فهرس الكتاب

الصفحة 4922 من 5777

مكفرات الذنوب

الرقاق والأخلاق والآداب

التوبة, الفتن, الكبائر والمعاصي

عاصم بن لقمان يونس الحكيم

جدة

جامع جعفر الطيار

1-تعريف الكبائر. 2- أعمال توجب تكفير الذنوب. 3- الحث على التوبة. 4- المصائب من أسباب تكفير الذنوب.

أما بعد: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: (( الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر ) ).

عباد الله، في هذا الحديث العظيم نجد أن النبي يقسم الذنوب إلى صغائر وكبائر، ويشهد لذلك قول الله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا [النساء:31] . والكبيرة هي كل ذنب توعد الله مرتكبه بعذاب أو نار أو لعن أو حد في الدنيا، وليست الكبائر منحصرة في السبع الموبقات، بل هي ـ كما يقول ابن عباس ـ إلى السبعمائة أقرب.

ولقد أرشد الله تعالى العصاة إلى ما يمحو به الذنوب ويكفر السيئات، فأوجب عليهم التوبة والاستغفار، قال الله تعالى: وَأَنْ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [هود:3] ، فالاستغفار دعاء، بمعنى طلب المغفرة من الله بمحو الذنب وإزالة أثره ووقاية شره. وأما التوبة فهي الإقلاع عن الذنب والعزم على عدم العودة والندم الشديد على التفريط في جنب الله.

عباد الله، لقد جُبل الإنسان على الخطأ والنسيان وعلى الذنب والعصيان، ومن رحمة الله تعالى بنا أن فتح لنا بابًا نلج منه لطلب الصفح والغفران من الرحيم الرحمن، فالصغائر والسيئات يمحوها اجتناب الكبائر وفعل الأعمال الصالحة المستغرقة للأوزار، ومن هذه الأعمال هذا الحديث الذي بين أيدينا، فالصلوات الخمس والجمعة ورمضان وغيرها من الأعمال تكفر السيئات إذا اجتنب الإنسان الكبائر، كذلك الحج المبرور ونحن مقبلون على موسم الحج، ومن توضأ فأحسن الوضوء وصلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، وأيضا من وافق تأمينه في الصلاة تأمين الملائكة. والصلاة التي يتهاون بها أكثر المسلمين هي من أعظم ما يكفر الله به السيئات، فعن أبي سعيد الخدري أن النبي قال: (( ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط ) ).

والله تعالى ما شرع لنا تلك العبادات إلا لعلمه بضعف عباده وتقصيرهم، فشرع لهم ما يتقربون به إلى الله تعالى ويتوبون به عن غيهم وعصيانهم، ولقد حث الله تعالى عباده على التوبة، بل إن الله تعالى عرض التوبة على من خد الأخاديد وملأها نارا وأحرق عباده وأولياءه، فقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ [البروج:10] ، وعرضها على من أشرك به وقتل النفس التي حرم ووقع في فاحشة الزنا، فقال عز من قائل: إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ [الفرقان:70] . فعلى كل من أذنب وأسرف في جنب الله أن يعجل بالتوبة؛ لأن الله تعالى يبدل سيئات من عصاه حسنات إن كانت توبته نصوحا، بمعنى أن الله يبدل شركه إسلامًا وإيمانًا، وبطشه وقتله سلمًا وأمانًا، وزناه عفةً وإحصانًا. وقيل: بل تبديل السيئات على ظاهره، فبعد أن يمحص الله عباده المذنبين في نار جهنم وينقيهم فإنه يبدل مكان كل سيئة حسنة، وقد يكون التبديل بلا عذاب في الآخرة إذا تطهر العبد من ذنوبه في الدنيا.

أقول قولي، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

أما بعد: يقول ابن القيم:"لأهل الذنوب ثلاثة أنهار عظام يتطهرون بها في الدنيا، نهر التوبة النصوحة، ونهر الحسنات المستغرقة للأوزار المحيطة بها، ونهر المصائب العظيمة المكفرة، فإن أراد الله بعبده خيرًا أدخله أحد هذه الأنهار الثلاثة، فإن لم تف بتطهيرهم في الدنيا طُهِّروا في نهر الجحيم يوم القيامة."

واعلموا ـ عباد الله ـ أن نهر المصائب العظيمة المكفرة ما نجا مؤمن من وروده، بل ربما تكون كثرة المصائب دليلا على مكانة العبد عند ربه أو لكثرة ذنوبه، يقول النبي: (( إذا أحب الله قوما ابتلاهم ) )، ويقول النبي: (( أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل ) ). فينبغي على المسلم أن يصبر ويحتسب؛ لأن سيد الخلق ابتلي بالعظيم من المصائب رفعا لدرجته ومكانته، فقد تعرض له المشركون بالأذية باللسان واليد، بل واتُّهِم في عرضه الطاهر الشريف، وهذا هو حال المسلم عند مجابهته لمثل تلك المصائب، الصبر والاحتساب رغبة فيما عند الله، وتيقنا أن ما أصابه فهو بسبب ذنوبه، قال النبي: (( ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حُزن ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه ) ). فالفقر والمرض من المصائب العظيمة، والابتلاء في الدين من المصائب التي لا يملك المسلم إلا الصبر عليها، فكم من صالحة ابتُليت بزوج فاسق ينهاها عن الحجاب ويأمرها بالاختلاط ويُدخل بيتها ما لا يرضاه الله ويأباه دينها والعياذ بالله، وكم من شاب صالح تعرض له أقاربه بالأذية؛ لأنه التزم بشرع الله وترك كل ما يخالف دين الله تعالى.

عباد الله، إن ديننا دين عظيم، فإن ضعفت نفسك يوما وعصيت الجليل الجبار فبادر بالتقرب إليه تعالى بالأعمال الصالحة من صوم وصدقة وبر الوالدين وصلة الأرحام، وعلى رأس ذلك كله تقرب إلى ربك بالصلاة؛ لأن الله تعالى يقول: وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود:114] . فإن كانت الصلاة تُقام والمسلمون يصلون وأنت لا تصلي معهم فكيف تريد من الله تعالى أن يغفر لك إساءتك وتفريطك؟!

ويكفيك ـ يا عبد الله ـ في خضم الأمواج المتلاطمة من الذنوب والفتن أن تخلص وجهك لله وأن تتبع سنة نبيه ، وبعد ذلك كله فهنالك رحمة الله الواسعة؛ إذ هو تعالى الذي يجبر النقص ويقبل التوبة ويغفر الذنب ويفتح الباب أمام العائدين إلى ربهم الطامعين في ولوج جنته ومستقر رحمته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت