الرقاق والأخلاق والآداب
الآداب والحقوق العامة
عبد العزيز بن محمد القنام
وادي الدواسر
جامع النويعمة القديم
1-أهمية الأخوة في بناء المجتمع المسلم. 2- فضائل التآخي في الله تعالى في الدنيا والآخرة. 3- من الحقوق الواجبة على الإخوة في الله تعالى. 4- أروع الصور العملية للتآخي في الله تعالى.
أما بعد: فيا عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فإنه من يتقِ الله يجعلْ له من أمرِه يُسرًا، وأحَذركُم وإيايَ من عصيانه ومخالفةِ أمره، فإنه من يعصِ الله تكنْ عاقبة أمره خُسرًا.
أيها المسلمون، يقول الله تعالى في كتابه العزيز وهو أصدق القائلين: وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران:103] .
جماعة المسلمين، إن هذه الآية الكريمة تدعوكم إلى الاعتصام بحبل الله المتين، وإلى أن تكونوا إخوة في الله متحابين، وتُذَكِّرُكُم بنعمة الله عليكم، حيثُ نَزَعَ ربكم العداوةَ والبغضاءَ من قلوب آبائكم المسلمين الأولين، وألَّف بين قلوبهم فأصبحوا بنعمة الله إخوانًا متآلفين، وأنقذهم من عصبية الجاهلية الأولى، حين أصلح بين الأوس والخزرج، وآخى بين المهاجرين والأنصارِ، فملأ الحبُّ قلوبَهُم، وغَمَرَ الإخلاصُ حياتَهم، فسبحان مقلبِ القلوبِ والأبصارِ، ومحولِ الحولِ والأحوالِ، الذي قال عز من قائل: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:63] . وسبحان من حَكَمَ بأُخوَّةِ المؤمنين وأمر بالإصلاح بينهم فقال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الحجرات:10] .
أمة الإسلام، والمؤاخاة في الله دِعامةٌ قويةٌ من دعائم بناءِ المجتمع الإسلامي، ورابطة متينة تربط بين أبنائِه برباط المحبة والمودة الذي يثمر مجتمعًا متماسك البنيان، يشعر كل فردٍ فيه بأنه عضوٌ في جسد يشارك بقيةَ الأعضاءِ في الآمال والآلام والأفراح والأحزان؛ لأنها أُخوةٌ فاقتْ أُخوةَ النسبِ، إنها الأُخوَّةُ التي جعلتْ سيدَنا مصعبَ بن عميرٍ رضي الله عنه حين رأى أخاه أبا عزيزِ بنَ عُمَير وقد أسره أحدُ الأنصار، فقال له سيدنا مصعب: شُدَّ يَديكَ بهِ، فإنَّ أمَّهُ ذاتُ مَتاعٍ، لعلها تفديه منكَ، فقال أبو عزيز لسيدنا مصعب: يا أخي، يا ابن أبي، هذه وصَاتُكَ بي؟! أي: هذه وصيتك بأخيك أن يشدَّ يديه عليَّ بدلًا من أنْ تَفُكَّ أسْري؟! فقال له سيدنا مصعب: لا، إنه أخي دونَك، أي: لا عبرة اليوم بأخوة النَّسب، وإنما العبرة بأخوة الإسلام. رضوان الله عليك يا مصعبُ بنَ عمير، وجزاك الله عن أُخُوَّةِ الإسلام خيرَ الجزاء، فقد وصلتَ رحِمَ الإسلام الذي ربط بينك وبين أبي اليُسْر الذي أسر أخاك أبا عزيز، وجعلتَه فوقَ رحم النسب، فيا ليت قومي يعلمون.
أيها المسلمون، ويوم أن تفاخر بعض العرب بمجدِ آبائهم وأجدادهم، وكان بينهم سيدنا سلمان الفارسي رضي الله عنه قال سلمان:
أبيِ الإسلامُ لا أبَ لي سواه إذا افتخروا بقيسٍ أو تَميمِ
عباد الله، إن التآخيَ في الله قُربةٌ من أفضل القربات وطاعة من أشرف الطاعات؛ لأنها تُجسِّدُ قول النبي: (( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا ) )، وقولَه: (( مَثَلُ المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مَثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) ).
تلكم هي الأخوةُ الصادقةُ التي تُثْمِرُ المحبة والتآلف بين أبناءِ الدينِ الواحدِ، بل هناك أخوَّةٌ ترجع بنا إلى أبي البشرية آدمَ وأُمِّها حواءَ، يؤكدُّها قولُ اللهِ سبحانه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات:13] .
ويدل عليها ما حدَّثنا به التاريخ أنَّ رجلًا ذهب إلى سيدنا معاويةَ بنِ أبي سفيانَ رضي الله عنهما لِحاجةٍ له، فلما أراد الدخولَ عليه قال له الحاجب: من أنت؟ قال: أنا أخوه، فلما أخبرَ الحاجبُ معاويةَ بذلك قال له: أما تعرف أخي؟! فأجابه الحاجب: أنا ما رأيت هذا الأخَ من قبل يا أمير المؤمنين، قال: فلتأذن له بالدخول، فلما دخل قال له معاوية: كيف قلت للحاجب إنك أخي؟! قال: أما تعرف أني أخوك؟! قال: كيف؟! قال: أبي وأبوك آدمُ، وأمي وأمُّك حواءُ، أليست هذه أُخوَّة؟! قال سيدنا معاويةُ: صدقتَ، هذه رحمٌ قطعناها، فنسأل الله المغفرة.
عباد الله، والأُخوة الصادقة في الله تتطلبُ من أصحابها أن يكونَ التعاونُ بينهم مبنيًا على التناصحِ والتراحمِ والوفاءِ والإخلاصِ، بحيث يحبُّ كل واحد من أفراد الأمة لأخيه ما يحبُّ لنفسه، حتى نتمثَّلَ قولَ الله تعالى: مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الفتح:29] ، وحتى يَصْدقَ عليهم قولُ رسول الله: (( المسلم أخو المسلم لا يَظلمه ولا يُسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلم كربةً فرَّج الله عنه بها كربةً من كربِ يوم القيامة، ومن سَتر مسلمًا سترَهُ الله يوم القيامة ) ).
أيها المسلمون، والأُخُوَّة في الله تكون أمانًا للعبد من عذاب الله يوم القيامة، وترفع شأنه عند ربِّه في يوم تشخص فيه الأبصار، وتُطَمْئِنُهُ من الفزع الأكبر يوم يتذكر الإنسان ما سعى، يوم لا تملك نفس لنفس شيئًا والأمر يومئذٍ لله، مِصداقُ ذلك قول النبي: (( إن لله عبادًا ليسوا بأنبياءَ ولا شهداءَ، يَغْبِطُهم النبيون والشهداءُ لقُربهم ومقعدهم من الله يوم القيامة ) )، فقال أعرابي: حدِّثْنَا يا رسول الله من هم؟ فقال: (( هم عباد من عباد الله، من بلدانٍ شتَّى وقبائلَ شتَّى، لم يكن بينهم أرحامٌ يتواصلون بها، ولا دنيا يتباذلون بها، يتحابُّون بروح الله، يجعل الله وجُوهَهُم نورًا، وتُجعلُ لهم منابرُ من نور، قُدَّامَ عرش الرحمن، يفزَع الناس ولا يفزَعون، ويخافُ الناس ولا يخافون ) ).
عباد الله، وإذا كان الله قد جعل هذه المنزلةَ للمتآخينَ فيه والمتزاورين فيه والمتجالسين فيه فما ذلك إلا لأنه يُحبُّهُم، وهل يَبتغي المسلم شيئًا بعد حب الله تعالى له؟! مَن ذا الذي يرى هذا العطاء ثم لا يسارع إليه؟! من ذا الذي يرى هذا العرضَ السخيَّ من الكريمِ الجوَاد ثم يُعرض عنه؟!
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي: (( إن رجلًا زار أخًا له في قرية فأرصد الله تعالى على مَدْرَجَتِهِ ـ أي: أرسل في طريقه ـ ملَكًا، فلما أتى عليه قال له: أين تريد؟ قال أريد أخًا لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تَرُبُّها ـ يعني: هل له حاجة تريد أن تقضيها له؟ ـ قال: لا، غير أني أحببته في الله، قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه ) ).
أحِبَّتِي في الله، وها هو ربكم يقول في الحديث القدسي الجليل: (( وجبتْ محبتي للمتحابين فيَّ والمتجالسين فيَّ والمتباذلين فيَّ والمتزاورين فيَّ ) ).
أيها المؤمنون، إن سعادة الدارين مكفولةٌ للذين يتآخَوْن في الله، فتراهم في الدنيا سعداءَ فَرِحينَ، وبإخوانهم مسرورين، وبمحبتهم مغتبطين، يتعاونون على البر والتقوى، ويتواصَوْن بالحق والصبر، يقضُون مصالحَ المسلمين، ويهتمُّون بأمور المؤمنين، يغفرون الزلات، ويسترون العورات، ويتجاوزون عن السيئات، أمَّا في الآخرة فحسبهم قولُ النبي: (( إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي ) )، وقولُ أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: (عليكم بالإخوان، فإنهم عُدَّةٌ في الدنيا والآخرة، ألا تسمعون إلى قول أهل النار: فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ ? ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [الشعراء:100، 101] ) ، وقولُ سيدنا عبد الله بنِ عمرَ رضي الله عنهما: (والله، لو صمتُ النهار لا أفطرهُ وقُمتُ الليل لا أنامه وأنفقت مالي غَلَقًا غَلَقًا في سبيل الله أموتُ يوم أموتُ وليس في قلبي حبٌ لأهل طاعة الله وبغضٌ لأهل معصية الله ما نفعني ذلك شيئًا) ، وقولُ ابن السماك عند موته:"اللهم إنك تعلم أني إذا كنت أعصيك كنتُ أحب من يطيعك، فاجعل ذلك قُربةً لي إليك".
إخوة الإسلام، وللأُخوَّة في الله حقوقٌ يجب الوفاءُ بها، فمنها: الإيثار على النفس، وقد بدا هذا واضحًا لَدَى الأنصار الذين آثروا المهاجرين على أنفسهم فاستحقوا وصف الله لهم بقوله تعالى: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر:9] . قال ابن عمر رضي الله عنهما: أُهْدِيَ لرجل من أصحاب رسول الله رأسُ شاة فقال: أخي فلان أحوج مني إليه، فبعث به إليه، فبعثه ذلك الإنسان إلى آخرَ، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى رجع إلى الأول بعد أن تداوله سبعة.
إخواني في الله، وإن تعجبوا من مثل هذه الأمور فالعجب مما جَاءَ عن أبي سليمان الداراني أنه قال:"لو أن الدنيا كلَّها لي فجعلتُها في فم أخٍ من إخواني لاستقللتُها عليه"، وقال:"إني لأُلْقِمُ اللقمة أخًا من إخواني فأجد طعمها في حلقي". أما أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فيقول: (لَعِشرون درهمًا أعطيها أخي في الله أحب إليّ من أن أتصدق بمائة درهم على المساكين) ، ويقول أيضًا: (لأَنْ أصنع صاعًا من طعام وأجمعَ عليه إخواني في الله أحبُّ إليَّ مِنْ أن أعْتِقَ رقبة) .
فيا أيها الأحبَّة، تآخوا في الله تسعدوا، واغفروا زلات إخوانكم تؤجروا، واستروا عوراتِهم في الدنيا يسترْكم ربُّكم في الآخرة، واذكروا محاسنهم، وغضوا الطرف عن مساوئهم، فَتِلْكُم حقيقة الأخوَّةِ في الله، يقول الشاعر:
خذ من خليلك ما صفا ودع الذي فيه الكدرْ
فالعمر أقصر من مُعَا تَبَةِ الخليل على الغِيَرْ
والكريم ـ أيها السادة ـ لا ينسى أخاه في ساعة العسرة، يقول الشاعر:
إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا من كان يألفهم في المنزل الخشن
عباد الله، يقول رسول الله: (( إياكم والظنَّ، فإن الظن أكذبُ الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا كما أمركم، المسلم أخو المسلم، لا يظلمُهُ، ولا يخذُلُه، ولا يَحْقِرُهُ، التقوى ها هنا، التقوى ها هنا، التقوى ها هنا ـ وأشار إلى صدره ـ ، بحسْبِ امرئٍ من الشرِّ أن يحقرَ أخاه المسلمَ، كلُّ المسلمِ على المسلمِ حرامٌ دمُه، ومالُه، وعرضُه ) ).
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ونفعنا بهدي سيد المرسلين وبقوله القويم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله الذي اجتبانا لطاعته، وأخلصنا لعبادته، أعز المؤمنين بعزته، وأذل المشركين بجبروته وقدرته، سبحانه له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل المؤمنين إخوة في الله، وحبب إليهم الإيمان، وملأ وجدانهم سكينة وأمنًا، فائتلفت منهم القلوب، وصفت النفوس، ذكرنا سبحانه بجليل نعمته، وامتن علينا بكريم هدايته: وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا [آل عمران:103] .
فإن من أجلّ نعم الله تعالى علينا ـ أمة الإسلام ـ وأحقها بالشكر نعمة الإيمان والإسلام والإخاء في الله تعالى، وهي نعمة تردد ذكرها في كتاب الله تعالى في أكثر من آية كريمة، قال تعالى: وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران:103] .
فنعمة الإسلام هي النعمة الكبرى التي جمع الله تعالى المسلمين تحت ظلالها الوارفة؛ لينعموا بما في الإخاء الإسلامي من محبة وإيثار، وتعاون وتكافل ورحمة، وصدق الله العظيم: مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بينهم [الفتح:29] ، وهذه الرحمة تتجاوز كل دواعي الشح والبخل، وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر:9] .
ونعمة الإخاء هذه تجلت في أروع صورها في حياة الرسول وسيرته مع أصحابه الذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه. وكانت الهجرة النبوية من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة وهجرة المسلمين السابقين هي الصورة المثلى لذلك الإخاء الإسلامي الذي قدم للإنسانية أروع صور المحبة والإخاء والإيثار، وتتحدث كتب السير عن أنه لم ينزل مهاجري على أنصاري إلا بقرعة، وذلك من تسابق الأنصار على استضافة المهاجرين الوافدين من مكة إلى المدينة فرارًا بدينهم من وجه طغيان الشرك والمشركين.
وقد حرم الإسلام كل ما يؤذي المسلم في أي جانب من جوانب حياته، يقول المصطفى صلوات الله وسلامه عليه معلمًا لنا وللإنسانية جمعاء: (( كل المسلم على المسلم حرام، دمه وعرضه وماله ) )، ويقول نبي الرحمة: (( المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، ولا يخذله، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة ) )متفق عليه.
هذه آيات ربنا وسنة نبينا وأخلاق سلفنا الصالح، بها عز المسلمون وسادوا ودانت لهم الدنيا، يوم أن كانوا إخوة متحابين في الله، لا تشغلهم نزغات أنفسهم عن أنوار الهداية الربانية، يتوجهون إلى الله تعالى بالدعاء ضارعين: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10] .
ومما يستوجب الحمد والثناء على الله تعالى منا في هذا البلد الطيب أن أنعم الله تعالى علينا بنعمة الإخاء والمودة والتكافل والتراحم، فلم تمتد يد بالإيذاء لمسلم، ولم تنتهك أية حرمة من حرماته أو ينتقص أي حق من حقوقه، وعلينا واجب الشكر على هذه النعمة؛ ليزيدنا الله من جليل نعمه: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7] .
فاشكروا الله ـ عباد الله ـ على هذه النعمة العظيمة، وحافظوا على الأخوة بينكم، واحذروا أن ينجح الشيطان في التحريش بينكم.
وصلوا وسلموا على سيد الأولين والآخرين، وإمام المرسلين، فقد أمركم الله بالصلاة والسلام عليه في قوله تبارك وتعالى: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِي ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] ، وقد قال: (( من صلى عليَّ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرًا ) ).
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد...