الرقاق والأخلاق والآداب
آفات اللسان, مكارم الأخلاق
ناصر بن محمد الأحمد
الخبر
النور
1-عِظم الكلمة في الإسلام. 2- أثر صلاح اللسان وفساده على الإنسان. 3- آداب وشروط الحديث. 4- آثار الكلمة الطيبة. 5- آثار الكلمة الخبيثة وصور منها.
أما بعد: اعلموا ـ رحمني الله وإياكم ـ أن للألفاظ والكلمات دلائلها ومعانيها التي تحمل في طياتها الخير، فيجازى عليها الإنسان بالإحسان إحسانًا، أو تحمل في طياتها الشر والفحش والبذاء، فيجازى عليها بالسيئات المضاعفة إلى يوم المعاد.
وإن أعظم مثل توضيحي لذلك ما ضربه الله تعالى في كتابه الكريم في قوله جل وعز: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:24- 27]
عباد الله، إن جارحة اللسان لها أعظم الأثر في حياة المسلم دينًا ودنيا، ربط الله عليها الفلاح، وعلق عليها السعادة أو الشقاوة في العاجل والآجل، ورتب عليها الجزاء والعقاب. والكلمات هي الترجمان المعبر عن مستودعات الضمائر، والكاشف عن مكنونات السرائر، بكلمة واحدة يدخل العبد في الدين والملة، ألا وهي كلمة التوحيد الخالص:"لا إله إلا الله محمد رسول الله"، وبكلمة واحدة يخرج العبد من الدين والملة، ألا وهي كلمة الكفر. بكلمة واحدة يتبوأ العبد في الجنة غرفًا من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار، وبكلمة أخرى يزل العبد في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب، فرب كلمة قالها عبد حصل له السعادة في الدنيا والآخرة، ولرب كلمة أوردت صاحبها الموارد فندم عليها ولات ساعة مندم؛ ولأجل هذا كان من أولى الاهتمامات في حياة المسلم حفظ لسانه إلا من الخير وإطابة كلامه، قال المصطفى: (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت ) ).
اللسان هو الميزان الذي توزن به الرجال، والمعيار الذي تعرف به أقدارها، حتى قال بعض السلف:"إني لأرى الرجل فيعجبني، فإذا تكلم سقط من عيني"، قال علي: (اللسان معيار أطاشه الجهل، وأرجحه العقل) ، وكان ابن مسعود يقول: (يا لسان، قل خيرًا تغنم، واسكت عن شر تسلم، قبل أن تندم) .
وإذا أنعم الله سبحانه وتعالى على العبد بصدق اللهجة وطيب الحديث وجمال المنطق شرف قدره، وحمدت سيرته، وحسنت عاقبته، فملك قلوب الناس، وأمّنوه على أقوالهم ووصاياهم وأماناتهم. من صلح منطق لسانه وطاب ظهر ذلك على سائر عمله، فأكسبه حسنًا وأجرًا وقبولًا، ومن فسد منطقه وخبث انعكس أثره على سائر عمله. قال بعض السلف:"لا تجد شيئًا من البر يتبعه البر كله غير اللسان".
الكلام هو حصاد اللسان، ولذا كان لزامًا على المرء العاقل أن يكون كلامه فيما يعود عليه بالنفع ويجنبه الضرر، وأن يحترس منه، وأن يحذر من فضوله بالإمساك عن كثيره، والإقلال منه إلا ما كان في طاعة الله سبحانه من تهليل وتحميد وذكر وتسبيح ودعاء واستغفار، فإن الإكثار منه هو النجاة. جاء أعرابي إلى النبي فقال: دلني على عمل يدخلني الجنة؟ قال: (( أطعم الجائع، واسق الظمآن، وأمر بالمعروف، وانه عن المنكر، فإن لم تطق فكف لسانك إلا من خير ) ). قال عطاء بن أبي رباح رحمه الله:"فضول الكلام ما عدا تلاوة القرآن، والقول بالسنة عند الحاجة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تنطق في أمر لا بد لك منه في معيشتك. أما يستحي أحدكم لو نشرت عليه صحيفته التي أملاها صدر نهاره أن يرى أكثر ما فيها ليس من أمر دينه ولا دنياه"، ثم تلا قوله تعالى: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار:10-12] .
عباد الله، لقد ذكر أهل العلم أن للكلام شروطًا لا يسلم المتكلم من الزلل في حديثه إلا بالحفاظ عليها، ولا يعرى كلامه من النقص ويسلم من الخلل إلا بعد أن يستوفيها ويتأدب بها:
أولها: أن يكون الكلام لداع يدعو إليه، إما في جلب نفع أو في دفع ضرر، فالمسلم الحق هو من يسأل نفسه قبل الكلام عن الداعي له، فإن وجد داعيًا للكلام تكلم، وإلا فالصمت أولى به من منطق في غير حينه؛ لأن الإكثار من الكلام في غير ذكر الله وعبادته أو مصلحة النفس والآخرين سبب للوقوع في السقط، وزيادة الهذيان الذي يذهب معه الرشد وتستجلب الفضائح، فيكون القول مرذولًا والرأي معلولًا. قال عمر بن عبد العزيز:"من لم يعدَّ كلامه من عمله كثرت خطاياه"، وقد قيل:"لسان العاقل من وراء قلبه، فإذا أراد الكلام رجع إلى قلبه، فإن كان له تكلم، وإن كان عليه أمسك، وقلب الجاهل من وراء لسانه، يتكلم بكل ما عرض له"، ولهذا قيل في منثور الحكم:"اعقل لسانك إلا عن حق توضحه، أو باطل تدحضه، أو حكمة تنشرها، أو نعمة تذكرها".
يموت الفتى من عثرة بلسانه وليس يموت المرء من عثرة الرِّجل
وثاني شروط الكلام: أن يكون في موضعه ووقته، فإن الكلام في غير حينه من القبائح التي تضر ولا تنفع، فمن علم متى يحسن له الكلام أدرك نجاة نفسه ونفعها.
وثالثها: أن يكون الكلام على قدر الحاجة، فإنه إذا زاد عنها كان هذرًا، وإذا نقص كان عيًا وحصرًا، وكلاهما شين يجب الحذر منه، فإن مقتل الرجل بين فكيه، وقد قال رسول رب العالمين لمعاذ بن جبل: (( وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم؟! ) ).
ولله در القائل:
وزن الكلام إذا نطقت فإنما يبدي عقول ذوي العقول المنطق
فنضر الله وجه امرئ أوجز في كلامه فاقتصر على قدر حاجته، وسلم من الزلل والخطأ لسانه. قال المصطفى: (( إن من البيان لسحرًا ) ).
عباد الله، ورابع شروط الكلام: اختيار الكلمات والألفاظ التي يتكلم بها المرء من أطايب الكلام وأنفسه، والبعد عن البذاءة والفحش في القول والمنطق؛ لأن اللسان عنوان صاحبه، يترجم عن مجهوله، ويبرهن عن محصوله، فهو وزيره الذي يستدل به على رجحان عقله وفصاحة لسانه.
وإن لسان المرء ما لم تكن له حصاة على عوراته لدليل
إن عظماء الخلق لهم الذين يلتزمون في أحوالهم جميعًا أن لا تبدر منهم كلمة قبيحة أو لفظة سائبة مغلوطة أو مكذوبة، فيكونون بها سفهاء أو متطاولين على غيرهم؛ لأن الكلمة إذا خرجت من فم الرجل ملكته، وقبل أن تخرج هو الذي يملكها، فلبئس الرجل الذي تملكه كلماته ولا يملكها.
إن من الناس ـ عباد الله ـ من يعيش صفيق الوجه شرس الطبع منتن الفم خبيث اللسان، لا يحجزه عن كلام السوء حاجز، ولا يعرف للحسن سبيلًا، لسانه مهذار، وفمه ثرثار، حتى إن الكلمة الحسنة لو صدرت منه لعدت من الغريب النادر في حياته. ولقد قال رسول الله: (( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ) )، قالت عائشة رضي الله عنها: استأذن رجل على رسول الله فقال: (( بئس أخو العشيرة هو ) )، فلما دخل انبسط إليه وألان له القول، فلما خرج قلت: يا رسول الله، حين سمعت الرجل قلت كذا وكذا، ثم انطلقت في وجهه وانبسطت إليه! فقال: (( يا عائشة، متى عهدتني فاحشًا؟! إن من شر الناس عند الله تعالى منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء فحشه ) ).
عباد الله، ومن آداب الكلام التي يجب أن يزمّ بها العاقل لسانه أن لا يتجاوز في المدح قدره، ولا يسرف في الذم عن حده، فلا يذكر كلمة يرضي بها بشرًا ويسخط بها رب البشر، قال عبد الله بن مسعود: إن الرجل ليدخل على السلطان ومعه دينه، فيخرج وليس معه، قيل: وكيف ذلك؟! قال: يرضيه بما يسخط الله عز وجل، قال: (( إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أنها تبلغ ما بلغت يكتب الله بها سخطه إلى يوم القيامة ) )، ولقد قال لرجل مدح رجلًا آخر عنده: (( ويحك، قطعت عنق صاحبك ) )، قالها مرارًا، ثم قال: (( إن كان أحدكم لا بد مادحًا أخاه فليقل: أحسب فلانًا ولا أزكي على الله أحدًا ) ).
ومن أعظم آداب الكلام أن يصدقه الفعل؛ لأن مخالفة القول للفعل نفاق، واتفاقهما إيمان صادق، والله عز وجل يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ [الصف:2، 3] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله فاستغفروه وتوبوا، إليه إنه هو الغفور الرحيم.
أما بعد: اعلموا ـ يا رعاكم الله ـ أن طيب الكلام مجال واسع ومفهوم عظيم يشمل مجالات الخير كلها، ولقد أمر الله تعالى عباده المؤمنين بذلك في غير ما آية من كتابه الكريم، من مثل قول الله تبارك وتعالى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:83] ، وقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70، 71] . قال العلامة القرطبي رحمه الله:"ينبغي للإنسان أن يكون قوله للناس لينًا، ووجهه منبسطًا مع البر والفاجر، من غير مداهنة؛ لأن الله تعالى قال لموسى وهارون: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44] ، يعني لفرعون، فالقائل ليس بأفضل من موسى وهارون، والفاجر ليس بأخبث من فرعون، وقد أمرهما ربهما باللين معه".
فانظروا ـ عباد الله ـ كيف أُمر النبيان الكريمان موسى وهارون عليهما السلام أن يتلطفا في القول مع فرعون الذي ادعى الألوهية من دون الله تعالى وقال للناس: ما علمت لكم من إله غيري! أنا ربكم الأعلى! فأمر الله رسوليه إليه أن تكون دعوتهما له بكلام رفيق لين سهل رقيق؛ ليكون أوقع في نفسه وأبلغ في قيام الحجة عليه وأدعى لقبوله لدعوتهما. وكم يحتاج ذلك كل مسلم لتربية ودعوة من تحت يده من أهل وزوجة وأولاد وطلاب وموظفين، فهم أولى بالرفق واللين، قال: (( والكلمة الطيبة صدقة ) )، وقال: (( على كل مسلم صدقة ) )، قالوا: فإن لم يجد؟ قال: (( فيعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق ) )، قالوا: فإن لم يستطع أو لم يفعل؟ قال: (( فيعين ذا الحاجة الملهوف ) )، قالوا: فإن لم يفعل؟ قال: (( فليأمر بالمعروف ) )، قالوا: فإن لم يفعل؟ قال: (( فليمسك عن الشر فإنه له صدقة ) ).
الكلمة الطيبة ـ عباد الله ـ تحفظ المودة وتديم الصحبة وتمنع كيد الشيطان أن يوهي بين الأصدقاء والإخوان من المسلمين الحبال ويفسد ذات بينهم، وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا [الإسراء:53] ، بل إن طيب الكلام حتى مع الأعداء مطلوب؛ لأنه سبب في إطفاء الخصومة وإخماد الغضب، مما يقرب القلوب ويذهب غيظ الصدور، وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت:34] . قال طلحة بن عمر التابعي لعطاء بن أبي رباح: إنك رجل يجتمع عندك ناس ذوو أهواء مختلفة، وأنا رجل فيّ حدة، فأقول لهم بعض القول الغليظ، فقال: لا تفعل؛ فإن الله تعالى يقول: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا [البقرة:83] ، قال عطاء: فدخل في هذا اليهود والنصارى، فكيف بالحنيفي المسلم؟!
الكلمة الطيبة ـ عباد الله ـ تغسل الضغائن المستكينة في الجوارح، وتجمع الأفئدة، وتجلب المودة، ولكم في رسول الله أسوة حسنة، فقد قال: (( لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو تلقى أخاك بوجه طلق ) )، قال عمر بن الخطاب: (البر شيء هين؛ وجه طليق وكلام لين) .
فكل كلمة ـ أخي المسلم ـ لا تضر في الدين ولا تسخط الرب الكريم وترضي الجليس فلا تبخل بها على أخيك المسلم، يأجرك الله عليها، وتكون حجابًا لك من النار، قال: (( اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة ) )، وعن أبي المقدام عن أبيه عن جده قال: قلت للنبي: أخبرني بشيء يوجب الجنة، قال: (( عليك بحسن الكلام وبذل الطعام ) ).
فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وكف الأذى وحسن الخلق وطيب الكلام.
ثم اعلموا ـ يا رعاكم الله ـ أنه كما أن مجال الكلمة الطيبة واسع فإن مجال الكلمة الخبيثة أوسع، أعظمه الإشراك بالله تعالى، والقول على الله بغير علم، وشهادة الزور، والسحر والقذف، والشتم والسباب، والغيبة والنميمة والكذب، والمراء والجدال بالباطل، وتزكية النفوس، والخصومات، والغناء المحرم، والسخرية والهمز والاستهزاء بالمسلمين وبدينهم. كل هذه من أمهات الخبائث الموجبة للحرمان من رحمة الله، المورثة للضغائن والأحقاد بين الناس.
فاتقوا الله رحمكم الله، واحفظوا ألسنتكم، وطهروها من الخبث والخبائث، واجعلوها رطبة بذكر الله تعالى وطاعته.
هذا وصلوا وسلموا على من أمركم الله تعالى بالصلاة والسلام عليه في قوله عز من قائل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] ، وقال: (( من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرا ) )...