُخْرَسَ لِسَانُهُ، ولئلا تُسَوِّلَ له نفسُه إشاعةَ الفاحشةِ واتهامَ الأبرياء مرة أخرى، وليعلم أن هذا عقابه في الدنيا ما دام على هذه الحال، وفي الآخرة عذاب عظيم.

أما المؤمنون فيجب أن يَظُنُّوا بأنفسهم خيرًا، ولا يعتمدوا على سوء الظن وقالة السوء التي تنتشر في المجتمع بسبب منافق أو منافقة، إذا هم سمعوا عن ذلك يجب عليهم أن يُطَهِّرُوا أسماعهم وأبصارهم وألسنتهم من هذا البهتان على المؤمنين والمؤمنات، وإن كانت التهمة تلحق بأحد منهم فليصبروا وليحتسبوا جزاء صبرهم عند الله، ثم إن كانت لديهم البينة على من أشاع ذلك فليطلبوا إقامة الحد الشرعي على ظهور أولئك المنافقين أو المخدوعين من المسلمين.

وإلى خطبة أخرى نتحدث فيها عن بعض ما ورد في أول سورة النور، وعلينا أن نتأمل الحادثة المؤلمة ووقعها الشديد من خلال هذه الآيات العظيمة في قول الله جل جلاله وتعالى سلطانه: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنْ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمْ الْكَاذِبُونَ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ يَعِظُكُمْ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمْ اللَّهُ دِينَهُمْ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [النور: 11-36] .

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وآله...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت