الرقاق والأخلاق والآداب, العلم والدعوة والجهاد
التربية والتزكية, مكارم الأخلاق
سامي بن عبد العزيز الماجد
الرياض
جامع الرائد
1-حقيقة الخُلق الحسن. 2- فضائل الأخلاق الحسنة. 3- الأخلاق الفاضلة منها ما هو جبلي ومنها ما هو مكتسبٌ بالتخلق والمجاهدة. 4- العبادات وأركان الإسلام العملية تسهم في تهذيب النفس وترويضها على الأخلاق الفاضلة.
أيها الأحبة في الله، كما اجتمعت أبداننا في هذا المكان المباركِ فقد اجتمعت قلوبنا على أمر لا تختلف فيه، كان من أثره هذا الاجتماعُ في هذه الساعة، ألا وهو محبة النبي ، فأيُّنا لا يحب النبي ؟! وأينا لا يطمع أن يكون من أحب الناس إليه؟! وأينا لا يود أن يكون قريبَ المجلس منه يوم القيامة؟!
ما منا من أحد إلا وهو يحبه ، وما منا من أحد إلا وهو طامع أن يكون من أحب الناس إليه، وما منا من أحد إلا وهو يرجو أن يكون من أقرب الناس إليه مجلسًا يوم القيامة، فما القرب إليه في ذلك اليوم إلا قرب من الجنة وبعد عن النار ودُنوٌّ من رحمة الله.
ولكن الأماني لا تُنال بالتمني، وما كل ما يتمنى المرء يدركه، لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا [النساء:123] .
فأي شيء هذا الذي يضمن القرب إلى الحبيب يوم القيامة ويجعل المرءَ محبوبًا إليه؟ أَمَا إنه ليس بكثرة الصلاة والصيام والحج، وليس هو بالمبالغة في الزهد والإعراض عن الدنيا، فيكفيه من ذلك القدرُ المفروض، وما زاد عن الواجب فتركه لا يحرم فضيلةَ القرب من الحبيب.
إن هذا الذي يضمن له القرب من الحبيب مع التزام الفرائض لا يتطلب بسطة في الجسم ولا بسطة في العلم ولا جاهًا ولا وقتًا تفرغ فيه له، إنما هو حُلّةٌ يلتزم المرءُ لُبسَها فلا ينزعها عنه حتى يتوفاه الله، وهذا هو شرطه الوحيد.
أما هو فما عساه أن يكون إلا حُسْنَ الخُلُق؟! قال: (( إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا ) )، والخطاب كما هو ظاهر متوجه للمؤمنين ممن أكملوا شروط الإيمان وأتوا بأركان الإسلام، وإلا فحسن الخلق وحده لا ينفع. كما يدل مفهوم الحديث على أن سيئ الخلق من أبعد المؤمنين مجلسًا عن رسول الله ولو فَضَل غيرَه بكثرة عبادة وزهد.
أما حقيقةُ حسنِ الخلق فهو طلاقة الوجه وبذل الندى وكف الأذى، أي: بذل الخير وكف الشر.
وأما فضائله فإليكموها في هذه الأحاديث الثابتة: قال: (( أكمل الناس إيمانًا أحسنهم خلقًا ) )، وقال: (( أنا زعيم ـ أي: ضامن ـ ببيت في أعلى الجنة لمن حسُن خلقه ) )رواه أبو داود بسند صحيح، وقال: (( إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم ) )أخرجه أبو داود بسند صحيح، وسئل: ما أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ فقال: (( تقوى الله وحسن الخلق ) )، وقال: (( البر حسن الخلق ) )، وقال: (( ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حَسَن، وإن الله ليبغضُ الفاحش البذيء ) ).
حسن الخلق قِوام صلاح الدنيا والآخرة، تقوم عليه مصالحهما، وهو ضمانة لعُشّ الزوجية ولاستقرار الحياة الأسرية، ففي الحديث الصحيح: (( لا يفرك مؤمن مؤمنة؛ إن كره منها خلقًا رضي منها آخر ) ). ولا يهدم البيوت شيء كما يهدمها قلة الوازع وسوء الخلق، من العناد والبخل والغلظة والخيانة والكذب والحمق والفجور في الخصومة، ولا يصلحها شيء كما يصلحها تقوى الله والمخالقة بالخلق الحسن، من الرحمة والصبر والحلم والتواضع وحسن الظن ولِين الجانب وطيب النفس وسخائها.
على أن الأخلاق الفاضلة والخصال الحميدة لا تولد مع الإنسان بالضرورة، فالواقع يشهد أن منها ما هو جِبلِّي، كما في قوله لأشج عبد القيس: (( إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحِلمُ والأناة ) )، قال: يا رسول الله، أشيءٌ تخلقتُ به أم شيءٌ جبلني اللهُ عليه؟! فقال: (( بل الله جبلك عليهما ) )، فقال: الحمد لله الذي جبلني على خلتين يحبهما الله ورسوله. رواه مسلم.
ومنها ما هو مكتسبٌ بالتخلق والمجاهدة، وهذا من ضروب التكليف التي يجب على كل مسلم أن يجتهد في امتثاله غايةَ وسعه.
فمن جبل على خصلة فاضلة فليحمد الله، وليقم بواجب شكرها، وليجتنب كل ما يزاحمها أو يهددُ بقاءها، على أنه ليس كل ما جبل عليه الإنسان مضمونَ البقاء، فإن منه ما يضعف أو يذهب بطول المخالطة للصحبة السيئة وبتبوّءِ البيئة الفاسدة.
ومن افتقد في نفسه خصلةً من دعائم حسن الخلق فليجتهد في التخلق بها وليجاهد نفسه على التزامها، فإن ذلك من أوجب جهاد النفس، ومن جاهد في الله ولله كان الله معه هاديًا ونصيرًا، وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69] .
وليس كل من افتُقدتْ فيه خصلة من خصال الخير معذورًا أن لا يتخلق بها لأنه لم يُجبل عليها، وما كل من وجدتْ فيه خصلة سيئةٌ معذورًا أن لا ينفك عنها وينبذَها، بل من افتُقدتْ فيه خصلة من خصال الخير مأمورٌ أن يجاهد نفسه على التخلق بتلك الخصلة المحبوبة، ومن وجدتْ فيه خصلة سيئةٌ مأمور أن يجاهد نفسه في الانفكاك عنها.
وكما يكون العلم بالتعلم فإن الأخلاق بالتخلق والصبر بالتصبُّرِ والحِلمَ بالتحلم، وفي الأثر: (( إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم، ومن يتحرّ الخير يُعطه، ومن يتوقَّ الشرَّ يوقه ) )، وقال: (( من يستعفف يعفّه الله، ومن يستغنِ يُغنهِ اللهُ، ومن يصبر يصبِّره الله ) )متفق عليه.
فإذا اجتهدا في ذلك حتى استفرغا غاية وسعهما فعسى أن يكون ما بقي مما عَجَزا عنه معفوًا عنه مغفورًا برحمة الله الذي قال: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا [البقرة:286] ، لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا [الطلاق:7] .
والمهم صدقُ المجاهدة والمتابعة والإخلاص والالتجاء إلى الله والاستعانة به بصدق. وما منا من أحد إلا وفيه من الخصال السيئة ما يوجب عليه مجاهدتها والتعالي عليها، فالنقص مركّب فينا بما تقتضيه الطبيعة البشرية، غير أنها لا تعفينا من ضرورة تهذيب الأخلاق بالتربية والمجاهدة.
وقد أرشدنا المصطفى إلى خير ما يعيننا على ذلك، وهو اللجوء إلى الله والتضرع إليه بدعائه بلهجةٍ صادقة وقلب حاضر، وكان من دعائه قوله: (( اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت ) )، وفي الدعاء المأثور: (( اللهم كما حسَّنت خَلْقِي فحسِّن خُلُقي ) ).
وفي تكاليف الشريعة ما يعين على التخلق بالأخلاق الفاضلة وتهذيب النفس من سيئها، فها هي العبادات وأركان الإسلام العملية تهدف فيما تهدف إليه إلى تهذيب النفس وترويضها على الأخلاق الفاضلة.
فهذه الصلاة شرعتْ لتنهى عن الفحشاء والمنكر، والفحشاء كل ما يفحش من قول أو عمل، وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَر ِ [العنكبوت:45] .
وهذه الزكاة شرعت تزكيةً للنفس وتطهيرًا لها من الخصال المذمومة كالبخل والشح والحرص والشرَهِ، خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة:103] .
وهذا الصوم فيه تربيةٌ على الاستعفاف وكف الأذى، وما فُرض الإمساك عن الطيبات إلا تربيةً للنفس لتمسكَ عن المحرمات، ولا يليق بالشرع الحكيم أن يأمر الناس بالإمساك عن الطيبات ويُغضي عن المحرمات ليرتعوا فيها، فما نُهوا عن الطيبات في زمن مخصوص إلا لترويض نفوسهم على الانتهاء عن المحرمات التي منها سوء الخلق، ولذا قال: (( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ) )، وقال: (( إذا أصبح أحدكم يوما صائما فلا يرفث ولا يجهل ـ أي: لا يغضب ولا يسفه ـ، فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل: إني صائم إني صائم ) ).
وهذا الحج جعله الله ميدانًا تُبلى فيه النفوس وتمتحن فيه الأخلاق، ولم يَخْفَ عليه سبحانه ما سيكون في الحج من الضنك والزحام والمشاحاةِ، ولو شاء لجعل ميقاتَه العامَ كله، ولكنه بحكمته البالغة أراد للنفوس أن تمتحن وتمحّص أخلاقها في موطن لا يحتمل التصنع ولا يقوى فيه الادّعاء بشيء من فاضل الأخلاق على الثبات، فقال تبارك وتعالى: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة:197] وقال نبيه: (( من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدتُه أمُّه ) ).
فها هي أركان الإسلام وعباداتُه على اختلافها تلتقي في هذه الغاية من تهذيب الأخلاق وترويض النفس عليها، كما تلتقي في غايات أخرى. فهل يدهَشُنا أن تكون بعثةُ النبي إنما هي لتتميم مكارم الأخلاق وقد ظهر جليًا أن ما أمر به من العبادات الظاهرة والباطنة تربي على مكارم الأخلاق وتهذيب النفوس؟!
ومن هنا كان أولى الناس وأحراهم بحسن الخلق هو من كان أكثرَهم عبادة وألزمَهم للطاعة؛ إذ الطاعة والعبادة تقتضيان تهذيب الأخلاق وتربيةَ النفس على الفضائل وزمَّها عن الرذائل، كما أنه أولاهم بالعتب والتبكيت حين يتطبع على سوء الخلق؛ لأنه قد داوم على ما يربي على التخلق بالأخلاق الفاضلة من شعائر الإسلام، ثم لم يظهر أثرها عليه.
أيها الأحبة، ولا يزال سوء الخلق بصاحبه حتى يدعه مفلسًا في ساعة لا تعويض فيها عن لحظة تفريط، ولا استطاعة له أن يستزيد من الخير ولو بذرةٍ، وأغبن الإفلاس ما يأتي به سوء الخلق؛ لأن سيئَ الخلق قد تكون له أعمال صالحة، فتذهبُ حسناتُها عليه بسوء خلُقِه، قال: (( فيأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد ضرب هذا وشتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخِذ من خطاياهم فطُرِحتْ عليه، ثم طرح في النار ) ). فهذا هو المفلس حقا ولو كانت له أعمالٌ صالحةٌ، فسوء خلقه أذهبها، فأصبح كأنما تطوع لغيره.
أما بعد: فإن التأكيد على التخلقِ بالخلق الحسن وبيانَ منزلته لا يعني التزهيدَ في واجبات الشريعةِ الأخرى، فمهما كانت منزلةُ حسن الخلق فإنها لا تهوِّن من شأن فرائضِ الإسلام الأخرى وشعائره، من صلاة وصيام وصدقةٍ ونسك والتزام للسنة ولهجٍ بذكر الله، إلى غير ذلك.
إن أهم ما يعنيه هذا التأكيد على أهمية الأخلاق هو لفت الأنظار إلى أن الإسلام ليس عبادة فحسب، وأنه يقتضي حسن الخلق كما يقتضي التقوى والعبادة. وقد جمع بين الأمرين في الأهمية قولُه: (( اتق الله حيثما كنت، وأتبعِ السيئة الحسنةَ تمحُها، وخالق الناس بخلق حسن ) ). يقول ابن القيم:"جمع النبي في هذا الحديث بين تقوى الله وحسن الخلق؛ لأن تقوى الله يصلح ما بين العبد وبين ربه، وحسن الخلق يصلح ما بينه وبين خلقِه، فتقوى الله توجب له محبة الله، وحسن الخلق يدعو الناس إلى محبته".
اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق...