فهرس الكتاب

الصفحة 4731 من 5777

فضل الصدق

الرقاق والأخلاق والآداب

مكارم الأخلاق

علي بن عبد الرحمن الحذيفي

المدينة المنورة

المسجد النبوي

1-منزلة العبد عند الله تعالى بالإيمان والخلق. 2- تفاوت الأعمال الحسنة والسيئة. 3- فصل الصدق. 4- حقيقة الصدق: صدق القول وصدق الفعل. 5- أصل الإيمان الصدق. 6- الحث على الصدق والتحذير من الكذب.

أمَّا بعد: فاتَّقوا الله تَعالى بامتِثالِ أمرِه والبُعدِ عن غَضَبِه ومَعصيَتِه، فإنَّ التقوَى بابُ كلِّ خَير، والفجورَ بابُ كلِّ شَرّ.

واعلَموا ـ عِبادَ الله ـ أنَّ مَنزِلةَ العَبدِ عِندَ ربِّه هِيَ بِإيمانِه وخُلُقِه، وقيمَةَ الإنسانِ عندِ الله وعند الخَلقِ هي بهذا الإيمانِ والعَمَل الصَّالح، لا بمالِه ولاَ بقوَّته ولاَ بجاهِهِ، قال تعالى: وَمَا أَمْو?لُكُمْ وَلاَ أَوْلَـ?دُكُمْ بِ?لَّتِى تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى? إِلاَّ مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَـ?لِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ ?لضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِى ?لْغُرُفَـ?تِ ءامِنُونَ [سبأ:37] .

ألاَ وإنَّ الأعمَالَ الصَّالحةَ تتفَاضَلُ في الثَّواب والصِّفات الحميدة، يَزيدُ بعضُها على بعضٍ في الأجرِ والمنازل بحَسَب عُمومِ نَفعِها لِصَاحبِها وللخَلقِ، كمَا أنَّ الأعمالَ السيِّئةَ والأفعالَ والصِّفاتِ القبيحةَ يعظُم عقابها وجزاؤُها الأليم بحسَب ضَررِها وطَيَران شرَرِها لصاحبِها وللخَلق، قال الله تعالى: وَلِكُلٍّ دَرَجَـ?تٌ مّمَّا عَمِلُواْ وَلِيُوَفّيَهُمْ أَعْمَـ?لَهُمْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [الأحقاف:19] .

ألا وإنَّ الصِّدقَ خُلُقٌ كَريم ووَصفٌ حسنٌ عَظيم، لاَ يتَّصِفُ به إلا ذو القَلبِ السّليم، أمَرَ الله تَعَالى به في كتابِه فقال تبَارَك وتعَالى: يَـ?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?تَّقُواْ ?للَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ?لصَّـ?دِقِينَ [التوبة:119] .

الصّدقُ يَكشِف عن مَعدنِ الإنسان وحُسنِ سَريرَتِه وطيبِ سيرتِه، كما أنَّ الكذِبَ يكشِف عن خُبثِ الطويَّة وقُبح السيرة. الصدقُ مَنجاة والكذِب مَرداة. الصّدقُ محبوبٌ ممدوحٌ في العقول السليمَة والفِطَر المستقيمة. حثَّ على الصِّدقِ رسول الهدَى ، فعن ابن مَسعودٍ رضي الله عنه قال: قال رسول اللهِ: (( عَلَيكم بالصِّدق، فإنَّ الصِّدقَ يهدِي إلى البرِّ، وإنَّ البرَّ يهدِي إلى الجنَّة، ولا يزال الرجُلُ يصدُق ويتحرَّى الصدقَ حتى يُكتَبَ عند الله صدّيقًا، وإيّاكم والكذبَ، فإنَّ الكذِبَ يهدي إلى الفجورِ، وإنَّ الفُجورَ يهدي إلى النَّار، ولا يزال الرَّجل يكذِب ويتحرَّى الكذبَ حتى يُكتَبَ عند الله كذّابًا ) )رواه البخاريّ ومسلم [1] .

وقَد وَعَدَ الله علَى الصِّدقِ ثوابه العظيمَ وجزاءَه الكبيرَ في الدنيا والآخرة، ففي الدّنيا يَرزُق اللهُ صاحبَ الصدق حُسنَ الأُحدوثَة ومحبَّةَ الله ومحبَّة الخَلقِ، وتُثَمَّن أقوالُه، ويُؤمَنُ جانِبُه، ويُريحُ النّاسَ من شَرِّه، ويحسِن إلى نفسِه، ويحسِن إلى غَيره، ويُعافى منَ الشرورِ والمهالك التي تصيب الكَذّابين، ويطمئنُّ بالُه وقلبه، فلا يمزِّقه القَلق والخوفُ، ففي الحديثِ عن الحَسنِ بنِ عليٍّ رضي الله عنهما قال: حَفِظتُ مِن رَسولِ الله: (( دَع مَا يَريبُك إلى ما لا يَريبك، فإنَّ الصّدقَ طمأنينة والكذبَ ريبة ) )رواه الترمذيّ وقال:"حديث صحيح" [2] .

وتكونُ عواقبُ الصّادِقِ في حَيَاتِه إلى خَيرٍ، كما في حديثِ كَعب بنِ مالكٍ رضي الله عنه في قِصّةِ تخلُّفِه عن غزوةِ تَبوك: قلت: يا رسولَ الله، إني ـ والله ـ لو جَلَستُ عند غيرِك من أهلِ الدنيا، لرَأيتُ أني سأخرُج من سخَطِه بعُذر، لقد أُعطِيتُ جدلًا، ولكني ـ والله ـ لقد عَلِمتُ لئن حدّثتُك اليومَ حديثَ كذبٍ تَرضَى به عنِّي، ليوشِكنَّ الله يُسخِطُك عَليَّ، وإن حدّثتُك حَديثَ صِدقٍ تجِدُ عليَّ فيهِ، إني لأرجُو فيه عُقبى الله عزّ وجلّ. رواه البخاري ومسلم [3] ، أي: أرجو مِنَ الله العاقبةَ الحَميدةَ في صدقي، وقد كان ذلك في شأنه رضي الله تعالى عنه.

وأمّا ثوابُ الصّدقِ في الآخرة فرضوانُ الله تبارك وتعالى والدّرجاتُ العُلى في الجنّة التي فيها مَا لاَ عينٌ رَأَت ولا أُذُن سمِعت ولا خَطَر على قلبِ بَشَر، ففي القُرآنِ العظيم قال الله تعالى: هَـ?ذَا يَوْمُ يَنفَعُ ?لصَّـ?دِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّـ?تٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ?لأَنْهَـ?رُ خَـ?لِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِىَ ?للَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذ?لِكَ ?لْفَوْزُ ?لْعَظِيمُ [المائدة:119] ، وقَالَ تَعَالى: وَمَن يُطِعِ ?للَّهَ وَ?لرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ ?لَّذِينَ أَنْعَمَ ?للَّهُ عَلَيْهِم مّنَ ?لنَّبِيِّينَ وَ?لصِّدِّيقِينَ وَ?لشُّهَدَاءِ وَ?لصَّـ?لِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا [النساء:69] .

فَما حقيقةُ هذا الصِّدقِ الذي وَعَد الله عليه أحسَنَ الثوابِ ونجَّى صاحبَه من العذاب؟

الصدقُ صِدقُ أقوالٍ وصِدق أفعال:

فصِدق القولِ أن يَقولَ الحقَّ بِتَبلِيغ كَلامِ الله تعالى أو كَلامِ رسولِ الله ، أَو يَأمُر بحَقٍّ، أو يَنهَى عن باطل، أو يخبِر بما يُطابِقُ الوَاقِعَ، قال الله تعالى: وَ?لَّذِى جَاءَ بِ?لصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ ?لْمُتَّقُونَ [الزمر:33] ، وفي الحدِيثِ عَنِ النَّبيِّ: (( المؤْمِنُ إذا قالَ صدَق، وإذا قيلَ له يُصَدِّق ) ) [4] .

والصِّدقُ في الفِعلِ هوَ مُعامَلةُ الله تَعَالى بِصِدقِ نيَّةٍ وإِخلاصٍ ومحبَّةٍ لله ويَقينٍ، ومُعاملةُ الخَلق بصدقٍ ورَحمةٍ ووَفاءٍ، قال الله تبارك وتعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـ?كِنَّ ?لْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِ?للَّهِ وَ?لْيَوْمِ ?لآخِرِ وَ?لْمَلَئِكَةِ وَ?لْكِتَـ?بِ وَ?لنَّبِيِّينَ وَءَاتَى ?لْمَالَ عَلَى? حُبِّهِ ذَوِى ?لْقُرْبَى? وَ?لْيَتَـ?مَى? وَ?لْمَسَـ?كِينَ وَ?بْنَ ?لسَّبِيلِ وَ?لسَّائِلِينَ وَفِي ?لرِّقَابِ وَأَقَامَ ?لصَّلَو?ةَ وَءاتَى ?لزَّكَو?ةَ وَ?لْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـ?هَدُواْ وَ?لصَّابِرِينَ فِى ?لْبَأْسَاء و?لضَّرَّاء وَحِينَ ?لْبَأْسِ أُولَئِكَ ?لَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ ?لْمُتَّقُونَ [البقرة:177] ، وَقَالَ تعَالى: مِّنَ ?لْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَـ?هَدُواْ ?للَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَى? نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا [الأحزاب:23] .

والصِّدقُ هو موافقةُ الظاهر للباطنِ في الخير، وهو موافقة الأقوال والأعمال بعضها لبَعضٍ، والكذبُ هو مخالفةُ الباطنِ للظاهر في الشرّ والمخادَعةُ والمكر. والإيمانُ أَصلُهُ الصِّدقُ والتَّصدِيق، فالصِّدقُ إذًا يكونُ بالأقوالِ ويكون بالأفعالِ.

وقَد كانَ السَّلفُ رضي الله عنهم أشدَّ الناسِ تمسُّكًا بخُلُق الصّدق مع ربِّهم ومع عِبادِ الله، عن كعبِ بن مالك رضي الله عنه قال: قلتُ: يا رسولَ الله، إنَّ اللهَ تعالى إنما أنجَاني بالصِّدق، وإنَّ مِن تَوبَتي أن لا أحَدِّثَ إلاّ صِدقًا ما بَقِيتُ، فواللهِ مَا علِمتُ أحدًا منَ المسلمين أبلاه الله تَعَالى في صِدقِ الحديثِ مُنذُ ذَكَرتُ ذلك لرسولِ الله أحسَنَ ممَّا أبلاني، واللهِ مَا تَعَمَّدتُ كذبَة منذ قلتُ ذلك لرسولِ الله إلى يومِي هَذَا، وإنِّي لأَرجُو أن يحفظَني اللهُ تعالى فيما بقِي. رواه البخاري ومسلم [5] .

ووصَفَ اللهَ المهاجرينَ الأوَّلين بخُلُقِ الصِّدقِ فقَال تعالى: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَـ?جِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَـ?رِهِمْ وَأَمْو?لِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ ?للَّهِ وَرِضْو?نًا وَيَنصُرُونَ ?للَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ ?لصَّـ?دِقُونَ [الحشر:8] .

بَارَك الله لي ولَكم في القرآنِ العَظيم، ونَفَعني وإيّاكم بما فيهِ مِنَ الآياتِ والذِّكر الحكيم، ونفَعَنا بهديِ سيِّد المرسلين وبِقَوله القويم. أقول قَولي هذا، وأستغفِر الله العَظيم الجَليلَ لي ولكم ولسائر المسلمين مِن كلِّ ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

[1] صحيح البخاري: كتاب الأدب (6134) ، صحيح مسلم: كتاب البر (2607) .

[2] سنن الترمذي: كتاب صفة القيامة (2518) ، وأخرجه أيضا أحمد (1/200) ، والنسائي في الأشربة (5711) ، وصححه ابن حبان (722) ، والحاكم (2/13) ، ووافقه الذهبي، وهو مخرج في الإرواء (2074) .

[3] صحيح البخاري: كتاب المغازي (4418) ، صحيح مسلم: كتاب التوبة (2769) .

[4] ذكره علي القاري في المصنوع (260) وقال:"لا يعرف بهذا اللفظ".

[5] تقدم تخريجه.

الحمدُ لله الملِكِ القدّوس السّلام، رفع مَنارَ الإسلام، وعمَّ خَلقَه بالنّعَم العِظام، أحمدُ ربِّي وأشكُره، وأتوبُ إليه وأستَغفِره، وأشهَد أن لا إلهَ إلا الله وَحدَه لا شَريكَ له ذُو الجلالِ والإكرَام، وأشهَد أنّ نبيَّنا وسَيِّدَنا محمّدًا عبده ورسوله، كشف الله به دَيَاجيرَ الظَّلام، اللهمّ صلِّ وسلّم وبارِك على عبدك ورسولك محمَّد، وعلى آله وصحبِه الأئمة الأعلام.

أمّا بعد: فاتّقوا الله تعالى وأطيعوه، وتقرَّبوا إليه بما يُرضِيه.

أيّها المسلمون، إنَّ الصِّدقَ خلُقٌ يحبُّهُ الله ورسوله، ويعرِف فضلَه العقلاء الحكماء، دعا إليه نبيُّ الرحمة مع دعوتِه لعِبادةِ الله وَحدَه لا شريكَ له في أوَّلَ بِعثتِه وطولَ حياتِه عليه الصلاة والسلام، عن أبي سُفيانَ رضيَ الله عنه أنَّ هِرَقلَ سألَه عن النَّبيِّ فَقَال: فمَاذا يأمُرُكم؟ قُلتُ: يَقول: (( اعبُدوا اللهَ وَحدَه لاَ تُشرِكوا بِهِ شيئًا، واترُكُوا مَا يَقول آباؤكم ) )، ويأمرنا بالصّلاة والصِّدق والعَفَافِ والصِّلَة. رواه البخاري ومسلم [1] .

قال الله تبارك وتعالى: إِنَّ ?لْمُسْلِمِينَ وَ?لْمُسْلِمَـ?تِ وَ?لْمُؤْمِنِينَ وَ?لْمُؤْمِنَـ?تِ وَ?لْقَـ?نِتِينَ وَ?لْقَـ?نِتَـ?تِ وَ?لصَّـ?دِقِينَ وَ?لصَّـ?دِقَـ?تِ وَ?لصَّـ?بِرِينَ وَ?لصَّـ?بِر?تِ وَ?لْخَـ?شِعِينَ وَ?لْخَـ?شِعَـ?تِ وَ?لْمُتَصَدّقِينَ وَ?لْمُتَصَدّقَـ?تِ وَ?لصَّـ?ئِمِينَ وَ?لصَّـ?ئِمَـ?تِ وَ?لْحَـ?فِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَ?لْحَـ?فِظَـ?تِ وَ?لذَّاكِرِينَ ?للَّهَ كَثِيرًا وَ?لذَّاكِر?تِ أَعَدَّ ?للَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب:35] .

فكُونُوا ـ عِبادَ الله ـ مِنَ الصّادقِين في أقوَالِكم وأَعمالِكم؛ فإنَّ الصّدقَ بابٌ من أبواب الجنَّة، لا يقرِّب أجلًا، ولا يمنَع رِزقًا، ولا يفوِّتُ مصلَحَةً.

عبادَ الله، إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] ، وقد قال: (( من صلّى عليَّ صلاةً واحِدةً صلّى الله عليه بها عشرًا ) ).

فصلّوا وسلِّموا على سيّد الأوّلين والآخرين وإمامِ المرسَلِين.

اللَّهمَّ صلِّ علَى محمّد وعلى آل محمّد...

[1] صحيح البخاري: كتاب بدء الوحي (7) ، صحيح مسلم: كتاب الجهاد (1773) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت