فهرس الكتاب

الصفحة 3793 من 5777

صلة الرحم

الأسرة والمجتمع, الرقاق والأخلاق والآداب

الآداب والحقوق العامة, الأرحام

خالد بن عبد الله المصلح

عنيزة

جامع العليا

1-منزلة الرحم في الإسلام. 2- فوائد صلة الرحم. 3- عواقب قطع الأرحام. 4- ضابط الصلة المشروعة.

أما بعد: عباد الله، صِلوا ما أمر الله به أن يُوصل من حقوقه وحقوق عباده، فصلوا أرحامكم الذين أمركم الله بوصلهم، وهم أقاربكم من جهة آبائكم وأمهاتكم، فإن للأقارب حقوقًا لازمة على عباده المتقين، موجبة لرضا الله رب العالمين.

لقد رتب الله تعالى على صلة الأرحام أجورًا عظيمة ومكاسب كبيرة في الدنيا والآخرة، فالقيام بحقوق الأقارب من أعظم ما يقربكم إلى الله تعالى ويوصلكم إلى رحمته وفضله وواسع منه وكرمه، قال الله جل وعلا: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ [الإسراء:26] ، وقال جل وعلا: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ [النساء:1] ، أي: اتقوا الأرحام أن تقطعوها, وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه ) ) [1] , وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها مرفوعًا: (( الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله ) ) [2] .

أيها المؤمنون، إن من مِنّة الله تعالى علينا أن جعل صلة الرحم سببًا لطول العمر وكثرة الرزق، ففي الصحيحين قال: (( من سره أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه ) ) [3] .

فصلة الرحم ـ يا عباد الله ـ سبب لسعة الرزق وطول العمر والمباركة فيه. فبادروا إلى صلة أرحامكم، وصلوهم بكل خير وبِرّ.

إن الواصل لرحمه ـ أيها المؤمنون ـ هو الذي يسعى في إيصال كل خير إلى أقاربه، ودفع كل شر عنهم بحسب الطاقة والوسع.

فصلوا ـ أيها المؤمنون ـ أرحامكم وأقاربكم بكل خير، بالزيارة والهدية والنفقة والمساعدة، صلوهم بالعطف والحنان ولين الجانب وبشاشة الوجه والإكرام والاحترام، صلوهم ببذل ما لهم في الأموال من الحقوق، واحتسبوا الأجر عند الله تعالى في ذلك، فإن الله لا يضيع عمل العاملين.

واعلموا أنه كلما قربت الصلة تأكد الحق وثبت الواجب وزادت الحقوق والواجبات، ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن الصحبة؟ قال: (( أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك، ثم أدناك فأدناك ) ) [4] . فكلما قربت الصلة تأكد الحق وعظم.

أيها المؤمنون، إن صلة الرحم حق ثابت للأقارب، ولو بدرت منهم الإساءة وبدت منهم القطيعة، فالواجب على العبد أن يصل رحمه ولو قطعوه، وأن يحسن إليهم ولو آذوه وأساؤوا إليه، ففي الصحيح من حديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله: (( ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل مَن إذا قطعت رحمه وصلها ) ) [5] .

فليس الذي يبني كمَن شأنه الهدم، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن رجلًا أتى النبي فقال: يا رسول الله، إن لي قرابةً أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيؤون إليّ، وأحلم عنهم ويجهلون عليّ، فقال له النبي: (( لئن كان كما تقول فكأنما تُسِفُّهُمْ الْمَلَّ ـ أي: كأنما تطعمهم الرماد الحار ـ ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ـ أي: معين لك عليهم ـ ما دمت على ذلك ) ) [6] .

فأبشر بحسن العاقبة وجميل الخاتمة يا من وصلت من قطعك وأحسنت إلى من أساء إليك ، ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت:34] .

وما أجمل ما فعل الشاعر لما هجره أقاربه وأساؤوا إليه:

رأيت انثلامًا بيننا فرقعته برفقي وإحيائي وقد يرقع الثلم

فداويته حتى ارفأنَّ نفارُه فعدنا كأنا لم يكن بيننا جرم

وأطفأ نار الحرب بيني وبينه فأصبح بعد الحرب وهو لنا سلم

[1] صحيح البخاري في الأدب (6138) .

[2] صحيح البخاري في الأدب (5958) ، ومسلم في البر والصلة (2555) واللفظ لمسلم.

[3] صحيح البخاري في الأدب (5985) ، ومسلم في البر والصلة (2557) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

[4] أخرجه مسلم في البر والصلة (2548) .

[5] أخرجه البخاري في الأدب (5991) .

[6] أخرجه مسلم في البر والصلة (2558) .

أما بعد: احذروا ـ أيها المؤمنون ـ من قطيعة الرحم؛ فإنها سبب للعنة الله وسخطه وعقابه، قال الله تعالى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [محمد:22-23] ، ويقول جل وعلا: وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [الرعد:25] .

وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: (( إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ من القطيعة. قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذاك لكِ ) ) [1] ، وعن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله: (( لا يدخل الجنة قاطع رحم ) )متفق عليه [2] .

وهذا كله يبين أن قطيعة الرحم من كبائر الذنوب وعظائم السيئات.

فاتقوا الله عباد الله، وصلوا أرحامكم، وانظروا في أقاربكم هل قمتم بما أوجب الله عليكم من صلتهم والإحسان إليهم، فإن الله جل وعلا قد قرن قطيعة الرحم بالإفساد في الأرض، قال ابن كثير:"قد أمر الله تعالى بالإصلاح في الأرض وصلة الأرحام، وهو الإحسان إلى الأقارب في المقال والفعال وبذل الأموال".

[1] أخرجه البخاري في الأدب (5987) ، ومسلم في البر والصلة (2554) .

[2] أخرجه البخاري في الأدب (5984) ، ومسلم في البر والصلة (2556) واللفظ لمسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت