العلم والدعوة والجهاد
القرآن والتفسير
عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري
المدينة المنورة
قباء
المشهد الثاني من القصة: تآمر اخوة يوسف عليه , ودلالة ذلك على عدم كونهم أنبياء والخلاف
في ذلك وتوجيهه - حفظ الله تعالى لعباده الصالحين وتدبيره لهم - للظواهر والحوادث بواطن
لا يعلم حقائقها إلا المتدبرون , وبيان ذلك في قصة يوسف - ما في قصة يوسف من عِبَر جديرٌ
بالدعاة أن يتأملوها في مواجهتهم أعداءهم
أما بعد:
فقد قال الله تعالى: لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين [يوسف:7] .
هذا هو المشهد الثاني من بدايات هذه القصة القرآنية العظيمة والأول هو مشهد الأب يعقوب عليه السلام وهو يحاور ابنه الصغير يوسف عليه السلام ويحذره أن يقص رؤياه على إخوته خوفا من حسدهم وكيدهم بعد أن فهم الأب من تلك الرؤيا وفسرها وأولها بأن ابنه الصغير هذا سيكون له شأن عظيم من النبوة والسلطان ثم يجيء هذا المشهد المشهد الثاني في الجانب الآخر إخوة يوسف يتحاورون ويتآمرون.
يتآمرون على أخيهم وفي هذا دليل على أنهم لم يكونوا أنبياء لأن الأنبياء لا يظلمون ولا يحقدون ولا يغدرون ولا يرتكبون الكبائر والآيات هنا تصور إخوة يوسف وقد تسلط الشيطان عليهم فملأ قلوبهم حسدا والشيطان لا سبيل له على الأنبياء والمرسلين وزعم قلة من المفسرين أنهم كانوا أنبياء أن إخوة يوسف كانوا أنبياء واستدلوا بقوله تعالى: قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط [البقرة:136] . قالوا الدليل من هذه الآية من وجهين أوله أن الله تعالى ذكر الأسباط في هذا السياق في سياق الأنبياء والأسباط هم أبناء يعقوب عليه السلام يوسف وإخوته وكانوا اثني عشر وهذا دليل على أنهم كانوا أنبياء والوجه الثاني أن الآية صرحت بالإنزال إليهم وهذا معناه النبوة فنقول ليس في هذه الآية دليل على نبوة إخوة يوسف بل ليس في القرآن كله ولا في سنة النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على نبوتهم بينما قامت الأدلة من القرآن والسنة على نبوة ورسالة يوسف عليه السلام أما ذكر الأسباط في سياق الآية فالأسباط في بني إسرائيل معناه القبائل والأمم فبنو إسرائيل الذين هم أبناء يعقوب عليه السلام فإسرائيل هو يعقوب بنوه وذريته كانوا اثني عشر قبيلة تنحدر كلها من ابنائه الاثني عشر يوسف وإخوته قال تعالى في بني إسرائيل: وقطعناهم اثني عشر أسباطا أمما [الأعراف:160] . فالأسباط هم القبائل والأمم من بني إسرائيل وقد جعل الله عز وجل النبوة في ذرية بني يعقوب جعل النبوة في بني إسرائيل في ذرية يعقوب وليس معنى هذا أنهم أنبياء بل الأنبياء فيهم ومنهم الأنبياء فيهم ومنهم فيما يخص هذا الفرع من أبناء إبراهيم الخليل عليه السلام وأما التصريح بالإنزال إليهم فلا يعني النبوة بالضرورة ولو كان يعنى ذلك لكنا أمة محمد صلى الله عليه وسلم جميعنا أنبياء لأنه قال في صدر الآية: أنزل إلينا أي أمة محمد صلى الله عليه وسلم وإنما المعنى أنزل فينا على واحد فينا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أو أنزل من أجلنا ومن أجل هدايتنا فإذا ثبت هذا وأن إخوة يوسف عليه السلام لم يكونوا أنبياء فلم يعصمهم مقام النبوة مما يلي البشر من لم يكونوا أنبياء فلم تثبت لهم العصمة مما يعتري البشر عادة من نزغات الشيطان ووساوسه ها هي الآيات هذه الآيات تصور حالهم وقد غلبهم الحسد وملأ قلوبهم وغطى على أعينهم فها هم يتغيظون من أبيهم يعقوب عليه السلام كيف يحب يوسف وأخاه أكثر منهم ويوسف وأخوه كانا اثنين صغيرين لا ينفعانه كما ينفعونه هم وهم عصبة كثيرون وكانوا أبناء أم واحدة بينما يوسف وأخوه من أم أخرى وكلمة عصبة هنا في هذا السياق لها دلالات عجيبة ليوسف وأخيه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة [يوسف:8] . فالعصبة في اللغة الجماعة المتعصبون المتعاضدون والعصبة في اللغة العشرة فصاعدا وهذا هو حال إخوة يوسف كانوا عشرة من أم واحدة وكانوا متعصبين يعاضد بعضهم بعضا ضد أخويهم من الأب يوسف وأخيه وكأنما أرادوا أن يخفوا ما أعتلج في صدورهم من حسد وحقد بأن أشغلوا أنفسهم بلوم أبيهم وتخطأته على موقفه وعلى تفضيله ليوسف وأخيه عليهم فقالوا إن أبانا لفي ضلال مبين كأنهم هم لم يكونوا ضالين إذ يستسلمون لنزغات الحسد ويتردون في شباكه وكأنما نوازع الإثم تلجلجت في صدورهم فها هم يلحون ويصرون على لوم أبيهم فيصفون ضلاله بأنه مبين كأنما يريدون أن يقولوا إنه خطأ واضح بين أن يحب أبونا يوسف وأخاه أكثر منا وتلجلجت نوازع الإثم في صدورهم وتأججت نيران الحسد في قلوبهم حتى إنها تكاد تدفعهم دفعا إلى النتيجة المتوقعة إلى القتل اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا [يوسف:9] . ولكن لماذا هذه الجريمة يجيبون يخل لكم وجه أبيكم ولكن ماذا يكون حالكم بعد اقتراف هذه الجريمة أتعيشون قتلة مجرمين كلا فنفوسهم المتلجلجة المترددة بين الإقدام على الجرم أو الإحجام عنه تسول لهم ذلك الفعل وتزينه في قلوبهم وتبرره لكم بأنهم يتوبون بعد اقتراف الجريمة فيعيشون حينئذ هادئين مطمئنين وتكونوا من بعده قوما صالحين [يوسف:9] . وهكذا النفس البشرية إذا سولت للإنسان الإقدام على الجريمة وهكذا وساوس الشيطان ومكائده إذا أراد الإيقاع بالمسلم في حمأة الجريمة فنعوذ بالله من نزغات الشياطين ونعوذ بالله من النفس الأمارة بالسوء.
قال محمد بن إسحاق رحمه الله في إخوة يوسف وما بيتوه نحو أخيهم: لقد اجتمعوا على أمر عظيم على قطيعة الرحم وعقوق الوالد وقلة الرأفة بالصغير الضرع الذي لا ذنب له والكبير الفاني الذي له الحق والحرمة والفضل إنه عند الله خطير مع عظم حق الوالد على ولده الذي عزموا على أن يفرقوا بينه وبين أبيه وحبيبه على كبر سنه ورقة عظمه وعظم مكانه عند الله عز وجل وبين ابنه الذي لا قوة له مع ضعف قوته وصغر سنه وحاجته إلى لطف والده وسكونه إليه يغفر الله لهم وهو أرحم الراحمين فقد احتملوا أمرًا عظيمًا.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
أما بعد:
فمن أعظم الدروس في سورة يوسف وقصته ما فيها من آيات عند حكمة الله عز وجل ولطف تدبيره ورحمته بعباده المخلصين وكلاءته لعباده الصالحين بما يدبره لهم من عجائب المقادير التي لا يحتسبونها والتي لا تخطر لهم على بال ولا يجري بها تفكير فإن للظواهر والحوادث بواطن لا يعلم حقائقها إلا المتدبرون الذين يعقلون فإخوة يوسف لو لم يحسدوه لما ألقوه في غيابات الجب ولو لم يلقوه في الجب لما وصل إلى عزيز مصر ولو لم يعتقد ذلك العزيز في أمانة يوسف وفراسته وصدقه لما أمنه على بيته ورزقه وأهله ولو لم تراود يوسف امرأة العزيز لو لم تراوده عن نفسه فاستعصم لما ظهرت نزاهته وعرف أمرها ولو لم يخب كيدها وكيد صواحبتها لما ألقوه في السجن إخفاء أمرهم ولو لم يلقوه في السجن لما عرفه ساقي الملك وعرف صدقه وبراعته في تأويل الرؤيا ولو لم يعرفه الساقي لما عرفه ملك مصر وآمن له وجعله على خزائن الأرض ولو لم يتبوأ يوسف ذلك المنصب لما أمكنه أن ينقذ أبويه وإخوته وأهلهم أجمعين من المخمصة التي كانوا فيها وهم في صحراء فلسطين ولما استطاع أن يأتي بهم إلى مصر ليشاركوه في رئاسته ومجده فيتحقق بذلك قول أبيه من قبل: ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب فكل حلقة من هذه السلسلة ظاهرها محرق وباطنها مشرق بدايتها شر وعناء وبلاء ونهايتها خير وفوز وتمكين وهكذا حكمة الله جل جلاله ولطفه في التدبير قدر كل شيء بإحكام وربط كل شيء بسبب سبحانه وتعالى تجري مقاديره بأنواع من الحوادث قد يحزن المتقون منها ويصيبهم الهم والغم والعناء والقرح ولكنها سلسلة تنتهي إلى نهاية واحدة وإلى غاية واحدة تنتهي إلى أن العاقبة للمتقين ولذلك عليهم الصبر والمصابرة والثبات والتحمل والرفق واللين والحكمة لا تغرنهم الحوادث لا يغتروا بظواهر الحوادث ولا ييأسوا من كثرة الخبث ولا يستفزنّهم حمق الخصوم ولا رعونة الأعداء فينسيهم ذلك ما كتب عليهم من الصبر والتحمل والثبات والثبات والمصابرة فها هي سلسلة الحوادث تبدأ بيوسف نبي الله ورسوله تبدأ بيوسف الصديق عناء وبلاء وهم وغم وسوء ثم تنتهي به نصرا وفوزا وتمكينا في الأرض جزاء على صبره وثباته وتحمله عليه السلام.
أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار واعلموا أن الجماعة هي التمسك بالكتاب والسنة وبمنهج الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.
يا ابن آدم أحبب من شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك ملاقيه وكن كما شئت فكما تدين تدان ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال جل من قائل: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما وقال صلى الله عليه وسلم: (( من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشرا ) ) [1] اللهم صل وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة أبى بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين عثمان وأبي السبطين علي وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين وعن الصحابة أجمعين وعن التابعيين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.
[1] صحيح مسلم (408) عن أبي هريرة رضي الله عنه.