فهرس الكتاب

الصفحة 5326 من 5777

فضل التوبة

الرقاق والأخلاق والآداب

التوبة

فريح بن محمد الفريح

الذيبية

جامع بلدة السمار

1-حقيقة التوبة. 2- التحذير من الأمن من مكر الله تعالى. 3- وقت التوبة. 4- أضرار الذنوب والمعاصي. 5- عقوبة قسوة القلب. 6- فرح الله تعالى بتوبة التائبين.

أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله حق التقوى، وخذوا من دنياكم لأخراكم، فإن أجسامكم على النار لا تقوى، وتواصوا بالحق، وليعنْ بعضكم بعضًا.

أيها المسلمون، توبوا إلى الله فإنه يحب التوابين، وتطهروا من الذنوب والمعاصي فإنه يحب المتطهرين، واستغفروا الله فإنه خير الغافرين، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ.

التوبة النصوح إخلاص لله، وإقلاع عن الذنوب والمعاصي، وندم على فعلها، وعزم على عدم العودة إليها، ليست التوبة مجرد قول باللسان بأن يقول: اللهم تب علي وهو مصر على المعصية، أو يقول ذلك وهو عازم على العودة إلى المعصية، أو غير مبال بما سلف من الذنوب، لا بد من تواطؤ القلب واللسان والجوارح على التوبة، يخاف ذنوبه الماضية، ويخشى أن تهلكه، ويذكر الله بلسانه، ويعمل بطاعة ربه بجوارحه، يسأل الله بقلب خاشع ولسان ضارع أن يقبل منه وينجيه.

أيها المسلمون، أيأمن أحدكم الموت أن يفاجئه في أي وقت؟! أيأمن أحدنا مكر الله؟! أيأمن أحدنا عذاب الله أن يأتي ليلًا أو نهارًا؟! إن أحدًا من الناس لا يأمن ذلك، فما بالنا نسوف ونؤخر التوبة والرجوع إلى الله؟! أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ.

التوبة ـ يا عباد الله ـ لها وقت لا بد أن تقع فيه، فإن تأخرت لم تنفع صاحبها، إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر بروحه، فإذا بلغت الروح الحلقوم فلا توبة، إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا.

توبوا إلى الله قبل أن يفاجئكم الموت، وتذكروا نعم الله عليكم، اشكروه عليها، ولا تبارزوه بالمعاصي فتأمنوا مكر الله، فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون.

عباد الله، انظروا إلى من حولكم كيف حلت بهم المصائب والبلايا والنكبات بسبب بعدهم عن دين الله وطاعته، وليس ما أصابهم ببعيد عنكم إذا فرطتم، أفلا تخافون الله وتخشونه؟! أفلا تتوبون إلى الله وتستغفرونه؟! أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ، (( إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ) )، وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ.

ما بال القلوب قد قست وأعرضت عن دين الله، تسمع المواعظ فلا تنتهي عن المعاصي، وتسمع داعي الله فلا تستجيب له ولا تلبي نداءه؟! يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ.

إن أعظم عقوبة يصاب بها المرء قسوة القلب، وإن أبعد القلوب من الله القلب القاسي، لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا. ولقد عاب الله على أقوام قسوة قلوبهم فقال: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.

أيها الناس، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، واستعدوا للعرض الأكبر على الله، وأروا الله من أنفسكم خيرًا، وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.

توبوا إلى الله فقد أمركم الله بها: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ، ورغبكم فيها: إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ، وإن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا أي: أفلح من زكَّى نفسه بالإيمان والعمل الصالح، وخاب من دسَّاها بالمعاصي والذنوب.

أقول قولي هذا...

الحمد لله حمدًا كثيرًا كما أمر، وأشكره وقد تأذن بالزيادة لمن شكر. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له على رغم أنف من جحد به وكفر، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله سيد البشر، اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وأصحابه السادة الغرر.

أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله وأطيعوه، والتزموا أمره واجتنبوا نواهيه، وتوبوا إليه واستغفروه لعلكم ترحمون.

أيها الناس، التوبة واجبة من كل ذنب، صغير أو كبير، وكل الناس خطاء، وخير الخطائين التوابون، والله أشد فرحًا بتوبة عبده من أحدكم براحلته، وما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة.

عباد الله، أروا الله من أنفسكم خيرًا، فالله قريب مجيب. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ.

هذا وصلوا وسلموا على خير البرية...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت