فهرس الكتاب

الصفحة 4510 من 5777

الصلاة

فقه

الصلاة

محمد بن راشد الرشيدي

خيبر

جامع التقوى بالثمد

1-منزلة الصلاة في الإسلام. 2- تهاون الناس بالصلاة. 3- حكم تارك الصلاة. 4- أصناف الناس مع الصلاة. 5- أهمية أمر الأهل والأولاد بالصلاة.

وبعد: فإن للصلاة في الإسلام مكانةً عظيمة، فهي عمود الإسلام والركن الثاني من أركان الإسلام، وهي الفارقة بين المسلمين والكافرين. عظم الله شأنها ورفع مكانتها وفرضها فوق سبع سموات، وهي أول ما يحاسب عليه الإنسان من عمله، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله.

من حافظ عليها حفظه الله في الدنيا والآخرة، ومن ضيعها ضيعه الله في الدنيا والآخرة، قال: (( من حافظ عليها كانت له نورًا ونجاة وبرهانًا يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورًا ولا نجاة ولا برهانًا يوم القيامة، وحشر يوم القيامة مع فرعون وهامان وأُبي بن خلف ) )، وأما حفظه في الدنيا فيقول: (( من صلى الصبح في جماعة فهو في ذمة الله ) )، أي: في حفظ الله تعالى.

ويقول الله عز وجل: وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45] ، فالصلاة تنهى صاحبها وتحفظه من الذنوب والمعاصي، لذلك فقد شهد الله بالإيمان لمن يحافظ على الصلاة في المساجد، قال تعالى: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [التوبة:18] .

والصلاة عون للمسلم على أمور دينه ودنياه، قال تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45] ، وكان النبي إذا حزبه أمر وأهمه قال: (( أرحنا بالصلاة يا بلال ) ).

والصلاة تكفّر الخطايا والذنوب، قال: (( أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه خمس مرات هل يبقى من درنه شيء؟ ) )قالوا: لا، قال: (( ذلك مثل الصلوات الخمس؛ يكفر الله بهن الخطايا، ويرفع بهن الدرجات ) )، ويقول: (( الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينها إذا اجتنبت الكبائر ) ).

والصلاة من أعظم أسباب دخول الجنة، قال: (( خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن جاء بهن ولم يضيع شيئًا من حقهن كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة ) ).

ومع عظم شأن الصلاة في الإسلام وعظم أجرها إلا أن بعض المسلمين قد تساهل بها تساهلًا عجيبًا، فمنهم من تركها فلا تراه يركع لله ركعة إلا حياءً من الناس أو مجاملة وهؤلاء كفار وليسوا بمسلمين، قال النبي: (( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر ) )، وقال: (( إن بين الرجل والشرك والكفر ترك الصلاة ) ). وهؤلاء عقوبتهم إن لم يتوبوا ويرجِعوا نار تلظّى وجحيم محرق، قال تعالى: فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمْ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [الحج:1-22] ، وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ [الأحزاب:64-66] .

وأما في الدنيا فتارك الصلاة تطبق عليه أحكام الكفار، ومنها أنه لا تؤكل ذبيحته، فلو ذبح شاة فلا يجوز لأحد من المسلمين أن يأكل منها، ولا يزوَّج من بنات المسلمين، ولو عقد على امرأة وهو لا يصلي صار العقد باطلًا، ولا يرث ولا يورث، وليس له ولاية على أحد من المسلمين حتى أولاده وبناته، ولا يدخل مكة ولا المدينة لأنه كافر نجس وهي أماكن طاهرة، وإذا مات وهو لا يصلي فإنه لا يغسَّل ولا يكفَّن ولا يصلّى عليه ولا يقبر في مقابر المسلمين، وإذا مات وهو لا يصلي فلا يجوز لأهله أن يدعوا له بالرحمة ولا يستغفروا له، نعوذ بالله من حال الكفار.

ومن الناس من يتساهل بالصلاة فيصلي أحيانًا ويتركها أحيانًا أو ينام عن بعض الصلوات ولا يصليها إلا بعد خروج وقتها، وهؤلاء على خطر عظيم، قال: (( من ترك صلاة متعمدًا فقد برئت منه ذمة الله ) )، وقال: (( من ترك صلاة العصر متعمدًا حبط عمله ) ). بل إن الله عز وجل قد توعدهم بأشد الوعيد، فقال تعالى: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون:4، 5] ، فقد توعدهم الله بالويل وهو العذاب الأليم، وقيل: إنه واد في جهنم، مع أنهم يصلون ولكنهم لما كانوا يسهون عن صلاتهم ولا يحافظون عليها ويضيّعون بعض فروضها أو ينامون عنها توعّدهم الله بالويل.

وإلى الذين ينامون عن الصلاة ولا يستيقظون إلا عند وقت الدوام أمّا الصلاة فلا يبالون بوقتها فنسوق لهم هذا الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( أتاني الليلة آتيان، فقالا لي: انطلق، فانطلقت معهما، وإنا أتينا على رجل مضطجع وإذا آخر قائم عليه بصخرة وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فيثلغ رأسه فيتهدهده ها هنا وها هنا، فيتبع الحجر فيأخذه فلا يرجع إليه حتى يصبح رأسه كما كان، ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل في المرة الأولى ) )، فلما سأل عنه النبي قيل له: إنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة.

ومن الناس من يصلي ولا يترك من الصلاة شيئا ولكنه يفرط في صلاة الجماعة، فلا يعرف المسجد ولا جماعة المسلمين، وهؤلاء كذلك على خطر، فقد قال: (( لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم أخالف إلى أناس لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار ) )، وقال: (( من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر ) )، وجاء رجل أعمى إلى النبي فقال: يا رسول الله، أني رجل أعمى، وليس لي قائد يلائمني إلى المسجد، فهل تجد لي رخصة في أن أصلي في بيتي؟ فقال له النبي: (( أتسمع النداء بالصلاة؟ ) )قال نعم، قال: (( فأجب ) )، وفي رواية: (( لا أجد لك رخصة ) )، ويقول أبو هريرة رضي الله عنه: لأن يصبّ في أذني الآنك خير لي من أن أسمع النداء ولا أجيب. والآنك هو الرصاص المذاب. ويقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق... وإنه ليؤتى بالرجل يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف. ومعنى يهادى أي: يعضد.

والتخلف عن صلاة الجماعة من صفات المنافقين الذين هم أصحاب الدّرك الأسفل من النار، أعاذنا الله وإياكم من ذلك، قال: (( أثقل الصلاة على المنافقين صلاة الصبح والعشاء ) ).

وأعظم من هذا الذي يتخلف عن صلاة الجمعة، فقد قال: (( من ترك ثلاث جمعات من غير عذر كتب من المنافقين ) ).

ومن الناس من يصلي ولكنه يصلي صلاة باطلة؛ لأنها على خلاف شرع النبي ، فلا تزيده من الله إلا بعدًا، فبعضهم لا يتوضأ للصلاة ويصلي وهو على غير طهارة، فهذا صلاته باطلة ولو صلى ألف ركعة، فإنها لا تقبل، قال: (( لا يقبل الله صلاة بغير طهور ) )، وقال: (( لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ ) )، وبعض الناس لا يحسن قراءة الفاتحة، ومن لم يقرأ الفاتحة في كل ركعة فصلاته باطلة، قال: (( من لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصلاته خداج ) )أي: باطلة، وقال: (( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ) )، وبعض الناس يستعجل في صلاته فلا يتم ركوعها وسجودها، وهذا كذلك صلاته باطلة، قال: (( إن الرجل ليصلي ستين سنة وما تقبل له صلاة، لعله يتم الركوع ولا يتم السجود، ويتم السجود ولا يتم الركوع ) )، وقال: (( أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته ) )، قالوا: يا رسول الله، وكيف يسرق من صلاته؟! قال: (( لا يتم ركوعها ولا سجودها ) )، أو قال: (( لا يقيم صلبه في الركوع والسجود ) )، ومعنى: (( لا يتم الركوع والسجود ) )أي: لا يأتي بها كاملة بل يستعجل في الركوع والسجود ولا يطمئن فيها، ومعنى: (( لا يقيم صلبه في الركوع والسجود ) )أي: لا يقيم ظهره عند القيام من الركوع والسجود.

وقد دخل رجل والنبي جالس في المسجد فصلى ثم جاء إلى النبي فسلم عليه، فقال له النبي: (( ارجع فصلّ فإنك لم تصل ) )، وأعاد الصلاة ثلاث مرات، وفي كل مرة يقول له النبي: (( ارجع فصلّ فإنك لم تصل ) )، فقال الرجل: والذي بعثك بالحق، ما أحسن غير هذا فعلمني، فقال له النبي: (( إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تستوي قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها ) )، فمن هذا الحديث تبين لنا أن سبب بطلان صلاة هذا الرجل هو استعجاله في الصلاة وعدم طمأنينته فيها، فعدّه النبي لم يصلّ.

فعلى كل مسلم أن يهتم في صلاته ويؤديها كاملة تامة كما شرعها النبي حتى تقبل منه الصلاة، فإنها أول ما يحاسب عليه الإنسان من عمله، قال: (( إن أول ما يحاسب عليه العبد من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، وإن انتقص من فريضته قال الله تعالى: انظروا هل لعبدي من تطوع، يكمل به ما انتقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك ) ).

فيا عباد الله، حافظوا على الصلاة في أوقتها، وأدّوها كاملة تامّة، وأكثروا من نوافلها عسى ربنا أن يتقبل منا ويرحمنا ويدخلنا الجنة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفوته من خلقه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

أما بعد: عباد الله، فكما أمرنا الله عز وجل بالمحافظة على الصلاة بأنفسنا فقد أمرنا بأن نربِّيَ عليها أهلنا وأبناءنا، قال تعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [طه:132] ، وقال جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6] . فقد أمرنا الله في هذه الآيات أن نقي أنفسنا وأهلينا من النار، ووقايتهم من النار لا تكون إلا بتربيتهم على الصلاة وعلى طاعة الله عز وجل.

فاتقوا الله يا عباد الله، وربوا أولادكم على طاعة الله وعلى الصلاة، فإن من الناس من يحافظ على الصلاة ولكنه قد ضيع أولاده وأهله ولم يربّيهم على الصلاة، بل يراهم مضيّعين لها مفرطين بها فلا يحرك ساكنًا، وهذا خطأ عظيم، فقد أمرنا النبي بتربيتهم على الصلاة وضربهم إن فرطوا بها، قال: (( مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين ) )، وكل إنسان سيسأل عن أبنائه وبناته وأهل بيته يوم القيامة: هل رباهم على طاعة الله والصلاة أم ضيعهم وأهملهم؟ قال: (( كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته ) )، وقال: (( من استرعاه الله رعية فمات وهو غاش لها إلا حرم الله عليه الجنة ) ).

والطفل ينشأ ويتربى على ما يعوده أبوه، فإن رباه وعوده على الصلاة وآداب الإسلام منذ الصغر تربى عليها، وإن أهمله أبوه وتربى على تضييع الصلاة صعب عليه إصلاحه عند الكبر، فحافظوا على أبنائكم، وربوهم على الصلاة منذ الصغر، فإن في ذلك الخير لكم ولهم في الدنيا والآخرة.

أسأل العظيم رب العرش العظيم أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يصلح لنا ذرياتنا، إنه سميع مجيب.

وصلوا على من أمركم الله بالصلاة عليه نبي الرحمة...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت