فهرس الكتاب

الصفحة 4228 من 5777

الرحمة

التوحيد, الرقاق والأخلاق والآداب

الأسماء والصفات, مكارم الأخلاق

عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ

الرياض

جامع الإمام تركي بن عبد الله

1-الرحمة من صفات الله الكاملة. 2- أوجه رحمة الله بعباده. 3- سعة رحمة الله وشمولها. 4- الحث على اتصاف العبد بالرحمة مع جميع الخلق. 5- محمد صلى الله عليه وسلم أرحم الخَلْق بالخَلْق.

أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.

عباد الله، أسماءُ الله جلّ وعلا وصفاتُه تعالى أسماءُ وصفاتُ كمال، فله الأسماء الحسنى والصفات العلى، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] . كل أسمائه كمال، وكل صفاته صفاتُ كمال لائقة بجلاله وعظمته.

فمن صفاته جلّ وعلا صفة الرحمة، فالرحمة صفة من صفات ربنا جلّ وعلا، وهي رحمة لائقة بجلاله: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف:156] . هذه الرحمة التي اتصف اللهُ بها جلّ وعلا رحمة عامة لكل الخلق، فمن كمال رحمته أنه أوجد الخلق على أحسن صورة: لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين:4] ، وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا [الإسراء:70] .

ومن رحمته أنْ تكفّل برزق عباده، فلم يَكِل أحدًا إلى أحد، وإنما تكفّل برزق الجميع، فلا الأولاد وُكِلُوا لآبائهم، ولا الآباء لأولادهم، بل الجميع تحت فضله وكرمه وإحسانه: وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ [العنكبوت:60] ، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6] .

ومن رحمته أن سَخّر لنا ما في السماء والأرض جميعًا منه؛ لقيام مصالح حياتنا وانتظام معيشتنا.

أيها المسلم، ومن رحمته جلّ وعلا بخلقه أن بعث الرسل مبشّرين ومنذرين، يُعَرّفون العباد ربَّهم، ويدعون العبادَ إلى عبادة الله وإخلاص الدين لله، ويعلمونهم الحق، ويحذّرونهم من سبيل الباطل والضلال.

ومن رحمته بنا أن بعث فينا سيدَ الأولين والآخرين، وإمامَ المتقين محمدَ بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، فرسالته رحمةٌ لعموم العالمين، والكتاب الذي أَنزَل عليه نذيرٌ للعالمين: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان:1] ، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] ، فَرَحِم الله البشرية كلها بمبعث هذا النبي الكريم الذي جعل الله رسالته رسالة عامة لكل الثَّقَلَين منذ بُعِث إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:158] . وكان الأنبياء يُبعثون إلى قومهم خاصة، وبُعِث محمد إلى الناس عامة، فيقول: (( وكان النبي يُبعَث إلى قومه خاصة، وبُعِثتُ إلى الناس عامة ) ) [1] ، صلوات الله وسلامه عليه أبدًا دائمًا إلى يوم الدين.

ومن رحمة الله بالعباد هذه الشريعة الكاملة في مبادئها ونُظُمِها وقِيَمها وأخلاقها، فهي شريعة كاملة شاملة صالحة ومُصْلِحة لكل زمان وجيل من الناس: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3] . فرحمنا الله بهذه الشريعة الشاملة العامّة التي وضع الله فيها الآصَارَ والأغلالَ التي كانت على من قبلنا، يقول الله في وصف نبيه: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف:157] ، فهي شريعة مبنيّة على اليُسر والتسهيل: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ [البقرة:185] ، (( يسّروا ولا تعسّروا، وبشّروا ولا تنفّروا ) ) [2] ، وفي الحديث: (( إنما بُعثتم ميسّرين ) ) [3] .

أيها المسلم، إن رحمة الله رحمة واسعة، رحمة شاملة، رحمة للمؤمن في الدنيا والآخرة، ورحمة لغير المؤمن في الدنيا، يتمتّع فيها بالملذّات ولا نصيب له في الآخرة، أما المؤمن فرحمة الله عليه في الدنيا والآخرة: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ [الأعراف:156] .

أيها المسلم، إن رحمة الله ينالها العبدُ إذا أخذ بأسباب الرحمة، ومن أسباب الرحمة رحمتُك بعباد الله، ففي الحديث عنه قال: (( الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يَرْحَمْكُم من في السماء ) ) [4] ، فالذين يرحمون عباد الله يرحمهم الله، والذين يرحمون أهل الأرض يرحمهم مَن في السماء، جزاءً على قدر أعمالهم الصالحة. وأخبر أن هذه الرحمة لا تُنتَزع إلا من شقيّ، فقال: (( لا تُنْزَع الرحمةُ إلا من شقي ) ) [5] ، وأخبرنا خبرًا صادقًا أن الله يرحم الرحماء من عباده، فيقول: (( إنما يرحم اللهُ من عباده الرحماءَ ) ) [6] ، ويقول: (( من لا يَرْحَمِ الناس لا يرحمه الله ) ) [7] ، فالقاسية قلوبُهُم الذين لا خير فيهم يفوتهم هذا الفضل العظيم.

رحمة الله واسعة، خلق الله مئة رحمة، أنزل جزءًا في الأرض، به تتراحم الخليقةُ كلها، حتى ترفع الدابّةُ حافِرَها عن ولدها؛ كراهية أن تمسّه بسوء، وادّخَر تسعًا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة [8] .

أيها المسلم، إن هذه الرحمة صفة الله، وإن المؤمن ليتخلّق بذلك، ويتعرّض لأسباب الفضل والخير.

أيها المسلم، فأولى ما تكون نفسك، فارحمها بأن تنقذها من عذاب الله، وتسعى في فكاكها من عذاب الله، بطاعتك لربك، وقيامك لما أوجب عليك: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9، 10] ، ويقول: (( كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو مُوبِقُها ) ) [9] . فارحم نفسك من عذاب الله، قِها عذاب الله بطاعتك لربك: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم:6] .

أيها المسلم، وإن أولى الخلق برحمتك أن ترحم أبويك اللذين [هما] السبب في وجودك بعد الله، ترحمهما رحمة صادقة، تتذكّر أفعالهما الجميلة، وسيرتهما الفاضلة، وتلكم الليالي والأيام التي أمضياها في الإحسان إليك وتربيتك وتهذيبك والإنفاق عليك، فترحم الأمَّ، وترحم الأبَ، ولاسيما عند ضعف القوة وقلّة النشاط والعجز عن الحركة، فهنا يبرز ذَوُو الفضائل، وهنا يكون المَعْدَنُ الصادق، قال تعالى: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء:23، 24] . ترحم الأمَّ عند كبر سِنّها وعجز قوّتها، فالخطاب طيّب، والسمع والطاعة والخدمة والنفقة وبذل المعروف. ترحم الأبَ عند عجزه وضعفه وقلّة حيلته، فتُحسِن إليه كلامًا طيبًا وخدمة وإحسانًا ورِفقًا وقيامًا بالواجب.

أيها المسلم، ترحم العبادَ فترحم أولادك من بنين وبنات، رحمة لهم تتمثّل في الإنفاق عليهم، والإحسان إليهم، رحمة تتمثّل في تربيتهم وتوجيههم والعقد على أيديهم، وتحذيرهم سُبُلَ الرَّدَى والفساد، فتلك الرحمة الحقيقية لهم، ليست الرحمة بمجرد إعطائهم مَلذّاتهم، وتمكينهم من شهواتهم، هذه رحمة ضعف وخَوَر، إنما الرحمة الصادقة هي الرحمة المشتملة على كل الخير، فمن باب النفقة والإحسان يرحمهم فيحسن إليهم، ويعطف عليهم، ويعاملهم بالحسنى، ولكن مع هذا يرحمهم بتربيتهم وتوجيههم، والأخذ على أيديهم، وتبصيرهم بطرق الهدى، وتحذيرهم من سُبُلِ الفساد والرَّدَى، فتلك التربية النافعة التي تجد لذّتَها في حياتك وبعد موتك، وفي الحديث: (( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ) )، ذكر منهم: (( ولدًا صالحًا يدعو له ) ) [10] ، فالولدُ إذا رُبِّيَ على الخير والتُّقى، والفتاةُ إذا رُبِّيَت على العِفّة والصيانة نشأ الجميع على خير، وتذكّروا للأبوين تلك السيرة الفاضلة والخُلُق الجميل.

أيها المسلم، رحمة منك للصغار من الأطفال، فترحمهم بالإحسان إليهم، قَبَّل النبيُّ الحسنَ بن علي ابن ابنته، فقال له رجل من الأعراب: أتقبّلون أبناءكم؟! فنظر إليه النبي وقال: (( من لا يَرْحَم لا يُرْحَم ) ) [11] ، وقال لآخر: (( ما أملك أن نزع اللهُ الرحمةَ من قلبك ) ) [12] . وكان رحيمًا رفيقًا بالأطفال، كان يصلي وبنت ابنته أُمَامَة بنت زينب تكون معه، إذا سجد وضعها، وإذا قام رفعها. ويأتي الحسن والحسين فيصعدان على ظهره وهو ساجد فينتظرهما حتى ينزلا، كل هذا رحمة بالصغار، صلوات الله وسلامه عليه أبدًا دائمًا إلى يوم الدين.

إن رحمتك لأولادك تكون بتربيتهم وتوجيههم ودعوتهم إلى الخير، وحثّهم على احترام الصغير للكبير، ورحمة الكبير للصغير، تسعى في جمع كلمتهم، وتوحيد صفّهم، ينظرون إليك أنّك الأب الرحيم العادل، والأب الذي لا يفرّق بين ذا وذاك.

ترحم الزوجة فتُحسن إليها، وتُحسن عشرتها، وترحمها بأمرها بالخير، وحثّها على الخير، وتوجيهها للخير، فليس عندك جَفَاء ولا غِلْظة، ولا قُبْح قول ولا سوء معاملة، ولكن حكمة ورفق وأمر بخير وتحذير من شر.

ترحم الرحم فتصلهم بما تستطيع، فقير تواسيه، وغنيّ تزوره، وآخر تحسن إليه، وهكذا رحمتك لرحمك، (( فإن الرحم معلقة بالعرش تقول: يا رب، أنت الرحمن وأنا الرحم. يقول: ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ فتقول: نعم. فيقول: ذلك لك ) ) [13] .

أيها المسلم، ترحم اليتيم، ترحم فاقد الأب أو الأبوين، ترحم هذا اليتيم رحمة تحملك على العطف عليه، والإحسان إليه، وتفقّد أحواله، والسعي فيما يصلح دينه ودنياه.

ترحم المريض والعاجز بمساعدته وإعانته وتيسير مهمّته.

ترحم المَدِين الذي أثقلته الديون، ولازمته الهموم والغموم، فتُضَمّد جراحه، وتعينه على نوائبه، وتسعى في فكاك دَينه، وتُيسّر له عُسره، وتُنظِرَه إن كنت صاحب الحق، وتعين على إنظاره إن لم تكن صاحب الحق. ترحم هذا المَدِين الذي إن خرج رأى الناس وهم يطالبونه، فليله ونهاره في هَمّ وغَمّ وبلاء.

ترحم ـ أيها المسلم ـ العاصي المخالف للشريعة، ترحمه فَتَذَكّر أنه ضَعُف أمام تسلّط العدو عليه، ذلكم العدو الذي هو عدوه وعدو أبيه قبله، يجري من ابن آدم مجرى الدم، ترحم هذا المسكين الذي زلّت به القدمُ فوقع في الرذائل، زلّت به القدمُ فانحرف سلوكه، زلّت به القدمُ فابْتُلِي بأصحاب سوء وعُشَرَاء سوء ودعايات مضلّلة وأفكار سيئة.

ترحم أولئك الذين وقعوا في شَرَكِ المخدرات، فأفسدت عقولهم، وغيّرت مزاجهم، وأصبحوا أعضاء مشلولين في مجتمعاتهم، ترحم أولئك فترحم أطفالهم الصغار، وترحمهم بالإحسان إليهم، وترحم هذا المسكين فتنصحه وتدعوه إلى الله. إن أهل المعاصي يرحمهم المسلمون رحمة تقتضي دعوتهم إلى الخير وتحذيرهم من الشر، والأخذ على أيديهم، وإقامة حدود الله عليهم، فبهذا رحمة تخفّف إجرامهم، وتقلّل من ذنوبهم وأوزارهم.

إن محمدًا أعظم الناس غَيْرة على محارم الله، ومع هذا كله فهو أرحم الناس حتى بالعصاة والمذنبين. أُتِيَ برجل كان يشرب الخمر مرارًا، فقال رجل: لعنه الله، ما أكثر ما يؤتى به! فقال: (( لا تعينوا الشيطان عليه، لا تكونوا أعوانًا للشيطان عليه ) ) [14] ، وقال مرة: (( إنه يحب الله ورسوله ) ) [15] . فالرحمة على أهل هذه المعاصي، تنظر إليهم بعين الرحمة أنهم ضعفوا أمام هذا العدو، تسلّط عليهم هذا العدو، فترحمهم بالنصيحة والتوجيه والدعوة إلى الخير والتحذير من أسباب الشر، ترحمهم فتأخذ على أيديهم، ويرحمهم ذو الشأن فيقيم عليهم حدود الله والتعزيرات الرادعة التي تردّهم إلى الصواب، وتُنقِذُهم من الضلال، فإن حدود الله رحمة للعباد، بها تصلح العباد، ويستقيم حالهم: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [البقرة:251] . فالرحمة بأهل المعاصي لا تقتضي التغاضي عنهم ولا تجاهل حالهم، ولا تقتضي مجرد النفور عنهم، لا، بل تحاول إصلاح أخطائهم، وتقويم ما اعوج من سلوكهم، والنظر إليهم بعين الرحمة، ثم بعين العدل بإقامة [حدود الله] عليهم؛ ليرتدعوا: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ [البقرة:179] .

أيها المسلم، إن التراحم بين المسلمين أمر مطلوب، ترحم ضعيف العقل وقليل التصرف والذي لا يستطيع أن يتصرّف التصرّف اللائق به، فترحمه بأن تشير عليه وتنصحه، وتأخذ على يديه، وتبيّن له الطريق السويّ، لا تستغِلّ ضعفه وقلّة عقله، فتستغلّ ماله وتظلمه، لا، بل رحمة منك تعامل بها الآخرين كما تحب أن يُعامَل بها أبناؤك وأهلك، هكذا يكون المسلم ذو رحمة صادقة، رحمة مبنيّة على العدل، لا رحمة ضعف وإهمال، ولا قسوة وغلظة، ولكن رحمة باتزان في الأحوال كلها.

أسأل الله أن يرحمنا جميعًا برحمته، وأن يدخلنا في واسع رحمته، وأن يجعلنا من الرحماء الذين يرحمهم رب الأرض والسماء، إنه على كل شيء قدير.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

[1] أخرجه البخاري في التيمّم (335) ، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة (521) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

[2] أخرجه البخاري في العلم (69) ، ومسلم في الجهاد والسير (1734) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

[3] أخرجه البخاري في الوضوء (220) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[4] أخرجه أحمد (2/160) ، وأبو داود في الأدب (4941) ، والترمذي في البر (1924) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، قال الترمذي:"حديث حسن صحيح"، وصححه الحاكم (4/159) ، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (925) .

[5] أخرجه أحمد (2/301) ، وأبو داود في الأدب (2494) ، والترمذي في البر والصلة (1933) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قال الترمذي:"حديث حسن"، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود (4133) .

[6] أخرجه البخاري في الجنائز (1284) ، ومسلم في الجنائز (923) من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما.

[7] أخرجه البخاري في الأدب (6013) ، ومسلم في الفضائل (2319) من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه، واللفظ لمسلم.

[8] أخرجه البخاري في الأدب (6000) ، ومسلم في التوبة (2752) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[9] أخرجه مسلم في الطهارة (223) من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه.

[10] أخرجه مسلم في الوصية (1631) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[11] أخرجه البخاري في الأدب (6013) واللفظ له، ومسلم في الفضائل (2319) من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه.

[12] أخرجه البخاري في الأدب (5998) ، ومسلم في الفضائل (2317) عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاء أعرابي إلى النبي فقال: تقبّلون الصبيان؟! فما نقبّلهم، فقال النبي: (( أوَأملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة؟! ) ).

[13] أخرجه البخاري في التفسير (4832) ، ومسلم في البر والصلة (2554) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[14] أخرجه البخاري في الحدود (6777) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[15] أخرجه البخاري في الحدود (6780) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّمَ تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.

عباد الله، إن محمدًا أرحم الخلق بالخلق، سأل ربه وسأله أن ينجز وعده أن من آذاه، شتمه، أو لعنه، أو جلده؛ أن يجعلها الله صلاة وسلامًا عليه، فدعا ربَّه أن يثيب من وقع من النبي عليه شيء أن يجعلها الله صلاة عليه وثوابًا له، صلوات الله وسلامه عليه، مع أنه لا يقول إلا الحق [1] .

أيها المسلم، في عهد النبي وقد وقع سبي من الكفار فجاءت امرأة تبحث عن صبي لها، فوجدته فألصقته ببطنها، ووضعت ثديها في فمه، فقال النبي: (( أترون هذه تلقي ولدها في النار؟ ) )قالوا: لا. قال: (( لله أرحم بعبده من هذه بولدها ) ) [2] . ربك رحيم بك أيها المؤمن، يعطيك عن الحسنة الواحدة عشرًا، ويضاعفها لك إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ويعاقبك على السيئة بمثلها، فإن تبت وأنبت قبل توبتك، وقبل عذرك، وتوبتك أحب إليه وعطاؤه ورحمته أحب إليه من غضبه، كتب في كتاب موضوع عنده فوق العرش: (( إن رحمتي سبقت غضبي ) ) [3] .

ربك رَحِمَكَ يناديك أن تتوب إليه: قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53] ، يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، كل هذا رحمة منه بعباده، ينزل في الثلث الأخير من الليل فينادي: هل من سائل فيُعطَى سُؤلَه؟ هل من مستغفر فيُغفَر له؟ هل من تائب فيُتاب عليه؟ [4] أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ [البقرة:221] ، فالجؤوا إلى الله، وتعرّضوا لرحمته وفضله، فهو أرحم بكم من أنفسكم، وأرحم بكم من أمهاتكم وآبائكم، رَحِمَكُم فدعاكم إلى التوبة والاستغفار والندم والاعتذار: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:135] .

في يوم القيامة يُؤتَى برجل فيُؤتَى بتسعة وتسعين سِجِلاًّ، كل سِجِلٍّ مَدّ البصر، يقال له: أتنكر من هذا شيئًا؟ يقول: لا. أَظَلَمَك الكرامُ الكاتبون؟ فيقول: لا. فيظن الرجل أنه هلك، فيقال: لا ظلم. فيُؤتَى ببطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، فتوضع البطاقة في كِفّة، والسِّجِلاّت في كِفّة، قال: فطاشَتِ السِّجِلاّت، وثقلت البطاقة [5] . فسبحان واسع المغفرة الإحسان! وسبحان الرحيم بخلقه في كل الأحوال!

ومن رحمته أنه يجيب دعاء المضطر: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ [النمل:62] . لا وربي، إنه الله وحده القادر على كل شيء، فتعرّضوا لرحمة ربكم، ولا يهلك على الله إلا هالك.

[1] أخرجه البخاري في الدعوات (6361) ، ومسلم في البر والصلة (2601) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[2] أخرجه البخاري في الأدب (5999) ، ومسلم في التوبة (2754) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

[3] أخرجه البخاري في التوحيد (7404) ، ومسلم في التوبة (2751) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[4] أخرجه البخاري في الدعوات (6321) ، ومسلم في صلاة المسافرين (758) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[5] أخرجه أحمد (2/213) ، والترمذي في الإيمان (2639) ، وابن ماجه في الزهد (4300) ، من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، قال الترمذي:"حسن غريب"، وصححه الحاكم على شرط مسلم (4/159) ، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (135) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت