الرقاق والأخلاق والآداب
الموت والحشر
محمد بن عبد العزيز الشمالي
الرياض
غير محدد
1-الحقيقة الغائبة. 2- الاستعداد للموت. 3- حقارة الدنيا. 4- دعوة للتوبة والرجوع إلى الله تعالى.
أما بعد: عباد الله، اتقوا الله حق تقاته، وتمسكوا بالعروة الوثقى، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] ، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر:18] ، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] .
أخي الحبيب، إني لك محبّ، وعليك مشفق، ولك ناصح. وإني محدثك بحديث ومخبرك بحقيقة طالما نسيناها، حقيقة طالما غفلنا عنها، حقيقة طالما أهملنا التفكر والتفكير فيها. فأرع لي سمعك، وافتح لي قلبك؛ لتتعرف على هذه الحقيقة.
قال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185] ، وقال تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:26، 27] ، وقال تعالى: أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمْ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء:78] ، وقال الرسول: (( أكثروا من ذكر هادم اللذات ) )، وروي عن ابن عمر قال: سئل النبي: أي المؤمنين أكيس؟ قال: (( أكثرهم للموت ذكرًا وأشدهم استعداد، له أولئك الأكياس ) )والحديث ضعيف، وعنه قال: أخذ الرسول بمنكبي فقال: (( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ) )، وكان ابن عمر يقول: (إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك) ، ويقول: (( اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك ) ).
نعم أخي الحبيب، إنها حقيقة الموت، إنها مفارقة الدنيا، إنها مفارقة الأهل والخلان، تلك الحقيقة التي أقضّت مضاجع العارفين، فصاروا فيها دائمًا متفكرين، ولأجلها دومًا مستعدين، يقول الحسن البصري:"فضح الموت الدنيا فلم يترك لذي لب فيها فرحا، وما ألزم عبد قلبه ذكر الموت إلا صغرت الدنيا عليه وهان عليه جميع ما فيها"، وقال شميط بن عجلان:"من جعل الموت نصب عينيه لم يبال بضيق الدنيا ولا بسعتها"، وكان حامد القيصري يقول:"كلنا قد أيقن الموت وما نرى له مستعدا, وكلنا قد أيقن بالجنة وما نرى لها عاملًا, وكلنا أيقن بالنار وما نرى لها خائفا, فعلام تفرحون؟! وما عسيتم تنتظرون: الموت؟! فهو أول وارد عليكم من أمر الله بخير أو بشر، فيا إخوتاه، سيروا إلى ربكم سيرًا جميلًا"، ويقول ابن مسعود: (السعيد من وعظ بغيره) ، وقال أبو الدرداء: (إذا ذكر الموتى فعد نفسك كأحدهم) .
فيا أُخَيّ، أين استعدادك للقاء ملك الموت؟! أين استعدادك لما بعد الموت من أهوال؟! في القبر، وعند السؤال، وعند الحشر، وعند الحساب، وعند تطاير الصحف، وعند الوقوف بين يدي الجبار جل وعلا. عن عدي بن حاتم قال: قال النبي: (( ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة، ولو بكلمة طيبة ) )متفق عليه. قال الشاعر:
إلى كم ذا التراخي والتمادي وحادي الموت في الأرواح حادي
فلو كنا جمادًا لاتعظنا ولكنا أشدَّ من الْجماد
تنادينا المنية كل وقت وما نصغي إلى قول الْمنادي
وأنفاس النفوس إلَى انتقاص ولكن الذنوب إلى ازدياد
إذا ما لزرع قارنه اصفرار فليس دواؤه غير الحصاد
أخي المسلم، هل وقفت مع نفسِك وقفةً حازمةً؟! هل حاسبت نفسك محاسبة صادقة؟! حاسِب نفسك في خلوتِك، وتفكّر في سرعة انقراض مدّتك، واعمل بجدّ واجتهاد في زمان فراغِك لوقت حاجتك وشدّتك، وتساءل مع نفسك: هل أنا مؤمن بالله حق الإيمان؟! هل أنا مؤمن بملائكته؟! هل أنا مؤمن بكتبه ورسله؟! هل أنا مؤمن بقضائه وقدره؟! هل أنا مؤمن باليوم الآخر وما فيه من شدائد وأهوال؟! هل أنا ممّن يصلّي الصلوات الخمس في أوقاتها جماعة في المسجد؟! هل أنا ممن يصوم رمضان إيمانًا واحتسابًا؟! هل أنا حريص على النوافل من صلاة وصيام وصدقة؟! هل أنا ممن يبادر إلى التوبة والاستغفار بعد الذنب؟! هل أنا بار بوالدي؟! هل أنا محافظ على لساني؟!
أخي الحبيب، تدارك نفسك فأنت في زمن الإمهال، وتذكر وتأمل، حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:99، 100] .
أخي المبارك، إذا كانت هذه هي الحقيقة فعلام نفرح بدنيانا؟! وإلامَ نغتر بها والله عز وجل قد وصفها وقال: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ [الحديد:20] ، ويقول عز وجل: فَلا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [لقمان:33] ، ويقول عز وجل: يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ [غافر:39] ، ويقول الله تعالى واصفًا المغترين بها وحاثًا لهم على التزود منها: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى:16، 17] ، وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله قال: (( إن الدنيا حلوة، وإن الله تعالى مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء ) )رواه مسلم، وعن سهل بن سعد الساعدي قال: كنا مع رسول الله بذي الحليفة فإذا هو بشاة ميتة شائلة برجلها، فقال: (( أترون هذه هيّنة على صاحبها؟ فوالذي نفسي بيده، للدنيا أهون عند الله من هذه على صاحبها، ولو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافر منها قطرة ماء أبدًا ) )، ويقول الحسن: مر عمر بن الخطاب على مزبلة فاحتبس عندها ـ أي: توقف عندها فترة من الزمن ـ فكأن أصحابه تأذّوا منها فقال: (هذه دنياكم التي تحرصون عليها) ، وعن علي بن أبي طالب قال: (ألا إن الدنيا قد ولّت مدبرة، والآخرة مقبلة، ولكل واحد منهما بَنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا؛ فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل) ، وقال الشافعي رحمه الله:"إن الدنيا دحض مزلّة ودار مذلّة، عمرانها إلى الخراب، وساكنها إلى القبور زائر، شملها على الفرقة موقوف، وغناها إلى الفقر معروف، فأكثر من عملك، واقصُر من أجلك"، قال الشاعر:
الْموت في كل حين ينشر الكفنا ونحن في غفلة عما يراد بنا
لا تطمئن إلى الدنيا وزينتها ولو توشحت من أثوابها الْحسنا
أين الأحبة والجيران وما فعلوا أين الذين هم كانوا لنا سكنا
سقاهم الْموت كأسًا غير صافية فصيرتْهم لأطباق الثرى رهنا
فيا أخي، كم من ذاهب بلا إياب، وكم من حبيب على الرغم قد فارق الأحباب وترك الأهل والأصحاب وانتقل إلى ثواب جزيل أو عقاب وأنت ما زلت مخدوعًا بهذه الدنيا وسفرك على اقتراب، فانتبه واستعدّ للرحيل بعمل صالح تفرح به عند مقابلة ربك الجليل.
اللهم إنا نسألك أن تهدينا بهداية الإيمان، وأن تغفر لنا الذنوب والعصيان، اللهم واجعل الدنيا في أيدينا، وأعنّا اللهم على طاعتك، واغفر اللهم لنا ولجميع موتى المسلمين.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: عباد الله، اتقوا الله، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [لطلاق:2، 3] .
سلام على كلّ مؤمن مهموم، سلام على كل مؤمن مبتلًى مغموم، سلام على كلّ مؤمن مجروح، سلام على أولئك الذين فجعوا بأحبتهم، سلام على من فارق الآباء والأمهات، سلام على من ودّع الخلان والأصحاب.
أحبتي في الله، إنها الدنيا إن أضحكت يوما أبكت أيامًا، وإن سرّتك يومًا ساءتك سنينًا وأعوامًا، دار مؤلمة، دار محزنة، دار البلايا والكروب، فما أحوجنا للعودة الصادقة إلى ربنا.
أخي الحبيب، اغتنم أيّامك وساعات عمرك ودقائق حياتك وثواني ولحظات شبابك، إن فرطت فربك غفور رحيم، وإن أذنبت فباب التوبة مفتوح، وإن زللت فلا تيأس فالرجوع عند الزلل محمود.
يا من فرط فيما مضى من حياته، يا من غرّه شبابه، يا من ألهته دنياه، يا من غرق في ملذاته وشهواته، يا من أغراه ماله، يا من أغراه نسبه، يا من أغرته قوته، يا من زل، يا من أذنب، يا من قصر، يا من فرط، استمع إلى ربك وهو يناديك: قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنْ السَّاخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنْ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنْ الْكَافِرِينَ [الزمر:53-59] .
اللهم يا حي يا قيوم، تقبل توباتنا، وامح زلاتنا، وأقل عثراتنا، واختم بالصالحات آجالنا، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين...