الرقاق والأخلاق والآداب, فقه
آفات اللسان, الأيمان والنذور
محمد الرزقي الورتاني
بنزرت الجنوبية
جامع الهداية
1-ظاهرة التهاون بالأيمان. 2- الأمر بحفظ الأيمان وكيف يكون. 3- كفارة اليمين. 4- خطورة اليمين الغموس. 5- الحث على الصدق في القول والعمل.
أيها الأحبة في الله، موضوع خطبة اليوم هو حفظ الأيمان، هذا الموضوع أتناوله على مسامعكم الكريمة لأسباب كثيرة، منها ما ابتلِينا به من كثرةٍ للحلف بالله والحلف بأغلظ الإيمان دون تروٍّ ودون تمعّن ودون تدبّر لما في ذلك من آثام وسيئات يرتكبها الإنسان بالحلف بالله وهو كاذِب، ويأتي الكثير ممن تعوّدوا القول على الله بغير علم وقد كثروا بيننا فيفتون بما لا علاقة للدّين به.
يقول الحق سبحانه وتعالى في الآية 89 من سورة المائدة: وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ، وهو أمر من الحق سبحانه بحفظ الإيمان.
وحفظ الأيمان يكون بأمور عدة وبأمور عديدة، وذلك رأفة من الله ورحمة بنا حتى لا نجعل الله عرضة لأيماننا. من هذه الأمور أن لا يكون فيها تسرّع، أي: أن لا يحلف الإنسان متسرِّعا، فهناك من أخَذ لسانه على كثرة الأيمان، ومن اتّصف بهاته الصفة الخسيسة وهي كثرة الأيمان رتّبه الله سبحانه وتعالى في مصاف الهمازين المشائين في الناس بالنميمة، وفي الحديث الشريف: (( لا يدخل الجنة نمام ) )، والنمام يدخل في مراحل العذاب مبكِّرا، أي: يبدأ معه العذاب في القبر قبل أن يأتي عليه عذاب يوم البعث والنشور يوم القيامة، عدهم الله سبحانه وتعالى ضمنَ منّاعي الخير، أولئك الذين يمنعون فعل الخير، عده ربّه من المعتدين: عُتُلٍّ أي: جاف قاسي القلب عديم الفهم، بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ أي: ولد الزنا. كل ذلك وما في ذلك من عذاب الله سبحانه وتعالى وغضبه على الذين تعوّدوا كثرةَ الحلف بالأيمان كذبا وبدون لزوم لذلك، يقول جل من قائل: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ [القلم: 10-13] . صفات كثيرة خسيسة لا تليق بالمسلم، يصبح متَّصفا بها إن هو تعوَّد كثرة الأيمان، وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا [البقرة: 224] .
أيضا أن لا توقع ـ أيها المؤمن ـ اليمين إلاّ على أمر أنت مضطرّ إليه، وأن تعظِّم تلك اليمين تعظيم مؤمِن لها حقًّا، وإذا وقعَت منك يمين قابلة للكفّارة فلتحافظ فيها على مكانة وقدسيّة اليمين؛ بأن تؤدّي كفارتها وخاصّة إذا أردتَ مخالفة ما حلفتَ عليه، فأين نحن من كفارات اليمين ونحن نحلف اليمين الكاذبة في اليوم المرات العديدة المتتالية؟! أخذت ألسنتنا على ذلك. وللعلم أيها الأحبة في الله، إن كفارة اليمين تتكرّر بنسبة تكرّر اليمين الكاذبة، وهذا من بابِ الرّدع حتى لا تتكرّر منا الأيمان التي لا داعيَ لها.
ويكفي أن تعرف ـ أيها المؤمن ـ أن كفارة اليمين ليست بالشيء الهين، فأوّلها إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، وهذا الإطعام ينبغي أن لا يكون لشخصٍ واحد، بل لا بد أن يكون لأشخاص مختلفين أو كسوتهم أو تحرير رقبة أو صيام ثلاثة أيام متتالية متتابعة، ولا يأتي الصيام إلا في آخر مراحل الكفارة الثلاثة. الكثير من الناس يذهب مباشرة إلى الصيام، هذا إن عرفَ مكانة اليمين، فالواجب هو اتباع مراحل الكفارة التي هي الإطعام أو الإكساء أو تحرير الرقبة، وفي آخر المراحل أي: عند التعذّر فالصيام، والصيام هنا هو صيام واجب أي: تتحتم فيه شروط صيام الفرض، مثلا أنه لو أراد صيام كفارة ثم فسد هذا الصيام كمَن يأتي زوجته مثلا، فعليه كفارة اعتداء على الصيام التي هي صيام شهرين متتالين. واقرؤوا إن شئتم قول الحق سبحانه وتعالى الكريمة حيث يقول جل شأنه: لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة: 89] .
يقول الحبيب المصطفى: (( إني لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت يميني وأتيت الذي هو خير ) )هذا الحديث أخرجه البخاري في باب الأيمان تفسيرا لقول الله سبحانه وتعالى: لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ، وكذلك الإمام مسلم في الأيمان من حديث أبي موسى الأشعري.
ومن المحافظة على اليمين أن تكون صِدقا، أن تكون صادقا في يمينك بعيدا عن الكذب فيها، وقد ألزم الله سبحانه وتعالى المسلمين بالصّدق في أيمانهم، وألزم كذلك قبول يمين من حلف إذا لم يستبن كذبه وباطِله، يقول: (( من حلف بالله فليصدُق، ومن حلِف له بالله فليرضَ، ومن لم يرض فليس منا ) )أخرجه ابن ماجة في كفارات اليمين.
أيها الأحبة في الله، إن الكذب في الأيمان كبيرة من كبائر الذنوب، موجبة لسخط الله ولغضبه ولعذابه في الدنيا وفي الآخرة، متوعَّد من أقدم عليها بالنار والحرمان من الجنة والعياذ بالله، يقول في ذلك رب العزة والجلال: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [آل عمران: 77] .
فالمؤمن عليه إن أراد أن يحلف أن يتأكد من يمينه، وليحذر أن تكون هذه اليمين يمينَ غموس يمينَ كذب يمينَ فجور يمين باطل، فإنّ اليمين تعظيم لله سبحانه وتعالى، ولا يليق بالمؤمن أن يعظّم الله جل شأنه على أمر لا حقيقةَ له، على أمر كلّه كذب وافتراء وباطل، فهذا لا يليق بالمسلم.
الحبيب المصطفى يحذّرنا من اليمين الغموس ويعلِمنا أنها من الكبائر، لما سئل عن ذلك، سئل عن الكبائر، قال: (( الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس ) )أخرجه البخاري في الأيمان باب: اليمين الغموس، فقرن اليمين الغموس بالإشراك بالله وعقوق الوالدين.
ومعنى اليمين الغموس ـ كما قاله صاحب المعجم الوسِيط ـ هي اليمين التي تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار، تغطس صاحبها في الإثم أي: الآثام والمعاصي ثم تغطسه في النار.
وفي الحديث الشريف أنها أي: هذه اليمين الغموس تذر الدّيار بلاقع، أي: تخلي الديار.
هذه اليمين الخطرة نحن نعيش معها ونعايشها ونتفلسَف فيها، لا حول ولا قوّة إلا بالله، حتى إن البعض أصبح يفتي لنفسِه ولغيره فيقول: إن الكذب في المصالح جائز، نسأل الله العافية ونعوذ به من الردى بعد الهدى.
وقد قال في هذا الصدَّد مؤلف كتاب"الزواجر عن اقتراف الكبائر"ما معناه أن كثرة الأيمان وإن كانت صدقا فهي قد تصل إلى الكبائر، والحق في ذلك يخبرنا: وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاّفٍ مَهِينٍ ، والحلاف هو كثير الحلف والقسم، لا يبالي بحلفه ولا بقسمه، ولا يتقي الله في ذلك.
يقول الصادق المصدوق في موضع آخر: (( من اقتطع مال امرئ مسلم بيمين هو فيها كاذب أوجب الله له النار ) ). وفي موضع آخر يعلمنا ويخبرنا أنّ من اقتطع مال امرئ مسلم مستعملا في ذلك يمينا كاذبة فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة، قالوا: يا رسول الله، ولو كان يسيرا؟! فقال: (( ولو كان قضيبا من أراك ) )أخرجه مسلم في باب الأيمان. وفي موضع آخر رواه الإمام مسلم من حديث أبي ذر الغفاري قال: (( ثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولهم عذاب أليم ) )، ومنهم: (( رجل جعل الله بضاعته، لا يبيع إلا حالفا بالله، ولا يشتري إلا حالفا بالله ) )أو كما قال.
أحبتي في الله، إن الأيمان الفاجرة ممحقة للبركة، أي: تمحق البركة وتمنع نزولها، إنها تضعف الإيمان، إنها سبب لحلول العقوبات الإلهية في الدنيا وفي الآخرة، إنها سبب لنقمة رب العالمين، فالكاذب الفاجر في يمينه وإن فاز بها وقتا فلا بد أن تدركه العقوبات الإلهية في الدنيا حيث تتَتالى عليه المصائب في المال أو في الولد أو في قلة البركة أو في الصحّة، فلا تجده إلا متخبّطا في المشاكل والمآسي كما يقال:"يرفع ساقا فتغرق أخرى".
فيا أيها المسلم، كن صادقا في يمينك، وابتعد عن الكذب فيها مهما كانت الأحوال، ولا تقل: هذا شيء بسيط لا حرج في الحلف فيه، فالله سبحانه وتعالى يقول: وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ [النور: 15] .
واعلم ـ رحمك الله ـ أن الصدق طمأنينة والكذب ريبة، ومن لزم الصدق جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب ويسّر له أموره، أما الكاذب فهو ممحوق البركة في الرّزق وفي العمر وفي الولد، وكتب عند الله من الكذابين يوم القيامة.
اللهم ارزقنا الصدق في القول والإخلاص في العمل، وجنبنا الفواحش والزلل، واحشرنا في زمرة من يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ويسّر علينا ذلك، فإنك وليه والقادر عليه.
أقول ما سمعتم...
لم ترد.