الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب
الكبائر والمعاصي, الولاء والبراء
خالد بن عبد الله المصلح
عنيزة
جامع العليا
1-عزّة المؤمن. 2- التحذير من مشابهة الكفار. 3- وجوب مخالفة أهل الكتاب. 4- مخالفات لكثير من المسلمين في العصر الحاضر تُخِلُ بهذا الأصل العظيم. 5- أسباب التشبه بالكفار. 6- سبل الوقاية من الوقوع في التشبه.
أما بعد: يا أيها المؤمنون، اتقوا الله تعالى، واشكروه أن جعلكم من خير أمة أخرجت للناس، فإن أمة محمد هي خير أمة، وحزبه هم أعزّ حزب، قال الله تعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون:8] .
فعزتنا ـ أيها المؤمنون ـ مستمدة من عزة الله القوي العزيز، فهي عزة دائمة دوام الليل والنهار، لا يرفعها تأخر حضاري، ولا تراجع علمي، ولا انكسار عسكري، ولا تقهقر مادي، بل نحن الأعزاء بالله تعالى، إن صدقنا الله تعالى في إيماننا وعبوديتنا له، قال الله تعالى: وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين [آل عمران:139] . وقد قال الأول:
ومما زادني شرفًا وتيهًا وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك: يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيًّا
وتأكيدًا لهذه العزة وهذا التميز لأمة محمد فقد نهى الله تعالى المؤمنين عن اتباع سبيل الكافرين؛ من اليهود والنصارى والمشركين، وغيرهم من أمم الكفر، فنهى الله أهل الإسلام عن التشبه بالكفار، وعن تقليدهم والتبعية لهم، فقال جل وعلا: وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقّ [المائدة:48] ، وقال: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الأحزاب:1] .
ولا شك عند أولي الأبصار أن تقليد الكفار والتشبه بهم من أعظم صور الطاعة لهم، وقد نهى النبي عن مشابهة الكفار في أحاديث كثيرة، منها ما أخرجه أحمد وأبو داود بسند جيد عن ابن عمر مرفوعًا: (( من تشبه بقوم فهو منهم ) ) [1] . وفي هذا الحديث غاية التحذير ومنتهى التنفير عن مشابهة الكفار، كيف لا وقد جعل النبي مَن تشبه بالكفار منهم؟! نعوذ بالله من الخذلان. وقال النبي في بيان خطورة التشبه: (( ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى ) ) [2] .
ومن علامات تميز هذه الأمة عن غيرها أن النبي قد علل كثيرًا من الشرائع والأحكام بمخالفة اليهود والنصارى وغيرهم من أمم الكفر، مما يدل على أن مخالفة الكافرين مقصد نبوي شرعي، فمن ذلك مثلًا:
ما أخرجه مسلم عن شداد بن أوس رضي الله عنه مرفوعًا: (( خالفوا اليهود، فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم ) ) [3] ، وقال أيضًا: (( خالفوا المشركين، أَحْفوا الشوارب، وأوفوا اللحى ) ) [4] ، وهذا قليل من كثير في السنة المطهرة.
ومما يدل على أهمية مخالفتهم وأن مخالفتهم هي سبب الخيرية في الأمة، بل سبب لعلو الدين وظهوره، أنه قال: (( لا يزال الدين ظاهرًا ما عجل الناس الفطر؛ لأن اليهود والنصارى يؤخرون ) ) [5] . ومن تأمل كلام أهل العلم على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم علم علمًا لا يدخله شك ولا ريب إجماعهم على النهي عن مشابهة الكفار ووجوب مخالفتهم. وذلك لكثرة النصوص الواردة بذلك.
أيها المؤمنون، احرصوا على أن تلقوا ربكم بقلوب سليمة، استمعوا إلى ما قاله الحبر الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى قال:"وبالجملة فالكفر بمنزلة مرض القلب أو أشد، ومتى كان القلب مريضًا لم يصح شيء من الأعضاء صحة مطلقة، وإنما الصلاح أن لا تشبه مريض القلب في شيء من أموره".
وبهذا يتبين أن مخالفتهم في جميع الشؤون مقصودة للشارع، فليس النهي عن مشابهتهم في عباداتهم أو عقائدهم فقط، بل هو عام في عاداتهم وآدابهم وأخلاقهم وجميع شؤون حياتهم، قال ابن القيم رحمه الله:"ومن تشبه بالإفرنج في لباسهم ونظمهم ومعاملاتهم فهو بلا شك إفرنجي غير مسلم، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم".
أيها المؤمنون، إنه مع هذه النصوص الكثيرة التي تنهى عن التشبه بالكفار إلا أن النبي قد أخبر أن مشابهتهم ومتابعتهم ستقع في الأمة، فعن أبي سعيد مرفوعًا: (( لتتبعنّ سنن من قبلكم، شِبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو سلكوا جُحر ضَب لسلكتموه ) )قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: (( فمن؟! ) ) [6] .
وها هي الأمة اليوم تحاكي أمم الكفر شرقية وغربية، في الزي واللباس، وتتشبه بهم في آداب الأكل والشرب، وأساليب المعاشرة والمخالطة، وطرائق الكلام والمعاملة، وغير ذلك، بل وتتلقى عنهم الأفكار والآراء، حتى صاغ فئات غير قليلة من الأمة حياتهم وأفكارهم وأساليبهم على نهج الحياة الغربية والفكر الغربي.
والأسباب التي دعت هذه الفئام إلى التشبه بالكفار وتقليدهم عديدة، إلا أن من أبرزها: الغفلة عن سبب العزة والسعادة الحقيقية، فإن كثيرًا ممن تشبه بالكفار ظن أن سبب عزة هؤلاء وارتفاعهم هو أخلاقهم، وما هم عليه من نبذ الدين وعدم الاهتمام به، وقد غفل هؤلاء عن قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله) ، وقد قال تعالى: وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:139] .
[1] أخرجه أحمد من حديث ابن عمر (4868) , وأبو داود في اللباس (3512) .
[2] أخرجه الترمذي في الاستئذان والآداب (2619) .
[3] أخرجه أبوداود في الصلاة (556) .
[4] أخرجه مسلم في الطهارة (380) .
[5] أخرجه أبوداود في الصوم (2006) , وأحمد في باقي مسند المكثرين (9434) .
[6] أخرجه البخاري في الاعتصام بالكتاب (6775) .
أيها المؤمنون، إن من الأسباب الرئيسة التي جعلت كثيرًا من المسلمين يتشبه بالكفار من اليهود والنصارى الاختلاط بالكفار، والانفتاح عليهم، وذلك أن هذه العصور شهدت ثورة كبرى في الاتصالات والنقل، فقربت المسافات، واتصلت الجهات، حتى غدا العالم كما يقال: قريةً واحدةً. فلما وقع ذلك كثر الاحتكاك بهم والتعامل معهم، فأدى ذلك إلى ظهور معالم التشبه والتبعية والتقليد لأمم الكفر في حياة المسلمين وواقعهم، فرأينا بعض إخواننا ـ هداهم الله ـ من جعل الغرب وما فيه قدوة له في اللباس والزي، وفي الأكل والشرب، وفي تصفيف الشعر وقصه، بل وتمادى بعضهم حتى قلدوهم في الفكر والرأي، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ولا حلَّ لهذه المشكلة إلا بالتقليل من خلطة هؤلاء، ووجودهم بين المسلمين، فلا يجوز لأحد أن يسافر إلى بلاد الكفر إلا عند الحاجة، ويجب أن يكون المسافر عنده من العلم والإيمان والصبر واليقين ما يدفع به شبهاتهم، ويتقي به ما في بلادهم من فتن وشهوات تهتز لها الجبال الرواسي.
كما أنه يجب علينا جميعًا أن نتعاون على عدم استقدام الكفار، إلا عند عدم وجود من يقوم بما يقومون به من أعمال، وذلك أن تكاثرهم بين ظهرانينا؛ في بيوتنا وأعمالنا وأسواقنا ومكاتبنا، له تأثير بالغ في بث أخلاقهم، وإشاعة أفكارهم.