فقه
الصلاة, المساجد
داود بن أحمد العلواني
جدة
الأمير منصور
1-وجوب صلاة الجماعة على المسلم. 2- الحكمة من صلاة الجماعة وفوائدها. 3- تعويد الصغار على الذهاب للمساجد.
أما بعد: فيا عباد الله، اتقوا الله، واعلموا أن الإسلام لم يكتف من المسلم أن يؤدي صلاته منفردًا في عزلة عن المجتمع الإسلامي الذي يعيش فيه، وإنما أوجب عليه إلى جانب فرضية الصلاة أداءها في جماعة المسلمين في بيوت الله حيث ينادى للصلاة والفلاح:"حي على الصلاة، حي على الفلاح"، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (من سره أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هذه الصلوات الخمس حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، وحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف) [1] .
وكان بعض السلف رحمهم الله تعالى يقول:"إذا تخلف أحد منا عن صلاة العشاء أو الفجر اتهمناه بالنفاق".
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتى رسول الله رجل أعمى فقال: يا رسول الله، إني ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله أن يرخص له، فرخص له، فلما ولى دعاه فقال: (( هل تسمع النداء بالصلاة؟ ) )قال: نعم، قال: (( فأجب ) ) [2] ، ليس له عذر، فالأمر ما منه بُدّ رغم هذه الأعذار، فويل لأهل زماننا ممن لا يؤديها مع الجماعة تبعًا للراحة والرفاهية والدَعَة، وقد همَّ الرسول أن يحرق على قوم بيوتهم لأنهم يتخلفون عن الجماعات، فليس الأمر من البساطة بمكان، فالتوعد بالإحراق أمر عظيم.
فاتقوا الله عباد الله، وحافظوا على الصلوات في أوقاتها مع الجماعة في المساجد لتفوزوا بالأجر العظيم المعد لمن حافظ عليها، وتسلموا من الإثم والوزر والخسران المعد لمن ضيعها وأهملها.
واعلموا ـ عباد الله ـ أن الإسلام لم يشرع الصلاة جماعة في المساجد إلا لحِكم بالغة وفوائد جمّة:
منها أن المسجد يضم أهل الحي في كل يوم خمس مرات، فتتلاصق الأبدان، وتتعارف الوجوه، وتتصافح الأيدي، وتتآلف القلوب، وتغفر الذنوب وتتضاعف الحسنات.
ومنها تلك المساواة التي نراها في الصفوف المتراصة في المسجد، الأمير إلى جانب الفقير، والسيد إلى جانب العامل، والخادم إلى جانب الموظف الكبير وهكذا، فليس في جماعة المسجد لائحة تخصص الصف الأول للملوك والأمراء، والثاني لموظفي الدرجة الأولى، وإنما الجميع سواسية، ويفوز بفضل الصفوف الأولى المبكرون الحريصون على الفضل أيًا كانت منزلتهم أو أعمالهم.
ومن تلك الفوائد العظيمة للجماعة أيضًا ما يتعلمه المصلون من طاعة الأمر والانقياد للنظام الشرعي واحترام صاحب الأمر المتمثل هنا بالإمام، فلا ركوع إلا مع الإمام، ولا سجود كذلك، والإنصات أثناء القراءة، وعدم سبقه بالسلام، وقد توعّد النبي من يخرج عن هذا النظام بالخروج عن إنسانيته فقال: (( ألا يخشى من إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار؟! ) )أو كما قال.
فاتقوا الله عباد الله، وحافظوا على أداء الصلاة مع الجماعة في بيوت الله عز وجل التي ذكرها في محكم كتابه حيث قال: فِى بُيُوتٍ أَذِنَ ?للَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ?سْمُهُ [النور:36] ، والتي قال فيها رسول الله: (( صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذّ بسبع وعشرين درجة ) ) [3] .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وَ?سْتَعِينُواْ بِ?لصَّبْرِ وَ?لصَّلَو?ةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ?لْخَـ?شِعِينَ [البقرة:45] .
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وبسنة نبيه ، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
[1] رواه مسلم في المساجد، باب: صلاة الجماعة من سنن الهدى (654) .
[2] رواه مسلم في المساجد، باب: يجب إتيان المساجد على من سمع النداء (653) .
[3] رواه البخاري في الجماعة، باب: فضل صلاة الجماعة (1/158) ، ومسلم في المساجد، باب: فضل صلاة الجماعة (650) .
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، من يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيا عباد الله، إن من علامة إخلاص المرء لدينه دعوته الناس لإقامة الصلاة، وخاصة أهله وأبناؤه ومن استرعاه الله فيهم وسيسأله عنهم، والأخذ على يد المفرط فيها، واستصحاب الأولاد ممن أمر الشارع الحكيم بأمرهم بالصلاة في السن السابعة من السنوات إلى المساجد، لينشؤوا تنشئة صالحة على حب المساجد، فإن الله قد استرعانا إياهم، وهو سائلنا عنهم يوم القيامة، بل هم أنفسهم سيتعلقون بنا يوم لا ينفع مال ولا بنون ويقولون: يا رب، سل هذا: لم ضيعنا؟ ورعايتهم الصحيحة بأمرهم بالاستقامة على دين الله تعالى.
فاتق الله أخي المسلم، واحذر وقوفك بين يدي الله وخصومة الولد والبنت والزوجة إياك، فلا تدع لهم عذرًا في ترك الصلاة أو التهاون بها ومساءلتهم عن أدائها ومتى وأين ومحاسبتهم على ذلك.
واعلم أنك مأمور بذلك بأمر متحتم عليك مِن الذي أوجدك من العدم وأبرزك إلى حيز الوجود المشاهد، وعليك الأخذ على أيديهم بحكمة وشدة وحزم، وتذكر قول الله تبارك وتعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِ?لصَّلو?ةِ وَ?صْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَ?لْعَـ?قِبَةُ لِلتَّقْوَى? [طه:132] ، وتذكر أيضًا قول معلم البشرية ومربيها: (( مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع ) ) [1] .
فاتقوا الله عباد الله، واهتدوا بكتاب ربكم وسنة نبيكم، ففي ذلك الضمان بالمغفرة والفوز بالرضوان، فكما قال الله تبارك وتعالى: إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء:103] أي: مفروضًا في الأوقات، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (( مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع ) ). وهنا يحرص القارئ والمستمع أن اللفظة المستعملة في الحديث تفيد الأمر، لا كما يقال من بعض الناس: علموا أبناءكم، فلفظ الحديث: (( مروا ) ).
وليأتمر في نفسه حتى يكون قدوة لأولاده وأهل بيته، وليحثهم على ذلك، ولنحرص على التفريق بينهم في المضاجع، فالأمر يقتضي الوجوب والإلزام والالتزام، فحذار ـ أخي المسلم ـ من مغبة التهاون أو عدم الأخذ بأمر رسول الله ، فتجرّ على نفسك العار والندامة والخسران المبين.
[1] رواه أحمد (2/180، 187) ، وأبو داود في الصلاة، باب: متى يؤمر الغلام بالصلاة؟ (495) من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وحسنه الألباني في الإرواء (247) .