فهرس الكتاب

الصفحة 4141 من 5777

عذاب القبر ونعيمه

الرقاق والأخلاق والآداب

الموت والحشر

عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ

الرياض

جامع الإمام تركي بن عبد الله

1-أنواع الدُّوْر. 2- القبر روضة أو حفرة. 3- عذاب القبر ونعيمه حق. 4- من أسباب عذاب القبر. 5- الاتعاظ بالقبر. 6- فتنة القبر. 7- رحلة الروح. 8- دعوة للتوبة والرجوع إلى الله تعالى.

أما بعد: فيا أيّها الناس، اتّقوا الله تعالى حقَّ التقوى.

عباد الله، جعل الله الدورَ للعباد ثلاثة: دار العمَل وهي هذه الدّنيا، ودار البرزَخ، والدّار الآخِرة.

فدارُ الدنيا دارُ عمَل، يتنافس فيها المتنافسون، ويستبِق فيها المتسابقون، وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ?لزَّادِ ?لتَّقْوَى? [البقرة:197] ، وَقَدّمُواْ لأنفُسِكُمْ وَ?تَّقُواْ ?للَّهَ وَ?عْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلَـ?قُوهُ [البقرة:123] ، يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا [آل عمران:29] ، وَقُلِ ?عْمَلُواْ فَسَيَرَى ?للَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَ?لْمُؤْمِنُونَ [التوبة:105] . فهي دارُ عمل، يعمَل فيها العِباد، ويتنافس فيها المتَنافسون، والسعيدُ من سَبقَت له من الله السعادَة، فاستغَلّ عمرَه فيما يُرضِي الله عنه.

ودارُ الآخرة هي دار الجزاء على الأعمَال، لِيَجْزِىَ ?لَّذِينَ أَسَاءواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِى ?لَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِ?لْحُسْنَى [النجم:31] .

ودارُ البرزخ، وهي بين الدنيا والآخرة، ألا وهو هذا القبر الذي يسكنُه العبد بعدَ مفارقتِه الدّنيا، ويبقى فيه إلى أن يأذنَ الله بقيَام العباد لربّ العالمين، وَنُفِخَ فِى ?لصُّورِ فَإِذَا هُم مّنَ ?لأجْدَاثِ إِلَى? رَبّهِمْ يَنسِلُونَ قَالُواْ ي?وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ ?لرَّحْمـ?نُ وَصَدَقَ ?لْمُرْسَلُونَ إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً و?حِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ [يس:51-53] ، يَوْمَ تَشَقَّقُ ?لأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ [الذاريات:44] .

أيّها المسلم، فالقبر إمّا روضةٌ من رياض الجنة، وإمّا حفرة من حفَر النار. القبرُ نتيجةٌ لعملك في الدنيا، فمحسنٌ يكون القبرُ عليه سَعةً وسرورًا، ومسيء يكون القبر عليه ضيقًا وحزنًا وسوءًا.

أيّها المسلم، عذابُ القبر أو نعيم القبر كلُّه حقّ دلّ عليه كتابُ الله وسنّة محمّد وأجمع على ذلك سلف الأمّة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، قال الله تعالى: ?لنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ ?لسَّاعَةُ أَدْخِلُواْ ءالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ?لْعَذَابِ [غافر:46] ، فأرواحُهم تُعرّض على النّار غدوًّا وعشيًّا، ذلك أنّ روحَ العبد تكون بعد الموت ومفارقةِ الجسَد في مقرِّها، إمّا في أعلى عليِّين، أو أسفلِ سافلين، ولها اتّصال قويٌّ بالبَدَن، تُعذَّب الروح أو تنعَّم، ويتَّصل بالبدن عذابُها أو نعيمها، ونبيّنا أمرنا أن نستعيذَ بالله من عذابِ القبر في صلواتِنا، فقال: (( إذا صلّى أحدُكم فليستعِذ بالله من أربع يقول: اللهمَّ إنّي أعوذ بك من عذاب جهنّم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المَسيح الدجَّال ) ) [1] ، فأمرنا أن نستعيذ بالله من عذاب القبر في صلواتِنا قبل أن نسلّمَ، نستعيذ بالله من عذاب القبر، ذلك أنَّ عذابَ القبر حقّ لا شكَّ فيه. دخلت يهوديّة على أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها فقالت: أعِيذك بالله من عذاب القبر، فسألت عائشة النبيّ عن ذلك فقال: (( إنَّ عذابَ القبر حقّ ) ) [2] ، وقال: (( إنّه أوحِيَ إليَّ أنّكم تُفتَنون في قبورِكم مثل أو قريبًا من فتنة المسيح الدجَّال ) ) [3] .

أيّها المسلم، عذابُ القبر لا شكّ فيه، عذابٌ على قدرِ أخطاء ابنِ آدم، فمقلٌّ ومستكثِر ومعافىً من الكلّ بفضل الله ورحمتِه. وقد أخبرنا نبيّنا عن أنواعٍ من عذاب القبر، ففي حديث ابن عبّاس أنّه مرّ على قبرين فقال: (( إنّهما ليعذّبان، وما يعذَّبان في كبير، أمّا أحدهما فكان لا يستنزه من البول، وأمّا الآخر فكان يمشي بالنميمة ) )، فأخذ جريدةً رطبة فشقَّها نصفَين، فغرَز على كلّ قبرٍ واحدة، وقال: (( لعلّه يُخفَّف عنهما ما لم ييبَسا ) ) [4] ، ومرَّ بقبر رجلٍ من مواليه قُتِل في سبيل الله، فأثنَوا عليه فقال: (( كلا، إنَّ الشملةَ التي غلَّها لتشتعِل عليه الآن في قبرِه نارًا ) ) [5] .

أيّها المسلمون، عذابُ القبر ونعيمه حقّ، والمسلم إذا تذكّر ذلك الأمرَ دعاه إلى العمل الصالح والجدّ والاجتهاد في الإخلاص لله، ومعاملة الله بالصّدق فيما بينَه وبينَه، عسى ذلك سببًا لنجاته وفوزه من ذلك العذاب العظيم.

شيّع أميرُ المؤمنين عثمانُ بن عفان رضي الله عنه ميتًا، فلما وَقَف على قبره بكى، قيل: ما يبكيك يا أميرَ المؤمنين؟ قال: (( إنَّ القبرَ أوّلُ منازل الآخرة، فإمّا روضةٌ من رياض الجنّة، أو حفرة من حفَر النّار، من نجا منه فما بعدَه أيسرُ منه ) )أخبر أن النبيّ قال ذلك [6] .

فعلى العبدِ المسلم أن يتذكَّر تلك الأحوالَ، يتذكَّر تلك الساعةَ التي يرحل من بيتِه بين أهله وولده وأصحابِه، ينتقل من الدنيا إلى هذا القبر الذي هو على قدرِ طوله وعرضِه، يبقى فيه طويلًا إلى قيامِ العباد لربِّ العالمين، فليتفكَّر المسلم في مآله، وليستعدَّ لذلك الهولِ العظيم، ويؤدّي ما أوجب الله عليه، ويتقرَّب إلى الله بصالح العمل، عسى أن ينجوَ من هول هذا القبر، عسى أن ينجوَ من عذابِه وكرباتِه، عسى أن يكون قبره روضةً من رياض جناتِ الله، عسى أن يكونَ فيه متنعِّمًا بالأعمال الصالحة، متلذِّذًا بما قدّم من خيرٍ، نسأل الله لنا ولكم التوفيقَ والهداية والعونَ على كلّ خير.

إنَّ في القبر فتنةً عظيمة، يُسأل الرجل عن ربّه وعن دينه وعن نبيّه، فالمؤمن الصادق الإيمان قوي الإيمان يقول: الله ربّي، والإسلام ديني، ومحمّد نبيّي، يُثَبّتُ ?للَّهُ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ بِ?لْقَوْلِ ?لثَّابِتِ فِى ?لْحَيَو?ةِ ?لدُّنْيَا وَفِى ?لآخِرَةِ [إبراهيم:27] .

شُرِع لنا زيارةُ القبور للاتّعاظ والاعتبار، (( زورا القبور فإنّها تذكِّر الموت ) ) [7] ، وقال: (( كنتُ نهيتُكم عن زيارةِ القبور فزوروها؛ فإنّها تذكِّركم الآخرة ) ) [8] ، فهي عِبرةٌ لمن اعتَبَر، وعِظة لمن اتّعظ، كفى بالموتِ واعظًا، وكفى بالقبر واعظًا، فنسأل الله لنا ولكم الثباتَ والاستقامة على الهدى، وأن لا يزيغَ قلوبَنا بعد إذ هدانا.

روى الإمام أحمَد رحِمه الله عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله في جنازة رجلٍ من الأنصار، فانتهَينا إلى القبر ولمَّا يُلحَد، فجلس النبيّ ، وجلسنا حولّه كأنَّ على رؤوسِنا الطير، وبيده عودٌ ينكت به الأرض، ثم رفع رأسَه وقال لهم: (( استعيذوا بالله من عذاب القبر، استعيذوا بالله من عذابِ القبر، استعيذوا بالله من عذابِ القبر ) )، ثم قال لهم: (( إنَّ العبدَ المؤمن إذا كان في انقطاعٍ من الدنيا وإقبالٍ من الآخرة نزل إليه ملائكةٌ بيض الوجوه، كأنَّ وجوهَهم الشّمس، معهم كفَن من كفنات الجنّة، وحنوط من حنوط الجنّة، فيجلسون إليه مدَّ البَصَر، ثمّ يجيء ملكُ الموت فيجلس عند رأسه، فيقول: اخرُجي أيّتها النّفس الطّيّبة إلى مغفرةٍ من الله ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرةُ من فِي السِّقاء، فإذا خرجَت أخذَها فلا يدعها في يدِه حتى يأخذوها فيضعوها في ذلك الكفنِ وذلك الحنوط، فيخرج منه كأطيبِ ريحِ مسكٍ وُجد على وجهِ الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرّون بملأٍ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه النفسُ الطيّبة؟ فيقولون: روحُ فلان بن فلان، بأطيَب أسمائِه التي كان يسمَّى بها في الدنيا، فيستفتِحون له فيُفتَح له، فيشيّعه من كلِّ سماءٍ مقرَّبوها إلى السّماء التي تليها، حتى ينتَهوا إلى السّماء السابعة، فيقول الله: اكتُبوا كتابَ عبدي في عليِّين، وأعيدُوه إلى الأرض، فإنّي منها خلقتُهم، وفيها أعيدُهم، ومنها أخرجُهم تارةً أخرى، قال: فترَدّ روحه إلى جسدِه، فيأتيه ملكان فيُجلِسانه، فيقولان: من ربك؟ فيقول: ربّيَ الله، فيقولان له: ما دينُك؟ فيقول: دينيَ الإسلام، فيقولان له: ما عِلمُك بهذا الرجل؟ قال: هو رسولُ الله، قال: وكيف عملُك؟ قال: قرأتُ كتابَ الله وصدَّقت، فينادي منادٍ من السماء أن صدقَ عبدي، فأفرِشوه من الجنّة، وألبِسوه من الجنّة، وافتحوا له بابًا من الجنّة، فيأتيه من رَوحها وريحها، ويُفسَح له في قبره مدَّ بصره، فيأتيه رجلٌ حسنُ الوجهِ حسنُ الثياب طيّب الريح، فيقول: أبشِر بالذي يسرُّك، هذا يومك الذي كنتَ توعَد، فيقول: من أنتَ؟ فوجهُك الوجه الذي يأتِي بالخَير، فيقول: أنا عملُك الصالح، فيقول: ربِّ أقِم الساعة، ربِّ أقِم الساعة، حتّى أرَدَّ إلى أهلي ومالي. قال: وأمّا الكافر ـ أو قال: الفاجر ـ إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبالٍ من الآخرة نزل إليه ملائكةٌ سودُ الوجوه، معهم المُسوح، فيجلِسون مدَّ بصرِه، فيأتي ملك الموت ويجلس عند رأسه، ويقول: اخرُجي أيّتها النفس الخبيثة إلى سخطٍ من الله وغضب، قال: فتتفرَّق في جسدِه، فينتزِعها كما ينتزع السَّفُّود من الصوفِ المبلول، فإذا أخذَها لم يدَعها بيدِه حتى يضعَها في تلك المسوح، فيخرج منها كأنتنِ ريحٍ وجدَت على وجهِ الأرض، فيصعَدون بها فتغلق دونَها أبوابُ السماء، ثم تلا: لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْو?بُ ?لسَّمَاءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ ?لْجَنَّةَ [الأعراف:40] ، ثم ينادي منادٍ: اكتبوا كتابَ عبدي في سجِّين في الأرض السلفى، وأعيدوه إلى الأرض، فمنها خلقتُهم، وفيها أعيدُهم، ومنها أخرجُهم تارةً أخرى، فتُطرَح روحه طرحًا ثم تلا: وَمَن يُشْرِكْ بِ?للَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ?لسَّمَاء [الحج:31] ، فيأتيه الملكان فيجلِسانه، ويقول: من ربّك؟ فيقول: ها ها لا أدري، ما دينك؟ فيقول: ها ها لا أدري، ما علمُك بهذا الرجل؟ فيقول: ها ها لا أدري، فينادي منادٍ أن كذَب عبدي، فأفرِشوه من النّار، وافتَحوا له بابًا من النّار، فيأتيه من حرّها وسمومها، ويضيَّق عليه قبرُه حتى تختلف فيه أضلاعُه ) ) [9] .

فيا أيّها المسلمون، كلُّ هذه الأمور سيقف عليها كلُّ واحدٍ منّا، وسيشاهدُها حقيقَة، فعلى المسلم تقوى الله، وتذكُّر تلك المصارع، وتذكّر ذلك المصرعِ العظيم، والتفكّر فيه طويلًا، والتّخلّص من أسبابِ عذابِ الله، عسى أن نوفَّق لصالح العمل، وعسى أن ننجوَ من هول ذلك الموقف العظيم.

أسأل الله أن يثبّتنا على الإسلام، وأن لا يزيغَ قلوبَنا بعد إذ هدانا، إنه على كل شيء قدير.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

[1] أخرجه مسلم في المساجد (588) من حديث أبي هريرة رضي االله عنه بنحوه.

[2] أخرجه البخاري في الجنائز (1372) ، ومسلم في الكسوف (903) .

[3] أخرجه البخاري في العلم (86) ، ومسلم في الكسوف (905) من حديث أسماء رضي الله عنها.

[4] أخرجه البخاري في الوضوء (216) ، ومسلم في الطهارة (292) .

[5] أخرجه البخاري في المغازي (4234) ، ومسلم في الإيمان (115) من حديث أبي هريرة رضي االله عنه بنحوه.

[6] أخرجه الترمذي في الزهد (2308) ، وابن ماجه في الزهد (4267) ، وليس فيه أنه إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، وقال الترمذي:"هذا حديث حسن غريب"، وصححه الحاكم (7942) ، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (3550) .

[7] أخرجه مسلم في الجنائز (976) من حديث أبي هريرة رضي االله عنه.

[8] أخرجه أحمد (5/350، 355، 356، 361) ، وأبو داود في الجنائز (3235) ، والترمذي في الجنائز (1054) ، والنسائي في الضحايا (4430) من حديث بريدة رضي الله عنه، وأصله في مسلم في الجنائز (977) من غير ذكر حكمة الترخيص.

[9] أخرجه الطيالسي (753) ، وأحمد (4/287) ، وأبو داود في السنة (4753) ، والحاكم في المستدرك (1/37-38) بنحوه، وقال الحاكم:"صحيح على شرط الشيخين"، وسكت عنه الذهبي، وأخرجه ابن منده في الإيمان (1064) ، وقال:"هذا إسناد متصل مشهور"، والبيهقي في إثبات عذاب القبر (21-44) ، وفي شعب الإيمان (395) وقال:"هذا حديث صحيح الإسناد"، وقد جمع الألباني روايات الحديث وصححه في أحكام الجنائز (59) .

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحبّ ربّنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمّدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

أمّا بعد: أيّها الناس، اتقوا الله تعالى حقَّ التقوى، حافظوا على طاعةِ ربّكم، استقيموا على إسلامِكم، كونوا واثقين بإيمانِكم، ليكن الإيمان صادقًا، وليكن العمل صالِحًا، فالإيمان الخالِص لله عن صدقٍ ويقين هو الذي ينفَع صاحبَه، فأخلِصوا لله أعمالَكم، وحافِظوا على طاعة ربّكم، وأدّوا فرائضَ الله، واجتنِبوا محارمَه لعلّكم تفلحون، فلا ينجي العبدَ من تلك الأهوال إلا أعمالُه الصالحة التي أخلصَها لله، وصدق مع الله فيها.

اتقِ يا أخِي محارمَ الله، اتَّق ظلمَ العباد، اتَّق أكلَ أموالِهم بالباطل، اتقِ محارمَ الله، وحافِظ على طاعةِ ربّك، واستقِم عليها، عسى أن تكونَ من الفائزين، وتذكَّر الموتَ وما بعدَه، فهو خيرُ واعظ لقلبِك يا أيّها المؤمن، يعظك لكي تستقيمَ على طاعة ربّك، وتسعى في خلاصك ونجاتك، يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى ?للَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88، 89] .

في قبرِك تفارِق الأهلَ والمال والولدَ، وتبقَى في هذا القبرِ وحيدًا، فإن تَكن الأعمال صالحةً ازددتَ بها أُنسًا وسرورًا، وفرِحت بها واستبشرتَ بها، وتمنّيتَ المزيدَ لو تُمكَّن من ذلك، وإن يكن العمل سيّئًا انضاف إلى حزنِك وضيق مكانِك ما الله به عليم، فلِلَّه كم في هذه القبور من أهوال، كم من منعَّمٍ فيها سعيدٍ مطمئنّ، وكم من شقيٍّ فيها معذَّب، كم من سعيدٍ فيها بأعماله الصالحة التي تجري عليه بعدَ موته، وكم من متألّم من أوزارٍ تحمّلها، ومظالمَ للعباد تحمَّلها، وأموالٍ حرام أكلَها، ومحرَّمات انتهَكَها، فهو اليومَ يعاني من آلامِ تلك المخالفَات، فلنتَّقِ اللهَ في أنفسِنا، ولنتدبَّر واقعَنا، عسى الله أن يفتَح على قلوبِنا، ويبصِّرَنا في أنفسِنا، ويجعلَنا ممَّن يسارع إلى فعل الخيرات، إنّه على كل شيء قدير.

واعلموا ـ رحمكم الله ـ أنَّ أحسنَ الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإنّ يد الله على الجماعة، ومن شذ شذّ في النار.

وصلوا ـ رحمكم الله ـ على محمّد امتثالًا لأمر ربكم قال تعالى: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .

اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على عبدك ورسولك محمّد، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت