الأسرة والمجتمع, الرقاق والأخلاق والآداب, العلم والدعوة والجهاد
المرأة, المسلمون في العالم, مواعظ عامة
إبراهيم بن صالح الدحيم
المذنب
جامع ابن خريص
1-حقيقة العيد. 2- نظرة في أحداث العام الماضي. 3- ذم الاستهزاء بالدين وحملته. 4- المستقبل للإسلام. 5- أمن المجتمع. 6- نصائح للزوج. 7- نصائح للمرأة المسلمة. 8- من آداب العيد.
أما بعد: فيا أيها المسلمون، اتقوا الله سبحانه وتعالى، وداوموا شكره والزموا طريق طاعته تفلحوا.
مضت أيام الصيام والقيام، وقد كشفت عن ساجد وذاكر، وآخر في لهوه سادر، فلا ذا بقي له أنس سهراته، ولا ذاك آنس تعب صلاته، فيا فوز المجتهد المبادر، ويا حسرة الغافل السادر، مَنْ عَمِل صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبيدِ.
العيد استمرار على العهد وتوثيق للميثاق، فيا من وفى في رمضان على أحسن حال لا تغير في شوال، ويا من أدرك العيد عليك بشكر المنعم والثناء عليه ولا تنقض غزلًا بعد قوة وعناء، وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [النحل:92] . العيد بقاء على الخير وثبات على الجادة واستمرار في الطريق.
العيد تأكيد لتميز المسلم عن المشرك والكافر واستغنائه بالشرع المبارك عن عادات الشعوب البائدة وتقاليد الأمم الماضية، (( قد أبدلكما الله بهما خيرًا منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر ) )، (( هذا عيدنا ) ). خير مما هم فيه من اللهو واللعب مع الغفلة والإعراض، أعيادنا لا تؤكد الغفلة بل هي مزيد اتصالٍ بالله، نفحة قدسية ورحمة إلهية، نفتتحه بالتكبير والذكر والصلاة والشكر لله على تمام عدة الصيام، وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [ البقرة:185] .
أعيادنا ـ أهل الإسلام ـ سماوية ليست أرضية، لم تبن على أمجاد شخصية وتقاليد باليه, لسنا بولادة عظيم أو شفائه من مرض أو تربّعه على عرش الملك نجعل ذلك اليوم عيدًا. أعيادنا يشترك في تحقيق مناسباتها عامة المسلمين؛ ولذا تكون الفرحة به فرحة عامة حقيقية. إن عبادة الصيام ومغالبة الأهواء والشهوات في هذا الشهر يعتبر نصرًا شارك في القيام به كل مسلم، وفرح بتحقيقه كل مؤمن، فهو حقيق بأن يفرح، قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا. لا عيد عندنا للأم ولا للزيتون ولا للحب ولا للتحرير ولا للوطن، هما عيدان يعودان في السنة لا ثالث لهما: الفطر والأضحى. عن أنس قال:قدم رسول الله المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: (( ما هذان اليومان؟ ) )قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال: (( إن الله قد أبدلكما بهما خيرًا منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر ) ).
العيد فاصل ضروري في حياة المسلم يروح به عن نفسه من ثقل العمل المتتابع الجاد؛ لتعود نفسه بعد ذلك إلى الجادة أجود ما تكون، قد استعادت من القوة والنشاط ما يكون وقودًا لعبادة أخرى، والعيد في ذاته عبادة، والترويح الذي يزاوله المسلم فيه لا يصح أن يخرج به عن حدود الشرع فيقع في الأشر والبطر، فينقطع بذلك عن مبادئه وعقيدته، فعبادة الله لا يحدها زمان، وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ.
العيد فرصة لتحسين العلاقات وتسوية النزاعات وجمع الشمل ورأب الصدع وقطع العداوات المستشرية، ورحم الله من أعان على إعادة مياه المودة إلى مجاريها. اجعل هدية العيد لهذا العام عفوًا وصفحًا وغفرانًا، وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. ما أجمل أن يكون العيد فرصة لاتصال المتهاجرين والتقاء المتقاطعين. إن الرجل الكريم هو من يعفو عن الزلة ولا يحاسب على الهفوة، حاله كما قال الأول:
وإن الذي بيني وبين بنِي أخي وبين بني عمي لمختلف جدا
إذا نهشوا لحمي وفرت لُحومهم وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
ولا أحمل الحقد القديم عليهم وليس زعيم القوم من يحمل الحقدا
نعم، ليس زعيم القوم من يحمل الحقدا، ليس كريمًا ولا عظيمًا ولا سيدًا من يجمع الأحقاد ويحمل الضغائن ويداوم على الجفاء والقطيعة. إنه لا بد لتحسين العلاقات من نفوس كبيرة تتسع لهضم البغضاء وقضم العداوات، وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ [الشورى:37] . أطفئ لهيب العداوة ببرد الصدقة، فإن ذلك من أفضل البر، فعن أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها أن النبي قال: (( أفضل الصدقة الصدقة على ذي الرحم الكاشح ) )رواه أحمد وغيره.
مر العام الماضي موقرًا بالأحداث العظام التي لا يصح أن تتجاهل أو تنسى، بل لا بد أن تكون العظة فيها ظاهرة والعبرة منها واضحة.
لما تجرأت الدنمرك بوقاحة على سب النبي والوقوع في شخصه المبارك انتفضت الأمة على المستهزئ العنيد، واجتمعت عن بكرة أبيها على النصرة، وضجت من أجل حبيبها ، فقطعت بالمقاطعة دابر الظالمين، وكادت تقطع بصمصامتها أكحل المجرمين، لولا اختلاف مشين وتهوين مهين أعاد منهم الكرة أخرى، وجرأ غيرهم على سلوك طريقهم، فكان العود منهم بالسب ـ على نوع من الاستهتار المكشوف والاستهانة الظاهرة ـ صفعة مؤلمة في وجه من أراد تخفيف وقع السياط عليهم بادي الأمر.
على المسلمين اليوم وهم يرون عودة الإهانات الوقحة لنبيهم أن يغضبوا له غضبة مضَرية تنهدّ لها الجبال الرواسي، وأن يصرخوا صرخة الخيل المغيرة، ويضربوا في وجه المعتدي بسيف سعد والمغيرة. ناد بالقوم المجرمين: بدأتم فدفعنا وإن تعودوا نعد؛ حتى يعرف المستهزئ العنيد أن محمدًا لم يخلف بنات بل خلّف رجالًا أشاوس يشترون الموت فداءً له وتهون عليهم الأموال من أجله.
إن الضعف في مثل هذه الحوادث لا يولِّد إلا الضعف، ويوم لم نكمل جرعة التأديب لمن له بدء الفجور وثناه ركب حمار السِبة كل مأفون ونعق بالمسبة كل ملعون، فقالة السوء الآثمة لم تخرج من أفواه جهالهم وصبيانهم بل تواطؤوا عليها حتى نعق بها الذي علمهم السوء كبير بابوات الشر فيهم.
إنه مع شدة الحدث وعظمته على نفوس المسلمين إذ هو طعن في أخص خصوصياتهم إلا أنا استفدنا منها شيئًا لم يكن لنا على بال، لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُمْ. لقد ضج في العالم صوت الإسلام الصاعد مما جعل أعدادًا كثيرة من الناس تتوجه للتعرف على محور القضية وقطب رحاها ومن اهتزت الدنيا كلها لأجله ، وهذا في مقياس النصر الحقيقي ليس بالشيء الهين. كم سنحتاج من وقت ومن مال لإيصال الرسالة للشعوب المغيبة، وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَن يُّتِمَّ نُورَهُ. لقد حفلت القنوات والمواقع الإلكترونية باسم النبي ورسمه، وازدانت حلقات النقاش بلفظه ووصفه.
وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسود
واستفدنا التعرف على حجمنا الحقيقي، والذي لا يعرف نفسه يقف عليها بالتحقير، وعرَّفنا العدو المغرور أننا قوة لا يستهان بها حين تجتمع، وسيل عرمرم لا يوقف في وجهه حين ينحدر. لقد استفدنا أن إمكانية جمع الأمة على كلمة سواء ليس من معجزات الأمور وخوارق العادات، وأن الذي يجمع المسلمين هو الاتفاق على كبار القضايا لا التنازع في صغارها، وأنها تجتمع على الثوابت المحكمات، ويوم تذوب الثوابت لا نجد أرضًا عزازًا تثبت عليها الأقدام وتلتقي فيها الأفهام. لم يكن الاعتداء على النبي هو الأوحد من فجور القوم، فقد أهانوا القرآن, وأرادوا تدنيس قبلة المسلمين يوم أقيم في أمريكا مرقص عهر وفجور على صورة الكعبة وأسموه"بنات مكة", وكل ذلك إثم وفجور يستحق المواجهة والمدافعة, ولكن ليس من المصلحة توزيع قوة المسلمين على عدة جبهات، وهي سياسة النبي حيث اختصر عدوه في المدينة أول الأمر بكفار قريش مع وجود اليهود والمنافقين فيها، وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا.
جاءت حرب لبنان فأكلت الأخضر واليابس، دُك في شهر ما بني في عقود، وذهبت الأرواح وانقطعت الأفراح، واضطرب رأي الناس فيها: فمن مفتون بالحزب الدعي منخدع بشعاراته يمشي مع قاتله قد نسي أو تناسى جرائمه، وآخر معترض لا يأكل مما لم يذكر اسم الله عليه ولا يطعمه كلبه، وثالث لم يرض بها ولم تسؤه، لم يرض أن تستغل لتجيير أعمال الأمة لحزب مفتون يجد من ذلك فرصة لخدمة مشروع الهلال الشيعي الصفوي وترويج مذهبه الباطل كما هو الجاري في سوريا ومصر ولبنان وغيره، لم يرض بها لأنها اجترار لحرب سياسية عسكرية لا تراعي المفاسد الكبرى في مقابل تحصيل مصلحتها الخاصة، ولم تسؤه الضربة التي تصيب اليهود بل يفرح بها حتى لو كانت من شجاع أقرع أو كلب مسعور، وهذا عندي أحض بالصواب، وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ.
وإذا ذكرت المجازر الدموية والجرائم النازية فاذكر مصاب أهل السنة في العراق الذين اجتمع عليهم الاحتلال الأمريكي المشترك والنفاق العميل والرافضة المارقون، ثلاثي موحش، إن نجا المسلم من أحدها نهشته الأخرى. ذبحٌ بالهوية وجرائم بربرية طالت العجائز والشيوخ والأطفال بل حتى الحمل الذي لم ير السكين والبندقية لحقته يد المجرم في بطن أمه. جرائم تجري تحت سمع العالم وبصره ولا مغيث, تواطؤ إعلامي عالمي على تعتيم الأخبار، في حين لا تقف كبيرات القنوات ولا يفتأ مراسلوها من متابعة خبر كلب جائع أو جرذ ضال.
قتل امرئ في غابة جريمة لا نغتفر وقتل شعب كاملٍ قضية فيها نظر
وإن ننسى فلن ننس فلسطين، فهي الجرح الغائر في الجسد وقضيتنا الأولى، مسرى نبيا ومصلى الأنبياء، نسمع كل يوم من أرضها فاجعة، فمن جنين إلى غزة إلى الخليل، إلا أن الأحداث في هذه السنة اختلف مسارها واشتد أوارها، فمذ وصلت حماس للسلطة بالطريقة التي سنوها هم قلبوا لها ظهر المجن ورموها عن قوس واحدة، وضعوا لها العراقيل فلم تجد، اتخذوا معها سياسة التجويع، لاَ تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنفَضُّوا فلم يفلحوا، فكشروا عن أنياب السباع، وأعلنوا الكره الكامن في النفوس، وأصابع المكر اليهودي الأمريكي ترى بالليل، فلحق المسلمين هناك أزمة تشبه يوم الأحزاب، ولا ملجأ من الله إلا إليه عليه فليتوكل المتوكلون، فلا جيوش دوليه ولا قوى محايدة، إذا لا حياد في زمن الظلم والقوة، إنما الله العزيز الحكيم نِعمَ المولى ونعم النصير.
أين حقوق الإنسان المزعومة؟! لقد أثبتت الأحداث المتتالية في فلسطين أو في العراق أو في أفغانستان بما لا يدع مجالًا للشك أن الحقوق التي رسمتها القرارات ووقعتها الاتفاقيات هي لحفظ حقوق الإنسان الكافر المستعمر كي تحمي غروره, وما قصة أسرى غوانتانامو واعتقال حميدان التركي والأسرى من قبل ومن بعد إلا أكبر دليل على ذلك.
جناب الشريعة عظيم، لا يرميها بالهزء والتنقص إلا مغموص عليه بالنفاق والكفر، قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ. والعلماء هم حملة الرسالة وأوعية العلم والنجوم التي يهتدي بها الساري، وتنقيصهم ورميهم بالشتيمة شنشنة منافق مأفون،"مَا رَأينا مثل قرائنا هؤلاء"، وهذا لا يعني العصمة فيهم، فكل يؤخذ من قوله ويرد, لكن هذا لا يصح أن يتخذ وسيلة للتجريح والإسقاط. إن رمي العلماء بالنقيصة في أعمدة الصحف والمجلات والولوغ في السلطات القضائية وهيئة الرقابة على السلوك والمؤسسات الخيرية والدعوية والأنشطة الطلابية ووصفها بالإرهاب والتطرف والهجمة على الحجاب والحشمة بحجة التمدن هو محاولة للتسلل لهدم الشريعة بتقويض رموزها الظاهرة وأعلامها العلية. لقد غص المنافق وشرق بريقه لما رأى اتساع الصحوة وسرعة انتشاره وقبول الناس له، وما ذنب المصلحين فيها إلا أن دعوتهم وافقت الفطرة السليمة، فشنوا حملة شعواء ورموا بكنانتهم في محاولة لإحراق المراحل ومسابقة الزمن.
إنه ومع الشدة التي يعيشها المسلمون في أصقاع المعمورة إلا أن فجر النصر قد انشق في الأفق ولمع بارقه، فأملوا وأحسنوا الظن والعمل، فعلى قدر الجهد والجهاد تعطى الأمة، والأمور معقودة بأسبابها، ولا تيأسوا من روح الله، ولا تقنطوا من رحمته، فمواكب النصر قد أقبلت، ورايات الفتح قد رفعت، والعاقبة للمتقين، والظلم مرتعه وخيم، والله لا يصلح عمل المفسدين. لا تقولوا: زرع الزارعُ والباغي حَصَدْ، ذهب الأقصى وضاعت قدسُنا منّا وحيفانا ويافا وصَفَدْ، لا تقولوا: حارس الثَّغْر رَقَدْ، أنا لا أُنكر أنَّ البَغْيَ في الدُّنيا ظَهَرْ والضَّميرَ الحيَّ في دوَّامة العصر انْصَهَرْ، أنا لا أُنكر أنَّ الوهمَ في عالمنا المسكون بالوهم انتشرْ، غيرَ أنّي لم أزلْ أحلف بالله الأحَدْ أنَّ نَصْرَ اللَّهِ آتٍ، وعدوَّ اللهِ لن يلقى من الله سَنَدْ، لن ينال المعتدي ما يبتغي في القدسِ ما دام لنا فيها وَلَدْ.
لم نعد قرية صغيرة يمكن أن تغلق أبوابها مع غروب الشمس، لقد انشق الفضاء باتصالات دكت الحدود وكسرت القيود وعَدَت على القيم العوادي, وانتثرت علينا أخلاق أمم لا خلاق لها، مما جعلنا مهددين بنوع تشوهات خُلُقية سلوكية مما يؤكد على ذوي العقل والبصيرة والتدبير وضع ضمانات وقائية ومدافعة للشر بالخير، وإني أرى أن من أعظم صمامات الأمان أمام هذا الغزو السلوكي والفكري إحياء عبادتي الخوف والحياء في الأمة، فالخوف من الله يبني الرقابة الذاتية، والحياء يمنع المسلم مما يشين.
انقطعت الأمطار وغارت الآبار وكثر الغبار، وفسد الهواء واختلف الطعام وانتشر الوباء، وعم الترف واشتد النزاع، وتسلط الكافر وانتفض المنافق، وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ [الشورى:30] ، والنعمة لا تحفظ إلا بالتوبة ولا تعود إلا بالرجوع، ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم:41] .
أمن المجتمع وسلامته مسؤولية الجميع، والعبث بالمصالح العامة وإهدار الثروات والاعتداء على الحرمات والتفجير والتكفير وقتل الأبرياء أمر لا يقبله عقل ولا نقل، والواجب تجفيف منابع الغلو والإفراط ونشر الوسطية والاعتدال التي تقوم على الوسط الحق لا على الرأي المعاكس، فالغلو لا يعارض بالتفريط, والتشدد لا يقابل بالتساهل، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ، ولا يحملُ البريء جريرة غيره، وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِّزْرَ أُخْرَى.
على الزوج أن يتقي الله في زوجته، فيحسن إليها ولا يظلمها أو يضربها، عليه أن يحفظ لها قيمتها وقدرها خصوصًا عند أولادها.
أيها الزوج، إن رباط الزوجية وثيق، فهو رباط مصاحبة لا ينقطع بالموت، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ. إنه عقد صحبة لا عقد رقّ وولاء، ففي الحديث عنه قال: (( كل نفس من بني آدم سيد، فالرجل سيد أهله، والمرأة سيدة بيتها ) )رواه ابن السني وصححه الألباني. فالواجب احترام سيادة المرأة في بيتها، وأن لا تسقط خاصة عند أولادها. وحين يدوس الزوج كرامة الزوجة وتفعل الزوجة كذلك فهو أذان بسقوط البيت وتقويض خيامه وذهاب قيمته التربوية ودوره المرتقب. لا بد أن يبنى البيت على المودة والرحمة، وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَّرَحْمَةً ، وعلى العفو والصفح، وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التغابن:14] . وحين يرى أحد الزوجين من الآخر ما يسوؤه فليتذكر محاسنه وجوانب الكمال فيه، فقد صح عنه أنه قال: (( لا يفرك مؤمن مؤمنة؛ إن كره منها خلقًا رضي منها آخر ) )رواه مسلم. تسامح ولا تستوفِ حقَّك كله، وأبقِ فلَم يستوفِ قطّ كريم.
أيها الرجال، إن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فيها الغيرة والعاطفة والليونة، وهذا كمال في طبيعتها ومتمم لأنوثتها، فاستقامة المنجل في اعوجاجه، وَلَيِسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى.
معاشر النساء، أجبن نداء الله لكن حيث قال: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الأحزاب: 33] . إن الأصل في المرأة قرارها في البيت، إذ هي نور أركانه وسكن أرجائه، والخروج من البيت أمر طارئ لا يكون إلا لحاجة. البيت هو وظيفة المرأة الأساس، فما بالنا نرى تهافت النساء على الخروج من البيت لحاجة ولغير حاجة؟! لقد اكتظت الأسواق وازدحمت المتنزهات في حين بقيت البيوت خلوًا من ساكن.
عليكِ بخدمة الزوج والقيام معه بالطاعة، أخرج ابن سعد قال: دخلت أيم العرب أم سلمة على سيد المسلمين أول العشاء عروسًا، وقامت من آخر الليل تطحن. وعليك برعاية أولاده وحفظ ماله ومتاعه، فلك بذلك عظيم الثواب، ففي الحديث عنه أنه قال: (( أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راضٍ دخلت الجنة ) )رواه الترمذي وقال:"حديث حسن"، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله: (( إذا صلّت المرأة خمسها وصامت فرضها وحصنت فرجها وأطاعت زوجها قيل لها: ادخلي من أي أبواب الجنة شئت ) )رواه الخمسة وصححه الألباني، وروى الطبراني في معجمه وصححه الألباني أن النبي قال: ألا أخبركم بنسائكم في الجنة؟ يعني من نساء الدنيا، قلنا: بلى يا رسول الله، قال: (( الولود الودود التي إذا غضبت أو أسيء لها إليها أو غضب زوجها قالت: هذه يدي في يدك لا أكتحل بغمض حتى ترضى ) ). إنها النفس الطيبة والروح الزكية لا التثنّي الأعوج, وفي الحديث: (( اثنان لا تجاوز صلاتهما رؤسهما: عبد آبق من مواليه حتى يرجع, وامرأة عصت زوجها حتى ترجع ) )وهو في صحيح الجامع الصغير.
لا تكلفي زوجك من النفقة ما لا يطيق، ولا ترهقيه من أمره عسرا، ففي الحديث عنه: (( إن أول ما هلك بنو إسرائيل أن امرأة الفقير كانت تكلِّفُهُ من الثياب أو الصيغ ـ أو قال: من الصبغة ـ ما تكلف امرأة الغني ) )السلسلة الصحيحة (591) .
احذري الخضوع في مخاطبة الرجال ومخالطتَهم وإبداء الزينة لهم، ابتعدي عن ذلك في أماكن العبادة كمكة وفي الأعياد والجمع فضلًا عن الأسواق والحدائق العامة, عن أبي أسيد الأنصاري أنه سمع النبي وهو خارج من المسجد فاختلط رجال مع نساء في الطريق فقال: (( يا معشر النساء، استأخرن فإنه ليس لكنّ أن تحققن الطريق، عليكن بحافات الطريق ) )، قال أبو أسيد: فقد رأيت المرأة تلتصق بالجدار حتى إن ثوبها يعلق بالجدار من شدة لصوقها به.
احذري مشابهة الكافرات والماجنات بحجة متابعة الموضة، فمن تشبه بقوم فهو منهم، وفي الحديث الصحيح: (( صنفان من أمتي لم أرهما قط: نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها ) )الحديث.
حافظي على عفافك وحجابك وحيائك، يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا [الأحزاب:59] . وفي الحديث عنه أنه قال: (( أيما امرأة نزعت ثيابها في غير بيتها خرق الله عز وجل عنها ستره ) )صححه الألباني.
احذري دعوات التغريب وسهام التضليل التي يقذف بها الأعداء. احذري تمييع الحجاب, فالحجاب عبادة وليس عادة، الحجاب ستر وليس زينة. ليست العباءة الضيقة ولا الشفافة ولا مطرزة الأكمام حجابًا شرعيًا، بل هي فتنة ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
أيتها المرأة المسلمة في هذه البلاد، لقد صمدتِ كثيرًا ودافعت التغريب طويلًا، فأنت آخر حصن لم يسقط بعدُ ولن يسقط بإذن الله. لقد ضاق العلمانيون المنافقون بك ذرعًا، فصاروا يحيكون المؤامرات لك ليلًا ونهارًا، فصمودًا وصبرًا وثباتًا واستعلاءً على كيد الشيطان وحزبه، إِنَّ كَيدَ الشَّيطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ، وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا. أسمعينا صرخة منك تقطع طمع المستغرب وتقيم الوزن بالقسط، أسْمِعيني ـ يا أخيَّه ـ صرخةَ النفس الأبيهْ، أسمِعيني منكِ لا لن أرتضي عيش الدَّنيَّهْ، أنا بالإيمان يُمنى في دمي نارُ الحميهْ، لا تبالي بالدَّعاوى والأباطيل الدعيّهْ، ليس حبًّا أنْ تكوني حيثما كانوا بغيَّهْ، ليس حبًَّا أن تكوني مثلما كانوا غبيهْ، أنت أعلى أنتِ أغلى أنتِ أنقى يا أُخيَّهْ.
أيتها المسلمة، الله لحكمته جعل القوامة بيد الرجل، الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النّسَاءِ ، فكان ذلك تكليفًا له بهذه الأمانة، مِن أجل رعاية البيت وحمايته وحفظه والنفقة عليه. وإنّ التمرد على القوامة والنشوز دون حقّ شرعي يعتبر من أعظم الذنوب التي يعاقب الله عليها، ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: (( إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح ) ).
حذار من إفساد أحد الزوجين على الآخر والمشي بينهم بالنميمة فإن ذلك من مكر الشيطان وفي الحديث الصحيح: (( من خبّب زوجة أو مملوكًا فليس منا ) )، و (( لا يدخل الجنة نمام ) ). وكل فساد يقع بسبب الطلاق الناتج عن التحريش بين الزوجين فعلى الجاني إثم ذلك ولا يظلم ربك أحدا.
لا بأس أن يهنئ بعضكم بعضًا في العيد لورود ذلك عن الصحابة رضي الله عنهم.
وكان من هدي النبي مخالفة الطريق في العيد، فعودوا من غير الطريق التي قدمتم فيها اقتداءً بنبيكم محمد ، لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21] .