فهرس الكتاب

الصفحة 4826 من 5777

ماذا بعد رمضان؟!

الرقاق والأخلاق والآداب

فضائل الأعمال

حمزة بن فايع الفتحي

محايل

جامع الملك فهد

1-النكوص عن الصالحات بعد رمضان. 2- الحث على الاستمرار على الصالحات حتى الممات. 3- علامة قبول الأعمال. 4- الحث على صيام الست من شوال.

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70، 71]

معاشر المسلمين، لقد كان الجد في رمضان جميلا، والمسارعة للخير بهية، والطاعة أخاذة. استطعمت النفوس حلاوة القرآن, وتلذذت بحسن القيام، وانشرحت بصنوف الخير والطاعات المختلفة. الأمة كلها كانت مبتهجة ومسرورة برمضان، فلقد تعلمت وتربت، وازدانت وسعدت؛ إذ في رمضان نفوس كبرت وهمم علت وعزائم اشتعلت، فأثمرت وأينعت، واهتزت وربت، وأنبتت من كل زوج بهيج.

ولقد كانت تلك الأيام أياما بهية غالية، من نفائس أيام المؤمنين، جرَت فيها أحاسيس حية ومشاعر صادقة، أثمرتها معالي الهمم ومسابقة النفوس الدائبة، فلا غَروَ أن تستهل العبرات وتشتد الحسرات أسفًا على فوات خير عظيم وسعادة صافية راضية.

فللّه أيام تقضت حَميدةً بقربك واللذات في المنزل الرحبِ

وإذ أنت فِي عينِي ألذ من الكرى وأشهى إلى قلبِي من البارد العذبِ

فلهفي على ذاك الزمان الذي غدت عليه دموع العين دائمة السكبِ

أيها الإخوة الكرام، جدَّ واجتهد في رمضان أقوام، وسارع وسابق أناس، فلقد توالت الختمات، وعظُمت الصدقات، وحسنت الصلوات، وصلحت القلوب والأرواح، ثم عقِب رمضان وهنت الهمم وفترت العزائم!

إنّ من المؤسف أن يحصل عقب رمضان لكثير من المسلمين ضعف في الخير وشغل عن الطاعة وانصراف للَّعب والراحة، فلقد وهنت الهمم وفترت العزائم وقلّ رُوّاد المساجد.

يخطئ كثيرون ويجهلون عندما يظنون أن السباق في الطاعة خاص برمضان، فيحصل لهم من العمل والجد والعطاء ما تتمناه الرغبات، فإذا رحل رمضان رحلت طاعاتهم وخيراتهم، وركنوا إلى ملاذهم وشهواتهم، وهذا أمر خطير ينبئ عن جهالة وسفاهة من أولئك القوم، فلقد طمسوا خيرهم وظلموا أنفسهم، والله المستعان.

ليعلم ذوو الألباب أن الطاعات والمسارعة فيها ليست مقصورة على رمضان ومواسم الخير فحسب، بل عامة لجميع حياة العبد، وإنما كانت تلك منحًا إلهية وهبات ربانية امتن الله بها على عباده ليستكثروا من الخيرات، وليتداركوا بعض ما فاتهم وحصل التقصير فيه.

وإنه لمن الجهل بمكان أن يجتهد بعض الناس في رمضان، فيرى طائعًا صالحًا مبادرًا إلى الطاعات، ثم إذا انقضى رمضان شوهد مقصرا مفرطا، كدأبه قبل رمضان، فهذا بلا ريب أنه غاشٌ لنفسه وماحٍ لحسناته وخيراته.

إن ذلك المسلك ليس من سمة العقلاء ولا نهج الأبرار الصلحاء. ذكر ابن رجب رحمه الله وغيره في لطائف المعارف أن قوما من السلف باعوا جارية، فلما قرُب شهر رمضان رأتهم يتأهبون ويستعدون له بالأطعمة وغيرها، فسألتهم فقالوا: نتهيأ لصيام رمضان فقالت: وأنتم لا تصومون إلا رمضان؟! لقد كنت عند قوم كل زمانهم رمضان، ردوني عليهم. وباع الحسن بن صالح رحمه الله جارية له، فلما انتصف الليل قامت فنادتهم: يا أهل الدار، الصلاة الصلاة، قالوا: طلع الفجر؟! قالت: وأنتم لا تصلّون إلا المكتوبة؟! ثم جاءت إلى الحسن فقالت: بعتني على قوم سوء لا يصلون إلا المكتوبة! ردَّني ردَّني.

قال بعض السلف:"صُم الدنيا واجعل فطرك الموت"، الدنيا كلها شهر صيام المتقين، يصومون فيه عن الشهوات المحرمات، فإذا جاءهم الموت فقد انقضى شهر صيامهم واستهلوا عيد فطرهم. من صام اليوم عن شهواته أفطر عليها بعد مماته، ومن تعجل ما حرم عليه قبل وفاته عوقب بحرمانه في الآخرة وفواته، وشاهد ذلك قوله تعالى: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا [الأحقاف:20] .

أنت في دار شتات فتأهب لشتاتِكْ

واجعل الدنيا كيوم صمته عن شهواتكْ

وليكن فطرك عند الله فِي يوم وفاتكْ

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها المسلمون، إن المحاسن التي جنتها النفوس المسلمة في رمضان ينبغي أن تكون طريقا للزيادة والمضاعفة للجد والعلاء، وليس التقاعس والانفلات، ففترة رمضان كانت تربية إيمانية على الخير وفضائل الأعمال، ذاق حلاوتها أهلها الذين لا يحبون زوالها ولا ضياعها، وهذا مما يجعلهم يعقدون العزم على تثبيتها وترسيخها حتى تستحكم في قلوبهم وتخالط دماءهم، فهي زادهم وغذاؤهم وأنسهم وسعادتهم.

أيها الإخوة، إن من علامات الفوز والقبول في رمضان فعل الطاعات والمسارعة فيها، فإن الله تعالى إذا تقبل عمل عبد وفقه للعمل الصالح، وتطلعت نفسه إلى خيرات مثيرة، كما قال بعضهم:"ثواب الحسنة الحسنة بعدها". فمن عمل حسنة ثم أتبعها بحسنة بعدها كان ذلك علامة على قبول الحسنة الأولى، كما أن من عمل حسنة ثم أتبعها بسيئة كان ذلك علامة رد الحسنة وعدم قبولها.

ولقد شرع لكم تعالى عقب رمضان قربه حميدة وسنة مباركة، فيها أجر عظيم وخير كريم؛ ألا وهي صيام الست من شوال. أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله قال: (( من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر ) ).

وقد استحبّ صيامها أكثر العلماء، وقضوا أنها ليست بواجبة وليست من رمضان، وتصام بعد يوم الفطر، سواء متتابعة أو متفرقة، بعد أن يقضي المسلم أو المسلمة ما أفطره من رمضان؛ لأن المفطر من رمضان لا يصدق عليه صيام رمضان حتى يتمّه ويكمله، لينال أجر صيام الدهر.

اللهم وفقنا للخيرات وجنبنا الغفلة والحسرات، اللهم انصر دينك وعبادك المؤمنين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت