فهرس الكتاب

الصفحة 4638 من 5777

الإخلاص

التوحيد, الرقاق والأخلاق والآداب

أعمال القلوب, أهمية التوحيد

عمر بن تهامي شويمت

باتنة

الشهيد الحاج عبد القادر

1-حقيقة الإخلاص. 2- وجوب الإخلاص وأهميته. 3- الإخلاص في العبادات. 4- النية في المعاملات والعادات. 5- الجزاء على النية الصادقة. 6- فوائد الإخلاص. 6- خطورة الرياء.

أما بعد: عباد الله، إن الإخلاص هو صدق النية مع الله، وهو شرط أساس في قبول الأعمال، يقول تعالى: أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر:3] .

فإن الواجب على المسلم أن يقصد الله سبحانه وتعالى وحده بالعبادة في قوله وعمله، وذلك لا يكون إلا بإخلاص النية والقصد والإرادة لله وتخليصها من كل غرض دنيوي، قال الله تعالى مُخاطبا نبيَّه الكريم: قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162، 163] ، وقال أيضا: وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ حُنَفَاء [البينة:5] ، وقال أيضا: فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا [الكهف:110] ، وهذه الآية بيّنت أنّ ركن العمل وشرط صحّته إنما هو في الإخلاص.

عباد الله، إنَّ العمل إذا كان لله فهو مقبول، وصاحبه مأجور عليه، وإن كان لغير الله فهو مردود على صاحبه، ويكون عليه وزرا، فالله سبحانه وتعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه الكريم، وفي الحديث القدسي: (( قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه ) )رواه مسلم.

وتصحيح النيّة لله شرط في صحّة العمل وقبوله، فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: (( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ) )متفق عليه.

عباد الله، إنَّ الإخلاص واجب في العبادات والطاعات التي يُقصَد بها التقرّب إلى الله فقد، ورد في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي قال: (( إن الله طيّب لا يقبل إلا طيبا ) )أخرجه مسلم والترمذي وأحمد.

إنّ الصلاة مع الرياء جريمة، فبعدما فقدت روح الإخلاص أصبحت صورةً ميتة لا خير فيها، يقول تعالى: فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ [الماعون:4-7] .

نعم، عندما يفقد المسلم الإخلاص في صلاته تصبح عبارة عن حركات وسكنات وهمهمات غير مفهومة، لاشيء فيها، فترى المُصلّي لا يعي شيئا ويفقد خشوعه ويسيطر عليه وسواسه، فلا يتذوّق حلاوة العبادة.

كذلك الزّكاة والصدقة، فإذا أخرجها المسلم مرضاةً لله قبِلت منه، وإن أخرجها رياء وسمعة أو ليستَميل بها قلوبًا أو يكسِب أنصارا فإنه لن ينال من ماله الذي أخرجه إلا ما كسبه من جزاء الدنيا، والله تعالى يمدح المتصدقين الذين لا يبغون من صدقاتهم جزاء ولا شكورا، ولا ينتظرون من الناس المدحَ والشكر، يقول تعالى: إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلاَ شُكُورًا [الإنسان:9] ، وقال أيضا: الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى [الليل:18-21] .

كذلك الصوم فإن لم يقصد بصومه العبادةَ والتقرب إلى الله تعالى كان صومه جوعا وعطشًا أو إضرابا عن الطعام، ولم ينل من صومه إلا ما أصابه من جوع وعطش، يقول النبي فيما رواه عنه أبو هريرة رضي الله عنه: (( ربَّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر ) )أخرجه ابن ماجه وأحمد والدارمي. فإن أخلص صومه لربه أجزَل له الثواب وأعطاه أجرا عظيما، يقول النبي فيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه: (( من صام رمضان إيمانا واحتسابا غُفر له ما تقدم من ذنبه ) )متفق عليه.

كذلك الحج، فإن قصد بحجه السياحة أو التجارة أو الحصول على مكانة دينية في نظر الناس فلن ينال من حجه إلا التعبَ وخسارة المال، وإن أخلص وبرّ في حجه فإن الجزاء يكون مضاعفا، يقول النبي في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (( العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ) )متفق عليه.

عباد الله، اعلموا أنّ العبادة ليست وحدها تحتاج إلى صدق نية وإخلاص، بل إن المعاملات والعادات تحتاج إلى نيّة، وتصير طاعات وقربات إذا ارتبطت بنيات صادقة وأُريدَ بها وجه الله، فقد قال النبي لسعد بن وقاص رضي الله عنه وهو يزوره في مرضه: (( وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجرتَ، حتى ما تجعل في في امرأتك ) )متفق عليه من حديث عامر بن سعد.

وإن الله يعلم خبايا النفوس ويطّلع عليها، فيرفع المُخلصين بنياتهم إلى مراتب الصالحين.

عباد الله، إن الله ليجازي الصادقين بمجرّد نياتهم الصادقة حتى ولو لم يوفّقوا إلى العمل، فقد حدث في غزوةِ تبوك ـ وتسمى العُسرة ـ أن أتى قوم حبسهم الجُهد إلى رسول الله ، وطلبوا منه الذهاب معه والخروج للجهاد، فردهم النبي لأنهم عاجزون بدنيّا وماليّا، فعادوا وأعينهم تفيض من الدمع حزَنا على تخلّفهم عن الجهاد، فنزل فيهم القرآن كلاما يتلى: وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ [التوبة:92] ، وقد سجل لهم ثواب المُجاهدين لصدق نياتهم، فقال فيهم المصطفى: (( إن أقواما خلفنا بالمدينة ما سلكنا شِعبا ولا واديا إلا وهم معنا فيه؛ حبسهم العذر ) )رواه البخاري وابن ماجه.

اللهم اجعلنا من المُخلصين الصادقين، وصلى وسلم على سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والعاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمدا خير مبعوث للعالمين وخاتم الأنبياء والمرسلين، اللهم صلّ عليه وعلى آله وصحبه الغر الميامين، وعلى من تبعهم إلى يوم الدين.

وبعد: عباد الله، إن في الإخلاص فوائد كثيرة منها:

1-أن الله تعالى يرفع به درجات المؤمن، يقول المصطفى لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه كما مرّ بنا: (( وإنك لن تُخلَّف فتعملَ عملًا تبتغي به وجهَ الله إلا ازدَدتَ به درجةً ورفعة ) )متفق عليه.

2-المخلصُ لربّه مجابُ الدعوة, يقول النبيّ: (( انطلقَ ثلاثة نفرٍ ممّن كان قبلَكم حتى آواهم المبيتُ إلى غار فدخلوه, فانحدرت صخرةٌ من الجبل فسدّت عليهم الغار، فقالوا: إنّه لا ينجّيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، فقال كلّ واحدٍ منهم متوسّلًا إلى الله بصالح عملِه وإخلاصِه: اللهمّ إن كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاءَ وجهك ففرّج عنّا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجَت فخرجوا يمشون ) )متفق عليه.

3-وبه تزول أحقادُ القلوب وضغائن الصدور، يقول النبيّ: (( ثلاثٌ لا يغلّ عليهنّ قلبُ مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحةُ ولاة الأمر، ولزوم جماعةِ المسلمين ) )رواه أحمد.

عباد الله، إن الرياء مهلك للعمل ومُحبط له، بل إن العمل ولو كان في ظاهره قربة يصير بالرياء وبالًا على صاحبه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: (( إن أذلَّ الناس يقضَى يوم القيامة عليه ـ أي: يحكم عليه ـ رجل استشهد فأتي به فعرَّفه نعمتَه، فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك ـ أي: في سبيل الله ـ حتى استُشهدت، قال: كذبتَ، ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأتي به فعرّفه نعمَه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلّمتُ العلم وعلّمته وقرأت فيك القرآن، قال: كذبتَ، ولكنك تعلَّمت ليقال: عالم، وقرأتَ القرآن ليقال: قارِئ، فقد قيل: ثم أمِر به فسحب على وجهه حتى ألقِي في النار، ورجل وسّع الله عليه وأعطاه من أصناف المال، فأتي به فعرفه نعمَه فعرفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: ما تركتُ من سبيل تحبّ أن ينفق فيها إلا أنفقتُ فيها لك، قال: كذبتَ، ولكنك فعلتَ ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمِر به فسحب على وجهه، ثم ألقي في النار ) )رواه مسلم.

اللهم إنا نسألك الإخلاص في أقوالنا وأعمالنا، ونسألك أن ترضى عنا وأن تجنّبَنا الرياءَ في كل شؤوننا ما علمناه وما لم نعلم، اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحينا ما علمت الحياة خيرًا لنا...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت