فهرس الكتاب

الصفحة 4748 من 5777

عيد الفطر 1422هـ

الأسرة والمجتمع, الرقاق والأخلاق والآداب, العلم والدعوة والجهاد

آثار الذنوب والمعاصي, المرأة, المسلمون في العالم

سعيد بن عبد الباري بن عوض

جدة

سعد بن أبي وقاص

1-حال أمة الإسلام مع حلول العيد. 2- بعض الأسباب التي أدت إلى تسلط الكفار علينا. 3- نصيحة للمرأة المسلمة.

أيها المسلمون، ها هو العيد يأتي على الأمة الإسلامية لتفرح به، وبما قدمت من طاعات وقربات في الشهر المبارك، قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58] . ها هو العيد يأتي على الأمة لتلبس الجديد ويهنئ بعضها بعضا بهذه المناسبة السعيدة. لكنه يأتي اليوم والأمة قد اشتد بلاؤها وازداد كربها. يأتي العيد اليوم والأعداء متسلطون على الأمة، بل قد تكالبت أمم الكفر على المسلمين. تسلطت شرذمة من اليهود على المسلمين، تقتل الرجال والأطفال، وتهدم البيوت، وتجرف المزارع، وتفعل وتفعل، ولا ناصر ولا معين للمسلمين المستضعفين إلا الله، وكفى بالله نصيرا.

أيها المسلمون، إننا نريد أن نفرح ولكن أنى لنا ذلك وكيف لنا ذلك وإخواننا في الدين والعقيدة في كل يوم يقتلون، وفي كل يوم يشردون؟! فراشهم الأرض ولحافهم السماء. نريد أن نفرح فنتذكر فلسطين وما يحدث فيها مما تعلمون. نريد أن نفرح فنتذكر إخوة لنا يقتلون في الشيشان وفي كشمير وأفغانستان والفلبين وإندونيسيا وتركستان وأرتيريا ومقدونيا. هناك ـ أيها المسلمون ـ يمر العيد على امرأة فقدت زوجها وعائلها بعد الله، فترملت في عز شبابها، وعلى طفل لم يبلغ الحلم أصبح يتيما لا أب له، وعلى أب قد فقد ابنه وثمرة فؤاده. آه لهم لو رأيتهم قد احمرت عيونهم من البكاء، وتقطعت قلوبهم من الحزن، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت.

عذرا إخوتي الأحبة، عذرا فأنا أعلم أني أعكر عليكم صفو هذه الفرحة، لكنه واجب الأخوة الذي فرضه علينا ديننا، أليس من كتاب الله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10] ؟! أليست بلاد الإسلام كلها بلد واحد؟! أليس حال المسلم:

بلادي كل أرض ضج فيها نداء الحق صداحا مغنيا

ودوى ثم بالسبع المثاني شباب كان للإسلام حصنا

إننا ـ إخوة الإيمان ـ أمة الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.

إذا اشتكى مسلم في الهند أرقني وإن بكى مسلم في الصين أبكاني

إننا لا نريد أن ننسى في غمرة فرحتنا بالعيد إخوةً لنا يقاسون الكرب والشدة، قتل وتشريد وهدم للبيوت واغتصاب للحرمات، وسجن وتعذيب، لا لشيء إلا أنهم مسلمون. حرب على الإسلام شعواء يؤجج نارها ويذكي سعارها عباد الصليب وعباد العجل وعباد الطبيعة.

ولئن كان بعضنا ينام ملء عينيه فإن من إخوانه المسلمين من قد حرم لذة النوم؛ إما خائفا يترقب أو باكيا يتعذب. ولئن كان بعضنا يضحك ملء فيه فإن من إخوانه في العقيدة من جفت مآقيه من البكاء. وإن كان منا من يأكل حتى لا يجد مكانا للطعام إلا صناديق النفايات، فإن من إخوانه في الدين من لا يجد ما يسد به رمقه ولو من كسرة خبز أو شربة ماء، بل ربما مات بعضهم جوعا ومات بعضنا تخمة وشبعا. ولئن كان بعضنا يلبس الجديد بأشكاله وألوانه لكل موسم لباسه، من صيف وشتاء وأعياد ومناسبات، فإن من إخواننا المسلمين من لا يجد ما يستر به جسده إلا قليلا، ولربما مات بعضهم في شتاء قارس لأنه لا يجد ما يتدفأ به من اللباس والغطاء.

أمة الجسد الواحد، إنهم ليسوا بحاجة للمال بقدر ما هم محتاجون للدعاء. الدعاء الدعاء ـ أيها المسلمون ـ لإخوانكم المستضعفين في كل مكان، خصوهم بالدعاء في سجودكم وقنوتكم وبين الأذان والإقامة وعند إفطاركم من الصيام أي صيام كان، وفي الثلث الأخير من الليل، وما أدراك ما ثلث الليل الآخر؟! وقت لا ترد فيه دعوة. يقول فيه من بيده ملكوت السماوات والأرض: (( من يدعوني فأستجيب له؟ ) ). الدعاء ـ إخوة الإيمان ـ فكم من بلاء رفع بالدعاء.

أمة الإسلام، وفي غمرة الألم والحزن لمصاب الأمة، يجب علينا البحث عن الأسباب التي أدت إلى تسلط الكفار علينا، فما الأسباب يا ترى؟

معاشر المسلمين، يقول جل وعلا: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم:41] ، ويقول: (( إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ) )رواه الإمام أحمد وابن ماجه في سننه.

عباد الله، قبل أن نبحث عن أسباب خارجية لهذا البلاء الذي نزل وحل بالأمة، فلنبحث عن الأسباب الداخلية. والحقيقة ـ إخوة الإيمان ـ أننا اليوم قد ابتعدنا عن المنهج الرباني السديد والمسلك النبوي الرشيد، لذلك فقد أصابنا ما أصابنا. نعم عباد الله، نحن السبب فيما حدث ويحدث لنا. ولا ينبغي لنا أن نتلفت يمينا وشمالا لنلقي باللائمة على الأعداء أو الأقدار أو طائفة من الناس. يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: (ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة) . لقد وقع الكثير منا ـ سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات ـ في مخالفات شرعية كثيرة أوصلتنا إلى هذا الحال، فقد قدمنا شهواتنا ورغباتنا على أوامر الله وأوامر رسوله ، أمرنا فلم نأتمر ونهينا فلم ننته، نقرأ القرآن ولا نعمل بما فيه إلا من رحم الله وقليل ما هم.

يقول تعالى: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ [الحج:41] . فكم من الأمة اليوم من لا يقيم الصلاة؛ إما تركًا لها أو أداءً لها على غير ما شرع الله. وكم من الأمة اليوم من يمنع الزكاة أو يتحايل عليها بشتى الحيل. وكم من الأمة اليوم من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل أصبح البعض يرى المعروف منكرا والمنكر معروفا.

ويقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة:278] ، والكثير من المسلمين اليوم يتعاملون بالربا صراحة حينا وتحايلا أحيانا. ويقول تعالى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ [محمد:22] ، وكم من الأمة اليوم من عاق لوالديه قاطع لرحمه. ويقول تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ [النور:30] ، وكم من الأمة اليوم من أطلق لبصره العنان، ينظر إلى ما حرم الله من النساء المتبرجات والفاسقين والفاسقات، مباشرة أو من خلال أجهزة التلفزة. انظروا إلى أسطح المنازل وشرفاتها لتروا أجهزة استقبال، لم يقتصر خطرها على الأخلاق والسلوك بل تعدى إلى ما هو أخطر من ذلك بكثير؛ وهو طرح الشبهات والتشكيك في ثوابت الدين ومسلماته. ولا زال الكثير منهم يحتج بسماع الأخبار ومتابعتها، علمًا بأن تلك القنوات التي يستقي منها الأخبار لا تفتأ تفتري الكذب بلا كلل ولا ملل، وما هجومهم على هذه البلاد المباركة وحملتهم الشعواء عليها إلا من تلك الأكاذيب والافتراءات التي يريدون بها تشويه الدين الإسلامي وإلصاق التهم به. والله متم نوره ولو كره الكافرون.

وكذلك من مخالفاتنا ما حكاه الله سبحانه في كتابه على لسان رسوله فقال: وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا [الفرقان:30] . وكثير من الأمة اليوم قد هجر القرآن، لا قراءة فقط بل عملا وتطبيقا أيضا. هذا كتاب الله يقرأ على المرضى ومن به مسٌّ، ويوضع في السيارات والبيوت لدفع البلاء وطرد الشياطين، ويعلق في رقاب وسواعد المواليد لمنع العين زعموا، ولا يعمل به إلا قليلا. وما أنزل القرآن لهذا، بل أنزل كما قال ربنا جل وعلا: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [ص:29] . فهو أنزل للتدبر والعمل، فهو منهج عمل ودستور حياة.

معاشر المؤمنين، كان هذا استعراضا سريعا لحالنا مع ربنا تبارك وتعالى ومع نبينا ومع كتاب ربنا، فعلام العجب بعد ذلك إن نزل البلاء؟! أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران:165] . ولئن كان بعضنا اليوم معافى في بدنه وماله وأهله فلا يأمن مكر الله، فإن الله قد حذرنا بمن حولنا فقال: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنْ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الأحقاف:27] ، وقال: بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمْ الْغَالِبُونَ [الأنبياء:44] . فاللهم عافنا ولا تبتلينا.

أيتها الأخت المسلمة، هذه كلمات نوجهها إليك من القلب ونرجو أن تصل إلى القلب.

أيتها الأخت، نصيحة أخ مشفق ـ والله ـ عليك من أن يصيبك عذاب الله، خوفا عليك من النار، حرصا على مصيرك الأخروي، فإياك ثم إياك من دعاوى المستغربين الذين يريدون الفساد والدمار لك ولأمتك. إنك ـ أيتها الأخت ـ على ثغرة عظيمة من ثغور الإسلام، فلا يؤتين المسلمون من قبلك.

أختنا الكريمة، لقد عرف الأعداء مكانة المرأة المسلمة في المجتمع، لذا أرادوا الدخول على المسلمين من هذا الباب، فلا تفتحيه لهم، فإنك والله اليوم حامية الحمى من هذا الجانب، كما أن هناك حمى يحميه الرجال من جانب آخر.

يا ابنة الإسلام، لقد أغاظ أعداء هذه الأمة أن يروك محتشمة مصونة مكرمة. لقد أغاظهم أن رأوك تخرجين للأمة رجالا كعمر بن الخطاب وخالد بن الوليد وعمر بن عبد العزيز وهارون الرشيد وصلاح الدين وغيرهم من الأبطال. أليس من أنجب هؤلاء الرجال هم أمهات مسلمات فاضلات؟!

لقد أغاظ أعداء الإسلام وجود الأم المربية المسلمة، فسعوا جاهدين لإفساد هذا المصنع العظيم للرجال وهذه المدرسة الجليلة. وجاؤوا من كل حدب وصوب وأجلبوا بخيلهم ورجلهم، ينعقون باسم الحرية تارة، وباسم المساواة تارة، وباسم التقدم تارة. وكذبوا والله، ما الحرية يريدون، ولا المساواة يقصدون، ولا إلى التقدم يهدفون، إن يريدون إلا فسادا. فهل تعي المرأة المسلمة ذلك؟!

أيتها الأخت المسلمة، سأقرأ عليك كلاما عن وضعك في المجتمع المسلم، نطقت به امرأة كافرة وكما يقال:"والحق ما شهدت به الأعداء".

تقول (هيلسيان ستانسبري) وهي صحفية أمريكية زارت كثيرا من بلاد العالم، وزارت القاهرة وأمضت فيها عدة أسابيع حيث زارت المدارس والجامعات والمؤسسات الاجتماعية ومراكز الأحداث والمرأة والأطفال، ثم قالت في مقال لها:"إن المجتمع المسلم كامل وسليم، ومن الخليق بهذا المجتمع أن يمتلك بتقاليده التي تقيد الفتاة والشباب في حدود المعقول. وهذا المجتمع يختلف عن المجتمع الأوروبي والأمريكي؛ فعندكم أخلاق موروثة تحتم تقييد المرأة وتحتم احترام الأب والأم، وتحتم أكثر من ذلك عدم الإباحية الغربية التي تهدد اليوم المجتمع والأسرة في أوروبا وأمريكا. ولذلك فإن القيود التي يفرضها مجتمعكم على الفتاة، هذه القيود صالحة ونافعة؛ لهذا أنصحكم بأن تتمسكوا بتقاليدكم وأخلاقكم. امنعوا الاختلاط وقيدوا حرية الفتاة، بل ارجعوا إلى عصر الحجاب، فهذا خير لكم من إباحية وانطلاق ومجون أوروبا وأمريكا. امنعوا الاختلاط فقد عانينا منه في أمريكا الكثير. لقد أصبح المجتمع الأمريكي مجتمعا مقعدا مليئا بكل صور الإباحية والخلاعة، وإن ضحايا الاختلاط والحرية يملؤون السجون والأرصفة والبارات، إن الحرية التي أعطيناها لفتياتنا وأبنائنا قد جعلت منهم عصابات أحداث وعصابات للمخدرات والرقيق. إن الاختلاط والإباحية والحرية في المجتمع الأوروبي والأمريكي قد هدد الأسرة وزلزل القيم والأخلاق"انتهى كلامها.

هذه شهادة من امرأة كافرة عاشت في بيئة الكفر التي ينظر إليها اليوم بعض المسلمين على أنها البيئة المثالية والنموذجية، ويطالبون بأن تكون مجتمعات المسلمين مثلها. فماذا يقول أولئك الآن؟!

أيها الأب، إنك أول المسؤولين أمام الله جل وعلا عن هذه البنت، فهل أحسنت تربيتها على التمسك بتعاليم دينها ومراقبة الله قبل التفكير في الفضيحة والعار؟! نسأل الله لك العون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت