فهرس الكتاب

الصفحة 4057 من 5777

بين عامين

الرقاق والأخلاق والآداب

اغتنام الأوقات, التوبة

عبيد بن عساف الطوياوي

حائل

جامع الخلف

1-التفكر في تصرم الأيام من علامات أولي الألباب. 2- العاقل من يتعظ بأمسه ويجتهد في يومه ويستعد لغده. 3- الوصية بالتوبة قبل حلول الندم. 4- وفقة محاسبة مع النفس في آخر العام.

أما بعد: أيها المسلمون، يقول ربكم جل جلاله وتقدست أسماؤه: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ [النساء:131] . فاعملوا بوصية ربكم، اعملوا بوصية ربكم بفعل أوامره واجتناب ما نهاكم عنه، جعلني الله وإياكم من عباده المتقين. أيها الإخوة المؤمنون، يقول الله عز وجل: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَاب [آل عمران:190] . ومن أولو الألباب؟ أي: أصحاب العقول الذين تعمل عقولهم على الوجه المطلوب، على الشكل الصحيح، فهؤلاء هم الذين يدركون الأمور على حقائقها، أما الذين أجَّروا عقولهم فلا يستفيدون من هذه الآيات. يقول ابن كثير في تفسيره: لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ:"أي: لأصحاب العقول، ليسوا كالصم البكم الذين لا يعقلون الذين قال الله فيهم: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ [يوسف:105] ". فحري بالمسلم أن يراجع وظائف عقله؛ ليرى ـ أيها الإخوة ـ هل هو من أولي الألباب أم والعياذ بالله من الذين يمرون على الآيات، وتمر بهم وهم عنها في إعراض، كالصم البكم الذين لا يعقلون. أيها الإخوة المؤمنون، إننا في هذه الأيام نبدأ عاما جديدا بعد توديعنا لعام قبله، مضى ذلك العام من أعمارنا، وهذه سنة الحياة؛ أعوام تمضي، وأزمنة تنقضي، وفي ذلك آيات لأولي الألباب، في ذلك آيات لأصحاب العقول الذين يعتبرون بمرور الأيام، ويعظهم تعاقب الأعوام، فيكون ذلك دافعا لهم للنشاط في العبادة والإكثار من الطاعة والبعد عن المعصية، تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا [الفرقان:61، 62] . أيها الإخوة المؤمنون، قليل من الناس من تكون له نهاية العام موعظة وعبرة، والكثرة ـ أكثر الناس ـ من لا يكترث بمرور أعوامه وانصرام أيامه، وبعضهم من لا يعرف العام إلا من أجل مصلحة دنيوية أو منفعة ذاتية؛ فالسجين يفرح بانقضاء عامه ليخرج من سجنه، وآخر يفرح بانقضاء عامه ليقبض أجرة مسكن أجَّره أو لحلول دين أجله، وآخر يفرح بانقضاء عامه من أجل ترقية في وظيفة أو لزواج أو تخرّج، ولكن الفرح في مثل هذه الأمور مع الغفلة عن النفس وعدم الاعتبار بمرور الأعوام هو في الحقيقة غبن ظاهر. إنا لنفرح بالأيام نقطعها وكل يوم مضى يدني منَ الأجل فاعمل لنفسِك قبل الْموت مُجتهدا فإنما الربح والخسران في العمل إن العاقل ـ أيها الإخوة ـ هو من يتعظ بأمسه ويجتهد في يومه ويستعد لغده. أيها الإخوة المؤمنون، إنه ينبغي للعاقل أن يتدارك أوقاته، وأن يحفظها ويستغلها بما يكون خيرا له لا بما يكون وبالا عليه، فالعمر قليل والأجل قريب، ومهما عاش فإنه لا بد له من الموت. سُئل نوح عليه السلام وقد لبث في قومه داعيا إلى الله عز وجل ألف سنة إلا خمسين عاما، قيل: كيف رأيت هذه الدنيا؟ قال: كداخل من باب وخارج من آخر. أكثر من تسعمائة وخمسين سنة وكأنه داخل من باب وخارج من آخر، فكيف بنا وأعمارنا من الستين إلى السبعين؟! نعم أيها الأخوة، هذا مقدار أعمارنا، فنحن لسنا كنوح نعيش مئات السنين، المعمر فينا من يبلغ مائة سنة، وفي الحديث عن النبي قال: (( أعمار أمتي ـ يعني: نحن وأمثالنا ـ ما بين الستين والسبعين، وأقلهم من يجوز ذلك ) ). يعني الكثرة هم الذين يموتون قبل السبعين، فالذي يعيش حتى يتجاوز السبعين فهذا من القليل وحالة نادرة. سبحان الله أيها الإخوة، ما أقسى قلوبنا وما أشد غفلتها، الأمر واضح وبين، فأكثر الناس من يوافيه الأجل بين الستين والسبعين، ومنهم من يوافيه قبل ذلك، والقلة ـ نعم القلة ـ هم الذين يتجاوزون سن السبعين، ثم أيضا يوافيهم أجلهم ويموتون. أيها الإخوة المؤمنون، إن مرور الأعوام على الإنسان قد يكون نعمة وقد يكون نقمة؛ فطول العمر أحيانا يكون شرا ووبالا على صاحبه، فمثلا العصاة كثرة أعوامهم إذا لم يبادروا بالتوبة شر ووبال عليهم، فكلما طال عمر أحدهم استكثر من حجج الله عليه، ففي الحديث يقول النبي: (( خير الناس من طال عمره وحسن عمله، وشر الناس من طال عمره وساء عمله ) ). يا من ضيعت عمرك فيما لا ينفع، ألم تعلم بأنك تستكثر من الذنوب في كل عام؟! أما علمت بأن هذا العمر وهذه الأعوام التي مرت بك شاهدة عليك؟! إذًا بادر بتوبة، تب إلى الله. إن العاقل ـ أيها الإخوة ـ لا ينغرّ ولا ينخدع بإمهال الله له، ولا بما أعطاه الله، يقول عز وجل: أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ [المؤمنون:55، 56] . أخي المسلم، يا من أمضيت عددا من السنين، اعلم بأن هذا العمر الذي أمضيت سوف تسأل عنه وتحاسب عليه، ففي الحديث عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله: (( لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة عند الله حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيم أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه؟ وعن ماله من أين أكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ وماذا عمل فيما علم؟ ) ). فأعد للسؤال جوابا، وللجواب صوابا. اللهم أيقظنا من رقدة الغافلين، وأغثنا بالإيمان واليقين، واجعلنا من عبادك الصالحين، وارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

أيها المسلمون، اعلموا ـ رحمني الله وإياكم ـ بأن هذه الدنيا فانية زائلة لا محالة، وتيقنوا بأنها منتهية راحلة، وما مرور الأعوام والأيام إلا دليل على ذلك، وهذه الدنيا جعلها الله دار ابتلاء واختبار ومزرعة للآخرة ومتجرا لدار الخلد والبقاء والقرار، فالسعيد من تنبه لها، وأعطاها قدرها، ولم يفرط في لحظاتها فضلا عن أيامها، ولم ينشغل في مباحاتها فضلا عن محرماتها. فالله الله أيها الإخوة، اغتنموا فرصة وجودكم في هذه الحياة، استبقوا أوقاتها، وتحينوا فرصها، واستفيدوا من مناسباتها، وتذكروا قول نبيكم: (( اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك ) ). أيها الإخوة المؤمنون، مع بداية هذا العام وقفة محاسبة لهذه النفس، ماذا عملت؟ وماذا قدمت؟ سل نفسك يا عبد الله، حاسبها: ما حالها مع الواجبات؟ هل قامت بها؟ وما حالها مع المحرمات؟ هل ارتكبت شيئا منها؟ سلها عن حقوق الناس الأرحام والأقارب والجيران، سلها عن هذه الأموال التي بين يديك: من أين جمعتها؟ وفيم أنفقتها؟ سل نفسك ـ يا عبد الله ـ عن هذه النعم التي تتقلب فيها: هل أديت شكرها؟ خمس ـ أيها الإخوة ـ ينبغي لكل واحد منا أن يجلس مع نفسه ويحاسبها عليها: أولا: الواجبات، ثانيا: المحرمات، ثالثا: حقوق الناس، رابعا: المال، خامسا: النعم.

أسأل الله عز وجل أن يجعلني وإياكم من الذين طالت أعمارهم وحسنت أعمالهم، إنه سميع مجيب.

اللهم إنا نسألك صلاح قلوبنا وأعمالنا ونياتنا وذرياتنا...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت