فهرس الكتاب

الصفحة 4179 من 5777

عقوق الوالدين

الأسرة والمجتمع

الوالدان

محمد بن سليمان المهوس

الدمام

جامع الحمادي

1-قصة العابد جريج. 2- عقوبة العاق لوالديه. 3- صور من العقوق في الوقت الحاضر. 4- فضل الوالدين على أبنائهما.

أيها الناس، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة عن النبي أنه قال: (( لم يتكلم في المهد إلا ثلاثةٌ: عيسى بن مريم وصاحب جُرَيج، وكان جُرَيج رجلًا عابدًا فاتخذ صومعةً، فكان فيه، فأتته أمه وهو يصلي فقالت: يا جُريج، فقال: يا رب أمّي وصلاتي، فأقبل على صلاته، فانصرفت، فلما كان من الغد أتته وهو يصلي، فقالت: يا جريج، فقال: يا رب أمّي وصلاتي، فأقبل على صلاته فانصرفت، فلما كان من الغد أتته وهو يصلي، فقالت: يا جريج، فقال: يا رب أمّي وصلاتي، فأقبل على صلاته، فقالت: اللهم لا تمته حتى ينظر وجوه المومسات ـ أي: الزواني ـ، فتذاكر بنو إسرائيل جُريجًا وعبادتَه، وكانت امرأةٌ بَغِيٌّ يتمثل بحسنها، فقالت: إن شئتم لأفتننّه لكم، قال: فتعرضت له فلم يلتفت إليها، فأتت راعيًا كان يأوي إلى صَومَعَتِه، فأمكنته من نفسها، فوقع عليها فحملت، فلما ولدت، قالت: هو من جريج، فأتوه فاستنزلوه وهدموا صَومعته وجعلوا يضربونه، فقال: ما شأنكم؟! قالوا: زنيت بهذه البَغِيِّ فولدت منك، فقال: أين الصبي؟ فجاؤوا به، فقال: دعوني حتى أصلي، فصلَّى، فلما انصرف أتى الصبيّ فطعن في بطنه وقال: من أبوك؟ قال فلانٌ الراعي، قال: فأقْبَلوا على جريج يُقبلونه ويتمسحون به، وقالوا: نبني لك صومعتك من ذهب، قال: لا، أعيدوها من طين كما كانت، ففعلوا ) )الحديث.

عباد الله، جريجٌ أحدُ عباد بني إسرائيل الصالحين، حُببت إليها العبادة والخلوة لها، جاءته أمه لزيارته ومحادثته، فنادته وكان يصلي، فلم يجبْها وآثر الاستمرارَ في صلاته لما يَجِدُ من حلاوة المناجاةِ والاتصال بالله تعالى، ثلاث مراتٍ تناديه وهو لا يُلقي لها بالًا، وكان الواجب عليه أن ينصرف من صلاته ويجيب أمه؛ لأن ذلك أولى من صلاة النافلة، إلا أنه ارتكب كبيرةً من كبائر الذنوب، ألا وهي عقوق الوالدين، فدعت عليه، فاستجاب الله لدعائها.

الله أكبر عباد الله، عقوق الوالدين كفُرٌ بنعم الله، وبُعدٌ عن رضوان الله. عقوقُ الوالدين زعزعةٌ في المجتمع وبعدٌ من دائرة الأمان وجريمةٌ توجب العقوبةَ في الدنيا والآخرة، قال: (( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ) )قلنا: بلى يا رسول الله، قال: (( الإشراك بالله وعقوق الوالدين ) )، وكان متكئًا فجلس فقال: (( ألا وقول الزور وشهادة الزور، ألا وقول الزور وشهادة الزور ) )، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. متفق عليه.

وفي حديث آخرَ خرجه النَّسائي وأحمد وابن خزيمة والحاكم وصححه عن رسول الله أنه قال: (( ثلاثة لا ينظر اللهُ إليهم يوم القيامة: العاقُّ لوالديه ومدمن الخمر والمنانُ عطاءَه، وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاقُّ لوالديه والدَّيوث والرَّجِلةُ من النساء ) ).

عقوقُ الوالدين منكرٌ عظيمٌ وضيقٌ في الرزق وقصرٌ في العمر وسوءٌ في الخلق، قال: (( من سرّه أن يمدّ له في عُمره ويُوسع له في رزقه ويدفع عنه ميتةُ السوء فليتّق الله وليصِل رحمه ) )خرجه أحمد بإسناد صحيح. والوالدان أقرب الناس إليك رُحمًا.

عباد الله، في هذا الزمن الذي كثرت فيه الفتنُ والمغريات والشبهات والشهوات تبرز فيه قضيةُ العقوق، وتنتشر في مجتمعات المسلمين اليوم.

الوالدان يتطلعان للإحسان، ويؤمّلان الصلة بالمعروف، فإذا بهذا الابن قد تناسى ضعفَهُ وطفولتَه وأُعجِب بشبابه وفتوته وغرّه تعليمه وثقافته، وترفع بجاهه ومرتبته، يؤذيهما بالتأفُّف والتبرم، ويجاهرهما بالسوء وفحش القول، يقهرهما وينهرهما، بل ربما آذاها بأكثر من هذا، يريدان حياته ويتمنّى موتهما، تئن لهما الفضيلةُ وتبكي من أجلهما المروءة.

شاب تخلّص من أمه المعاقة برميها عند باب أحد المستشفيات، وآخرُ أودعها دارَ العجزة بحجة ترميم شقته، وآخر يُسمِعُها كلماتِ السب والشتائم، إذا تكلمت في زوجته وعصت أمرها.

الله أكبر يا عبدَ الله، ما هكذا تجزي من حملتك في أحشائها تسعة أشهر وهنًا على وهنٍ، حملتك كرهًا ووضعتك كرهًا، ولا يزيدها نموّك إلا ثُقلًا وضعفًا. وعند الوضع رأت الموت بعينيها، ولكن لما بصُرت بك إلى جانبها سُرعان ما نسيت آلامها، وعلَّقت فيك جميعَ آمالِها، رأت فيك بهجة الحياة وزينتها، ثم شُغلت بخدمتك ليلها ونهارها، تغذيك بصحتها، طعامُك دَرُّها، وبيتك حِجرها، ومركبُك يداها وصدرها وظهرها، تحيطك وترعاك، تجوع لتشبع أنت، وتسهر لتنام أنت، فهي بك رحيمة وعليك شفيقة. إذا غابت عنك دعوتها، وإذا أعرضت عنك ناجيتها، وإذا أصابك مكروه استغثت بها، تحسب كلَّ الخير عندها، وتظن أن الشر لا يصل إليك إذا ضمتك أو لحظتك بعينها.

والد من التجار بعدما كَبر أخذه أولادُه وأَوْدَعُوه دار العجزة، فكتب كل ما يملك من مسكنٍ وغيره للممرِّض الذي يعتني به.

الله أكبر يا عبدَ الله، هذا أبوك الذي يكد ويسعى، ويدفع عنك صنوف الأذى؛ ينتقل في الأسفار يجوب الفيافي والقفار، ويتحمل الأخطار بحثًا عن لقمة العيش، ينفق عليك ويُصلحُك ويربيك، إذا دخلت عليه هشّ، وإذا أقبلت إليه بشّ، وإذا خرج تعلقتَ به، وإذا حضر احتضنت حِجره وصَدره.

غَذَوتُك مولودًا وعلتُك يافعًا تُعلّ بِما أَجْنِي عليك وتنَْهلُ

إذا ليلةٌ نابتك بالشَّجْو لَم أبت لشكواك إلا ساهرا أتَململُ

كأنِّي أنا المطروق دُونَك بالذي طُرِقْتَ به دُونِي فعينِي تَهْملُ

تَخاف الردى نفسي عليك وإنّنِي لأعلمُ أن الموت حتمٌ مؤجلُ

فلما بلغت السّنَّ والغايةَ التِي إليها مدى ما كنتُ فيك أُؤمّل

جعلت جزائي غِلظةً وفظاظةً كأنك أنت الْمنعمُ المتفضلُ

فليتَك إذ لَم ترْعَ حق أبوّتِي فعلتَ كما الجارُ الْمجاور يفعلُ

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل من كل ذنب، إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأعوانه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: عباد الله، خرّج الشيخان وغيرهما واللفظ لمسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: أقبل رجل إلى رسول الله فقال: أبايعُك على الهجرة والجهاد؛ أبتغي الأجر من الله، قال: (( فهل من والديك أحد حي؟ ) )قال: نعم، بل كلاهما، قال: (( فتبتغي الأجر من الله؟ ) )قال: نعم، قال: (( فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما ) ).

فاتقوا الله عباد الله، واحذروا عقوق الوالدين، فإن العقوق بجميع وجوهه نقص في العمر وضيق في الرزق وفسادٌ في الأبناء، فمن عقّ والديه عقّه أبناؤُه.

قال الأصمعي: حدثني رجل من الأعراب قال: خرجتُ من الحي أطلبُ أعقَّ الناس وأبرّ الناس، فكنت أطوف بالأحياء، حتى انتهيت إلى شيخ في عنقه حبلٌ يَسْتقِي بدلوٍ لا تطيقُه الإبل في الهاجرة والحر الشديد، وخلفه شابٌ في يده سوط يضربه به، قد شقّ ظهره بذلك السوط، فقلت: أما تتقي الله في هذا الشيخ الضعيف؟! أما يكفيك ما هو فيه من هذا الحبل حتى تضربه؟! قال: إنه مع هذا أبي، قلت: فلا جزاك الله خيرًا، قال: اسكت، فهكذا كان هو يصنعُ بأبيه، وهكذا أبوه يصنع بجده، فقلت: هذا أعقّ الناس.

فاتقوا الله عباد الله، واحذروا العقوقَ وقطيعة َالرحم، فإن الله ليُعَجّل هلاك العبد إذا كان عاقًا، ليعجّل له العذاب.

هذا وصلوا وسلموا على من أمر الله بالصلاة والسلام عليه فقال: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] ، وقال: (( من صلى عليّ واحدة صلى الله بها عليه عشرًا ) )رواه مسلم.

اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وآله وصحبه أجمعين، وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين، وعن بقية العشرة المبشرين بالجنة، وعن بقية صحابة رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت