فهرس الكتاب

الصفحة 5041 من 5777

الزهد في الدنيا

الرقاق والأخلاق والآداب

الزهد والورع

سعد بن عبد الله الحميد

الرياض

غير محدد

1-زهد الصحابة رضي الله عنهم. 2- افتتان المسلمين في هذا العصر بالدنيا. 3- آثار استيلاء حب الدنيا على القلوب. 4- حقيقة الحياة الدنيا.

أما بعد: أيها الناس، فقد أخرج البخاري في صحيحه عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أُتي بطعام وكان صائمًا، فقال: قُتل مصعب بن عمير رضي الله عنه وهو خير مني، فلم يوجد له ما يُكَفَّن فيه إلا بُردة، إن غطي بها رأسه بدت رجلاه، وإن غطي بها رجلاه بدا رأسه، ثم بُسِط لنا من الدنيا ما بُسِط ـ أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا ـ، قد خشينا أن تكون حسناتنا عُجِّلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام.

وأخرج البخاري ومسلم عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: هاجرنا مع رسول الله نلتمس وجه الله، فوقع أجرنا على الله، فمنا من مات ولم يأكل من أجره شيئًا، منهم مصعب بن عمير رضي الله عنه، قتل يوم أحد وترك بردة، فكنا إذا غطّينا بها رأسه بدت رجلاه، وإذا غطينا رجليه بدا رأسه، فأمرنا رسول الله أن نغطي رأسه ونجعل على رجليه شيئًا من الإذخر، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يَهْدِبُها.

عباد الله، تأملوا حالنا وما بسِط علينا من الدنيا وفتح، كم من أصناف الطعام نأكل! وكم يعرض أمامنا من أنواع الفواكه التي تجلب من آخر بلاد الدنيا ومنها ما لا نعرفه! وكم من فاخر الثياب نلبس! وكم من المراكب الفخمة نركب! وكم من القصور المشيَّدة نسكن! وكم من الفرش الوثيرة نرقد عليها! وكم من المقاعد الناعمة والأرائك الوثيرة نجلس عليها ونتكئ! وكم من الأموال نرصد! ثم لننظر فيما فقدمنا للآخرة.

إن ما بسط على هؤلاء الصحابة الذين سمعتم الحديث عنهم قليل جدًا بالنسبة إلى ما بسط علينا، وما قدموه للآخرة من الأعمال الصالحة ليس عندنا منه إلا أقلَّ من القليل إن كان عندنا منه شيء، ومع هذا خافوا هذا الخوف أن تكونَ حسناتهم عجِّلت لهم، فبكى بعضهم حتى ترك الطعام مع شدّة حاجته إليه بعد الصيام، فجمعوا رضي الله عنهم بين إحسان العمل والخوف من الله ومحاسبة النفس، ونحن جمعنا بين الإساءة وعدم الخوف من الله، نأكل من نعَم الله ونتمتع بها ونبارزه سبحانه بالمعاصي، وكأننا لم نسمع قوله سبحانه: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ.

كم من الناس نراهم يتراكضون لطلب الدنيا مسرعين مخافة أن تفوتهم، ونراهم يتأَخّرون عن حضور المساجد لأداء الصلوات الخمس التي هي عمود الدين، ونراهم يجلسون في الشوارع والدّكاكين الساعات الطويلة، وقد يقاسون شدّة الحر لطلب الدنيا، بينما لا نراهم يصبرون على الجلوس دقائق معدودةً في المسجد لأداء الصلاة أو تلاوة القرآن. وكم نرى من شباب المسلمين من يتسابقون إلى ملاعب الكرة ويدفعون الأموال للحصول على تذاكر للدخول، ثم يحتشدون فيها ألوفًا مؤلّفة، وربما قضوا الساعات الطويلة واقفين على أقدامهم شاخصة أبصارهم ناصبة أبدانهم مبحوحة أصواتهم، يتابعون اللعب ولمن تكون الغلبة، يتحملون كل هذه المتاعب في سبيل اللهو والغفلة، وإذا دعوا إلى حضور الصلوات في المساجد بـ"حيَّ على الصلاة حيَّ على الفلاح"أعرضوا عن داعي الفلاح، وكأن المؤذن يدعوهم إلى سجنٍ أو عقوبة، وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لاَ يَرْكَعُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ، يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ.

إن كثيرًا من الناس أصبح يصبر على تحمّل المشاقِّ في طلب الدنيا ولا يصبر على أدنى مشقّة في طاعة الله، ونراهم يغضبون إذا انتُقص شيء من دنياهم ولا يغضبون إذا انتُقص شيء من دينهم، وكثير من الناس لشدة حبه للدنيا لا يقنع بما أباح الله له من المكاسِب، فتجِده يتعامل بالمعاملات المحرّمة والمكاسب الخبيثة؛ من الربا والرشوة والغش في البيع والشراء، بل يفجر في خصومته، أو يقيم شهادة الزور ليستولي على مال غيره بغير حق، وهو يسمع قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة: 278، 279] ، وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ [النساء: 29] ، وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [آل عمران: 77] .

لقد استولى حبّ الدنيا على القلوب فآثرتها على الآخرة، فبعضهم شغلته الدنيا عن الصلاة، وإذا صلى فقد لا يصليها مع الجماعة، أو قد يؤخرها عن وقتها، وحتى في أثناء صلاته تجد قلبه منصرفًا عن صلاته إلى الدنيا، يفكر فيها ويعد أمواله ويتفقد حساباته ويتذكر ما نسي من معاملاته، وكثير من الناس حملهم حب الدنيا وإيثارها على الآخرة على البخل والشح بالنفقات الواجبة والمستحبة حتى بخل بالزكاة التي هي ركن من أركان الإسلام.

عباد الله، حلال هذه الدنيا حساب، وحرامها عقاب، ومصيرها إلى الخراب، ولا يركن إليها إلا من فقد الرشد والصواب، فكم من ذهاب بلا إياب، وكم من حبيب قد فارق الأحباب وترك الأهل والأصحاب، إنها رحلات متتابعة إلى الدار الآخرة لا تفتر، يذهب فيها أفراد وجماعات، وآباء وأمهات، وملوك ومماليك، وأغنياء وصعاليك، ومؤمنون وكفار، وأبرار وفجار، كلهم سيودِّعون هذه الحياة، وينتقلون إلى الآخرة، ويُودَعون في قبور مظلمة، ينتظرون البعث والنشور.

فيا عباد الله، كيف آثرنا هذه الحياة على ما عند الله؟! كيف شغلتنا أموالنا وأولادنا عن ذكر الله؟!

أيها الإنسان، مهما عشت وجمعت فإنك ميت راحل، وما في يديك زائل، ولا يبقى لك إلا عملُك، إنك خرجت إلى الدنيا من بطن أمك ليس معك شيء، وستخرج منها إلى القبر ليس معك منها إلا ما عملت، وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ [الأنعام: 94] . إنك مررت بالدنيا في طريقك إلى الآخرة، وأتيحت لك الفرصة لتأخذ منها زادًا لسفرك، فأنت بمنزلة المسافر الذي هبط إلى السوق ليأخذ منه زادًا يبلغه في سفره ومسيره، فليس لك من هذه الدنيا إلا ما تزوّدت به للآخرة، وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة: 197] .

جعلني الله وإياكم ممن إذا ذُكِّر تذكَّر، وإذا أذنب استغفر، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت