فهرس الكتاب

الصفحة 5523 من 5777

عيد الفطر 1427هـ

الرقاق والأخلاق والآداب

مواعظ عامة

غازي بن مرشد العتيبي

الجموم

مصلى العيد

1-مقصد التقوى. 2- حث المجتهدين على الثبات والمقصرين على التوبة. 3- طريق السعادة والنجاة. 4- الأمر بالمحافظة على أركان الإسلام. 5- التحذير من قتل الأنفس المعصومة بغير حق. 6- نصائح للشباب. 7- الحث على بر الوالدين وصلة الأرحام. 8- أهمية تربية الأولاد. 9- رعاية الإسلام لحقوق المرأة. 10- الوصية بأداء الحقوق إلى أهلها. 11- حكم الشركات المساهمة. 12- زكاة الفطر. 13- الحث على صيام الست من شوال. 4- الثبات على الطاعة.

الحمد لله الذي بلّغنا شهرَ رمضان، وأفسح لنا في الآجال، وأمدّ لنا في الأعمار إلى تمامه، والشكرُ لله أنْ هدانا لشهر الخير والغفران، وأعاننا على صيامِه وقيامِه، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الجاثية: 36، 37] .

أما بعد: فاتقوا الله أيها الناس، واعلموا أنّ الله خلقكم لتحقيق تقواه كما قال سبحانه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: 21] , وشرع لنا صيام رمضان لتحقيق التقوى كما قال تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: 183] , وقال في آخر آيات الصيام: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [البقرة: 187] .

وإنّ تقوى الله ليست صيام النهار وقيام الليل والخليط بينهما، ولكن تقوى الله أن تفعل ما أمرك الله به، وتترك ما نهاك الله عنه، كما فسرها بذلك الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله.

فمن قضى شهره وقد أثمر صيامه وقيامه في قلبه تقوى الله ومخافةً منه ورغبةً فيما عنده فليحمد الله على التوفيق، وليلزم هذا الطريق، وليبشر بوعد الله للمتقين في قوله: وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ [الزخرف: 35] ، وقوله: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ [الدخان: 51، 52] ، وقوله: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: 133] .

وأمّا من أدرك رمضان وهو مبارزٌ لله بالمعصيةِ مستمرٌ على المخالفةِ فليراجع نفسه، وليعلم أنّ الله لا يتقبل إلاّ من المتقين كما قال الله عز وجل: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة: 27] ، وليبادر بالتوبة والإقلاع عن المعصية، فإنه لا يدري لعله يأتي رمضان من قابل وقد قضى نحبه، وأفضى إلى ربه، وندم على تفريطه، وتمنى على الله الأماني ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر: 5، 6] .

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلاّ الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

أيها الناس، إنّ الله تبارك وتعالى لم يخلقنا عبثًا ولم يجعلنا هملًا، وإنّما خلقنا لعبادته وحده لا شريك له، وأخبرنا أنّ الشرك به ظلمٌ عظيمٌ، وأنّه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار.

وبعث الله إلينا نبيه بالبينات والهدى بشيرًا ونذيرًا، وجعله رحمةً للعالمين، فبلّغ رسالة ربه بلاغًا مبينًا، وترك أمته على بيضاء نقية، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلاّ هالك، ولم يترك خيرًا إلاّ دلّ أمته عليه، ولا شرًّا إلاّ حذّرها منه إلى أنّ تقوم الساعة. وأنزل الله عليه شريعةً شاملةً كاملةً، صالحةً بل مصلحةً لكل زمانٍ ومكان، لا تحتاج لأن يُزادَ فيها شيء أو يُنقَص منها شيء؛ لأنّ الزيادة فيها ابتداعٌ في الدينِ وتشريعٌ من دون رب العالمين، والنقص منها تفريطٌ وإخلالٌ وتقصيرٌ وإهمال.

فمن أراد السعادة وحُسنَ الإكرام والوِفادة فليلزم ما جاء به هذا النبي الكريم ، فإنّه لا طريق للجنة إلاّ من طريقته، ولا فلاح في الدنيا والآخرة إلاّ باتباعه وطاعته ، وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الحشر: 7] .

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلاّ الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

أيها المسلمون، إنّ الصلاة فريضةٌ محكمة، لا يجوز تضييعها وتأخيرها عن وقتها، يقول الله عزّ وجل: فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون: 4، 5] ، قال ابن مسعود: ( ليس الذين يتركونها بالكلية، ولكنّهم الذين يؤخّرونها عن وقتها) . لقد توعد الله من يؤخر الصلاة عن وقتها مع أنّه يصلي فكيف بمن ضيّع الصلاة بالكلية؟! يقول سبحانه: فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا إِلا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا [مريم: 59، 60] . فأقيموا الصلاة رحمكم الله، وحَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة: 238] .

واعلموا أنّ الزكاة حقٌ لله يجب أن يؤتى؛ في بهيمة الأنعام والحبوب والثمار والذهب والفضة وما أُعدّ للبيع والشراء، وأنّ المال الذي لا يُزَكّى تذهب بركته في الدنيا، ويكون عذابًا لصاحبه يوم القيامة، كما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: (( من آتاه الله مالًا فلم يؤدّ زكاته مُثّل له شجاعًا أقرعًا ـ أي: قد سقط شعر رأسه لكثرة سُمّه وطول سنه ـ له زبيبتان ـ أي: نقطتان سوداوان فوق عينيه ـ يطوّقهُ يوم القيامة ويقول: أنا مالُك أنا كنزك ) ). فأدّوا زكاة أموالكم، وطِيبوا بها نفسًا ، وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ: 39] .

واشكروا الله على نعمة الصيام، ومن أفطر منه وجب عليه أن يقضي عدّة ما أفطر من أيام أُخَر كما أمر الله بذلك فقال: فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة: 185] .

ولا تتهاونوا في أداء فريضة الله في الحج، ولا تؤخروه عن زمان الوجوب وأنتم قادرون عليه، فإنّ الله كفّر من كان له سبيل إلى الحج فتركه حتى مات فقال سبحانه: وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران: 97] ، وقال عمر بن الخطاب: (لقد هممتُ أن أبعث إلى الأمصارِ فينظروا إلى كلِّ من عنده جِدَة ـ أي: قُدرة ـ فلم يحج فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين ) .

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلاّ الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

عباد الله، إنّ من أعظمِ المآثمِ وأخطرِ الجرائمِ أنْ يُسفَكَ دمُ امرئٍ مسلمٍ بغير سلطان أو تُزهقَ روحه من غير برهان، وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء: 93] .

إنّ التفجيرات والمواجهات المسلّحة التي تُزهَق منها الأنفس المعصومة لا تبني أمّةً ولا تنصر دينًا ولا تدحر عدوًّا، بل هي على الضدّ من ذلك، ومن نظر في التاريخ عَلِمَ أنّها لا تجرّ على الديار إلاّ الخراب والدمار والفساد والتبار.

أيها الشبابُ المعتزُّ بدينه، إنّ الحماس المتوقّد الملتهب لا يكفي في نصرة الدين والدفاع عنه، بل لا بد من الاستنارة بنور الكتاب والسنّة والاستشارة للعلماء الربانيين، فإنّهم مصابيح الإسلام والمميزون بين الحق والأوهام ، وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلًا [النساء: 83] .

واعلموا أنّ دين الله منصور بنصر الله ووعدهِ، ولكنّ النصر له شروط لا بدّ منها، ذكرها الله في كتابه فقال سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال: 45، 46] . فاحذروا العجلة والتهور، وعليكمُ السكينةََ السكينةََ.

وأمّا الشباب الذين غرّتهم الحياة الدنيا وخدعهمُ التسويفُ وطولُ الأمل واتّبعوا أهواءهم وأعرضوا عن طاعة الله فليعلموا أنّ الدنيا متاعٌ زائلٌ ونجمٌ آفلٌ، وليتوبوا إلى الله، وليثوبوا إلى رُشدهم، وليعلموا أنّه ما فرح أعداء الأمة الإسلامية بشيءٍ أشدَّ من فرحِهِم بفساد أبناء المسلمين.

اللهمّ أصلح شباب المسلمين، واهدهم سبل السلام، وجنّبهم الفتن ما ظهر منها وما بطن.

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلاّ الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [الحشر: 18، 19] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...

الحمد لله الذي أكرمنا بأفضل الأديان وأعظم الشرائع، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وعد بجنةٍ عرضها السموات والأرض كلَّ عابدٍ وطائع, وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله خير ساجد وراكع، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجهم وتابع.

أمّا بعد: فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أنّ تقوى الله زاد المؤمنين ووصية الله للأولين والآخرين: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ [النساء: 131] .

أيّها الناس، لقد أوجب الله علينا برّ الوالدين، وأمرنا أن نخفض لهما جناح الذُلّ من الرحمة، وأن نُحسن إليهما ولا سيّما عند العجز والكبر، ونقول لهما قولًا كريمًا، فبرّوا الآباء والأمّهات، وإيّاكم وعقوق الوالدين، فإنّه نُكرانٌ للجميل ومعصيةٌ للجليل، وإنّ رضا الله في رضا الوالدين، وسخطه في سخط الوالدين، واحذروا من قطيعة الرحم فإنّها متعلَّقة بعرش الرحمن، تقول: من وَصَلَني وصله الله، ومن قطعني قَطَعه الله، كما ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها.

واعلموا أنّكم مسؤولون بين يدي الله عن تربية أولادكم وتأديبهم على الأخلاق الفاضلة والشمائل الكريمة، كما قال الله سبحانه وتعالى: يَا أيُّها الَّذيِنَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأهْلِكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غَلَاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّه مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم: 6] ، قال علي: (معناها: علّموهم وأدّبوهم) . وإنّ بداية صلاح الأبناء والبنات هي صلاح الآباء والأمّهات، وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا [الأعراف: 58] .

واستوصوا بالنّساءِ خيرًا، وعاشروهنّ بالمعروف، ولا تنسوا الفضل بينكم، يقول: (( أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خُلُقا, وخياركم خياركم لنسائهم ) )رواه الترمذي وقال:"حسنٌ صحيح".

واعلموا أنّ الإسلام قد كفل للمرأة من الحقوق ما لم يكفله لها دين من الأديان أو نظامٌ من الأنظمة، وإنّ حرّية المرأة وكرامتها في تمسكها بدينها واستقامتها عليه، وإنّ الأسود الضاحكة التي تدعو لتحرير المرأة إنّما تريد أنْ تجعلها دُمْيَةً لها وفريسةً لشهواتها، وأيّ حرية للمرأة أعظم من الحرية التي تعيشها في ظل تعاليم الإسلام وَهَدْيِه؟!

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلاّ الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

أيها المسلمون، اعلموا أنّ المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، وأنّ من حق المسلم على أخيه أنْ يحفظ دمَه ومالَه وعِرضَه ، (( كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وماله وعرضه ) )، واحذروا مِن أكل مال اليتيم إلاّ بالتي هي أحسن، إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [النساء: 10] .

وإيّاكم وحقوق العمّال والأُجَراء والخدم والصِّبيان، أعطوا الأجير أجره قَبل أن يجفَّ عرقُه، يقول الله تعالى في الحديث القدسي: (( ثلاثةٌ أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمَه خصمتُه: رجلٌ أعطِى بي ثم غدر، ورجلٌ باع حرًّا وأكل ثمنه، ورجلٌ استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطه أجره ) )رواه البخاري من حديث أبي هريرة.

واحذروا شهادة الزور والكذبَ والفجور والغدر والخيانة؛ فإنّها بئست البِطانة، وطهّروا ألسنتكم من الغيبة والنميمة والسخرية من المسلمين والاستهزاء بالدين، وطهّروا قلوبكم من الغل والحقد والحسد، وكونوا من عباد الرحمن الذين قال الله عنهم: وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ [القصص: 55] .

الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله وبحمده بكرة وأصيلًا.

أيها المؤمنون، لقد فتح الله عليكم أبواب الأرزاق، وهيأ لكم أسبابًا لم تُعْهَد فيمن قبلكم، ورزقكم رزقًا حسنًا، وأطعمكم من جوع، وآمنكم من خوف، وقد أخذ على نفسه العهد لئن شكرتم ليزيدنَّكم، ومن أسباب الرزق التي فتحها الله لعباده في زماننا هذا المتاجرة في الشركات المساهمة، وهذه الشركات المساهمة على ثلاثة أنواع:

النوع الأول: شركاتٌ تتعامل بمعاملاتٍ مباحةٍ سواءً كانت تجاريةٍ أو صناعيةٍ أو زراعيةٍ أو غيرِ ذلك، ولا تشترط شروطًا محرمةً في هذه الأعمال، فهذه الشركات تجوز المساهمة فيها بلا إشكال.

النوع الثاني: شركاتٌ تتعامل بمعاملاتٍ محرّمةٍ كالربا وتصنيعِ الخمور أو بيعِ لحمِ الخنزير وما شابه ذلك، وهذه لا تجوز المساهمة فيها بلا إشكال.

النوع الثالث: شركاتٌ أصلُ نشاطها مباحٌ لكنّها تتعاملُ بمعاملاتٍ محرمةٍ كالإيداع في بنوكٍ رِبويةٍ مَعَ أخذِ فائدةٍ على ذلك، أو تأخذ ضمانات فاسدة، أو تأخذ قروضًا بفوائد، أو تعقد عقودًا فاسدة، وأكثر الشركات من هذا النوع، وقد اخْتَلَفَ فيها الفقهاءُ المعاصرون على قولين:

فذهبت طائفةٌ إلى تحريم المساهمة فيها؛ لأنّ ذلك من التعاون على الإثم والعدوان، ولأنّ ما فيها من المفاسد أعظم من المصالح المترتبة عليها.

وذهبت طائفة إلى جواز المساهمة فيها مع اشتراط تقدير نسبة المال الحرام والتخلص منه في أوجه الخير، وذلك مراعاةً لحاجة الناس.

والقول بالتحريم قولٌ قويٌّ، ولا سيّما أنه يوجد بدائل مباحة في تنمية الأموال واستثمارها، وهي تغني عن المعاملات المشتبهة أو المحرّمة.

والمؤمن الصادق يتورّع عمّا فيه شُبهة، كما في الحديث الصحيح: (( فضلُ العلم خير من فضل العبادة، وخير دينكم الورع ) )، وهذا عمر بن الخطاب جاءه مال من البحرين فيه مسك وعنبر فقال: والله، لوددت أنّي أجد امرأةً حسنةَ الوزن تزن لي هذا الطيب حتى أفرّقه بين المسلمين، فقالت امرأته عاتكة: أنا جيّدة الوزن فهلمّ أزِنُ لك، قال:لا، قالت: ولِمَ؟! قال: إنّي أخشى أن تأخذيه هكذا ـ وأَدخَل أصابعه في صدغيه ـ وتمسحين به عُنْقَكِ فأصيبَ به فضلا على المسلمين.

فتورّعوا عن هذه المعاملات الملتبسة، واعلموا أنّه مَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق: 2، 3] ، (( ولن تموت نفس حتى تستكمل رزقها ) )، وقد أخبر النبي في الحديث الصحيح: (( إنّ الرزق يطلب ابن آدم كما يطلبه أجله ) )، وفي لفظ: (( إنّ الرزق يطلبه أكثر ممّا يطلبه أجله ) ).

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلاّ الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

عباد الله، لقد شرع الله لنا في ختام هذا الشهر عبادة عظيمة، وهي زكاة الفطر، وجعلها طُهْرَةً للصائم من اللغو والرفث، فمن أدّاها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة إنْ شاء الله، ومن أخّرها عن الصلاة من غير عذر فليبادر بإخراجها وليستغفر الله من ذلك.

وهي صاع من غالب طعام البلد على الذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين، ويستحب أن تُخرج عن الحمْلِ ولو في بدايته، لفعل عثمان.

ويستحب أن يُصام ستة أيام من شوّال, لقوله: (( من صام رمضان وأتبعه ستًا من شوّال فكأنّما صام الدهر ) )، ومن عليه قضاءٌ فليبدأ بالقضاء ثم يصوم هذه الست؛ لأنّ الفرائض مقدمة على النوافل.

أيّها المسلمون، إنّ الطاعات لا تنقطع بانقضاء رمضان، وقد أثنى الله على الذين يديمون الأعمال الصالحة فقال: الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ [المعارج: 23] ، وكان عمل النبي دِيمَةً، وإذا عَمِل عملًا أثبته، وقال: (( أحبُّ الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ ) ). فأديموا أعمالكم الصالحة من الصلاة وقراءة القرآن وكثرة الذكر والإحسان، واعلموا أنّ من علامات القبول الحسنة بعد الحسنة.

أيّها المسلمون، إنّ يومكم هذا يوم عيد وفرح، وهو شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام الظاهرة، فلا تُعكّروا صفْوَهُ بالهُجران والقطيعة، وأفشوا السلام بينكم، وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا [النساء: 86] .

وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [آل عمران: 130-132] .

وصلوا وسلموا على خير البرية...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت