فهرس الكتاب

الصفحة 5132 من 5777

الحياء

الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب

خصال الإيمان, مكارم الأخلاق

خالد بن عبد الله الحمودي

جدة

مسجد الرحمة

1-أهمية الأخلاق الحميدة. 2- فضل خلق الحياء. 3- الحياء من صفات الله تعالى. 4- أسمى صور الحياء. 5- من آداب الإسلام. 6- الحياء المذموم. 7- خطورة انعدام الحياء.

معاشر المؤمنين، أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فالتقوى عز وشرف، وأهلها هم الفائزون، أسال الله أن يجعلنا جميعا من عباده المتقين.

معاشر المؤمنين، أيها الكرام، إن للأخلاق الحميدة في ديننا منزلة كبيرة، فقد أولى الشرع المطهر الأخلاق الحسنة اهتماما كبيرا، ورفع مكانتها. ومن تلكم الأخلاق خلق عظيم وخلق فاضل، هذا الخلق جميل في حق الرجال، وهو في حق النساء أجمل، اتصف به أشرف الخلق نبينا وحبيبنا ، عندما أراد أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن يصف هذا الخلق في النبي ، عندما أراد ذلك الصحابي الجليل أن يصف هذا الخلق الجليل في النبي قال: كان رسول الله أشدَّ حياء من العذراء في خدرها. رواه البخاري.

أيها الكرام، الحياء دليل على المروءة وعنوان على الشهامة وآية على حسن الخلق. الحياء ـ أيها الكرام ـ انكسار للعظيم وخجَل من الكريم واحترام للكبير. الحياء عزة في ثوب التذلّل، وشموخ في زيّ الانكسار، وهمة في رداء التواضع. الحياء من الحبيب يكسر حدّة البصر ويطأطئ عنفوان الرأس. الحياء ـ يا عباد الله ـ أمارة صادقة على طبيعة الإنسان، فهو يكشف عن قيمة إيمانه ومقدار أدبه.

إن خلق الحياء ـ يا عباد الله ـ من الأخلاق الحميدة التي حثَّ عليها ديننا، بل عدّها نبينا من شعب الإيمان، فقال بأبي هو وأمي: (( الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان ) )رواه البخاري.

وإن مما يرفع الحياء ويعلي من شأنه أنه صفة من صفات الله جل في علاه، فهو سبحانه حيي، يقول النبي: (( إن ربكم حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه يدعوه أن يردّهما صفرا ليس فيهما شيء ) )رواه الترمذي وصححه الألباني. إن حياءَه سبحانه من عبده هو حياء يليق بجلاله وعظيم سلطانه، لا تدرِكه ولا تكيّفه العقول، وهو حياء كرم وبرّ وجود وعطاء، قال بعض العلماء: وأما حياء الرب تبارك وتعالى من عبده فنوع آخر لا تدركه ولا تكيّفه العقول، فإنه حياء برّ وكرم وجود، فإنه سبحانه وبحمده كريم يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرا، ويستحي جلّ جلاله أن يعذّب شيبة شابة في الإسلام، فهنيئًا لمن شاب في الإسلام وخاف الله واتقاه واشتاق إلى لقاء مولاه الله جل في علاه، يستحي أن يعذّب من شاب في الإسلام، فيا ربّ يا ربّ لا تعذّبنا جميعا فإنّا نحبك.

عباد الله، إن الحياء خلق يبعث على ترك القبيح ويمنع من التقصير في حقّ ذي الحق، كل من له حق عليك تستحي أن تقصر في حقه، وقد مرّ النبي على رجل يعاتب أخاه في الحياء يقول له: إنك لتستحي حتى كأنّه قد أضرّ بك، فقال النبي: (( دعه، فإنّ الحياء من الإيمان ) )رواه البخاري، وقال عليه الصلاة والسلام: (( الحياء لا يأتي إلا بخير ) ).

أيها الكرام، إن أسمى صور الحياء تتجلّى ـ يا عباد الله ـ في الحياء من الخالق جل جلاله، فالحياء استشعار لعظمة الله واستحضار لهيبته ومراقبة لجلاله، وإذا كان الصحابة رضوان الله عليهم هم أكثر الناس بعد النبي حياء من الله وأشدّهم خجلا منه وخشية له ومراقبة لجلاله ومع ذلك يقول لهم النبي: (( استحيوا من الله حق الحياء ) )فما بالنا نحن الضعفاء؟! فما بالنا نحن الفقراء؟! يقول لهم: (( استحيوا من الله حقّ الحياء ) )، فقال رجل من الصحابة: قلنا: يا رسول الله، إنا نستحي والحمد الله، قال: (( ليس ذاك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، ولتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء ) )رواه الترمذي.

وهذا الحديث ـ يا عباد الله ـ يحوي كثيرا من آداب الإسلام ومناهج الفضيلة، فإن على المسلم تنزيه لسانه أن يخوض في باطل، وعلى المسلم تنزيه بصره أن ينظر إلى عورة أو يرمق شهوة، وعلى المسلم تنزيه أذنه من أن تسرق سرّا أو تسمع منكرًا وحراما، وعلى المسلم أيضا أن يفطم بطنه عن الحرام ويقنعه بالطيب الميسور، اقنع ـ يا عبد الله ـ بالطيب الميسور، واسأل ربك أن يبارك في القليل، ثم على المسلم أن يصرف أوقاته في طاعة الله وإيثار ما لديه من ثواب، فلا تستخفّنّه نزوات العيش ومتعُه الخادعة. جاء رجل إلى النبي فقال: يا رسول الله أوصني، واسمع وصية حبيبك ونبيك ، وهي وصية لهذا الرجل ولنا وللأمة حتى تقوم الساعة، قال عليه الصلاة والسلام: (( أوصيك أن تستحي من الله كما تستحي من رجل من صالح قومك ) )ذكره الألباني في السلسلة الصحيحة.

عجيب أمر بعض الناس الذين يتجرّؤون على انتهاك الحرمات ويهتكون ستر الحياء، ثم يمضي الواحد منهم دون خجل من ربّه أو حياة لقلبه أو وخز لضميره، قال تعالى: أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد: 7-10] ، يقول ابن القيم رحمه الله:"إن العبد متى علِم أنّ الرب ناظر إليه أورثه هذا العلم حياء من الله، فيجتذبه إلى احتمال الطاعة، وذلك كمثل العبد إذا عمل الشغل بين يدي سيده، فإنه يكون نشيطا فيه محتملا لأعبائه، ولا سيما مع الإحسان لسيده، والله عز وجل لا يغيب نظره عن عبده، فإذا ما غاب نظر العبد عن كون المولى ناظرا إليه تولد من ذلك قلة الحياء". والمقصود ـ يا عباد الله ـ أن الذنوب تضعف الحياء، وخلق الحياء ـ أيها الكرام ـ هو خلق يميّز أتباع هذا الدين كما قال النبي الكريم عليه من الله الصلاة والتسليم: (( إن لكل دين خلقا، وخلق الإسلام الحياء ) ).

أيها الكرام، ليس من الحياء في شيء حياء يمنع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ليس من الحياء في شيء حياء يمنع من المطالبة بالحقوق، ليس من الحياء في شيء حياء يمنع من التفقه في الدين، بل هذا يسمى عجزًا وضعفا، فقد كان النبي أشد حياء من العذراء في خدرها ومع ذلك في نفسه إذا انتهكت محارم الله احمر وجهه وعلا صوته واشتدّ غضبه لله جل في علاه.

نسأل الله جل جلاله أن يجملنا بهذا الخلق العظيم، وأن يهدينا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا هو، وأن يصرف عنا سيّئها، لا يصرف عنا سيئها إلا هو.

القول قولي هذا، وأستغفر الله، إن قلت صوابا فمن الله، وإن قلت خطأ فمن نفسي ومن الشيطان، فاستغفروا الله عباد الله، وتوبوا إليه، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له.

معاشر المؤمنين، إذا انعدم الحياء في نفس الإنسان فلا تسل عن أفعاله، ولا تتعجب من تصرفاته، يقول ابن مسعود رضي الله عنه: قال: (( إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت ) )رواه البخاري.

أين خلق الحياء ـ يا عباد الله ـ من رجل أو امرأة يعصي الله تبارك وتعالى في الخلوة وينسى أن الله مطلع عليه؟! أين خلق الحياء من شباب أو رجال يتبادلون الصور الخليعة في أجهزة الجوال عبر البلوتوث أو غيره لا يستحون من الله ولا يستحي أحد منهم من الآخر؟! أين خلق الحياء من فتاة تتكلم مع شاب أجنبي مكالمات مشبوهة؟! بل أين خلق الحياء من ذلك الشاب الذي يؤذي بيوت المسلمين بالتصيد لبناتهم ونسي ذلك المسكين أن ذلك سلف ودين وكما تدين تدان؟! أين خلق الحياء من شباب يجلس بعضهم إلى بعض فتصدر منهم الكلمات النابية والعبارات السفيهة والسباب القبيح؟! أين خلق الحياء من رجل بعد أن بلغ والداه الكبر واحتاجا إليه فإذا به يقابل تلك المعاملة الحسنة بالسنين الطوال بالنكران للجميل والعقوق؟! سبحان الله! أين خلق الحياء من امرأة تخرج من بيتها متعطرة متجملة تخالف بذلك أمر الله؟! بل أين خلق الحياء من امرأة تسافر بحجابها وما إن يعلن قائد الطائرة وصولهم إلى البلد الفلاني حتى تخلع حياءها وحجابها وتخالف بذلك أمر ربها؟! أين خلق الحياء من رجل يؤذي جاره ويتسلط عليه ويضايقه؟! بل أين خلق الحياء من رجل قاطع ذوي رحمه ولم يصلهم بسبب تافه وبعضهم بغير سبب والعذر في ذلك أنه مشغول؟!

أيها الكرام، إن خلق الحياء شامل لجميع جوانب الحياء، في التعامل مع الله جل في علاه، في التعامل مع الوالدين، في التعامل مع الزملاء، في التعامل مع الأقارب والجيران، في التعامل مع كبار السن، ولله در من قال:

إذا لم تخش عاقبة الليالي ولم تستحي فاصنع ما تشاء

فلا والله ما في العيش خير ولا فِي الدنيا إذا ذهب الحياء

يعيش المرء ما استحيا بخير ويبقى العود ما بقي اللحاء

قال عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: (من قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه) ، وأيّ خير ترجوه ممن مات قلبه؟! كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: 14] .

أيها المسلم، أيتها المسلمة، أيها المسلمون جميعا، ربوا في أنفسكم خلق الحياء، فمن الحياء ما يكون غريزة في العبد، ومنه ما يحتاج المرء إلى اكتسابه وتهذيب نفسه عليه، فاحرص عليه أيها المبارك، واتصف به كما اتصف نبيك وحبيبك ، وتذكر دائما واجعل ذلك نصب عينيك: (( الحياء لا يأتي إلا بخير ) ).

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت