فهرس الكتاب

الصفحة 3095 من 5777

غزوة بدر

العلم والدعوة والجهاد, سيرة وتاريخ

المسلمون في العالم, غزوات

فهد بن عبد الله الصالح

المجمعة

القادسية

1-تاريخه الغزوة وسببها وأحداثها وآثارها. 2- فضل الجهاد في سبيل الله. 3- أسباب تخلف الأمة. 4- من مآسي المسلمين في البوسنة والهرسك.

أمَا بعد: أيها المسلمون، شهر رمضان شهر القرآن، شهر كتاب الله الكريم، فيه خبر ما قبلكم وحكم ما بينكم، كتاب الله الذي يهدي إلى صراطٍ مستقيم، شَهْرُ رَمَضَانَ ?لَّذِي أُنزِلَ فِيهِ ?لْقُرْآنُ هُدًى لّلنَّاسِ وَبَيِّنَـ?تٍ مِّنَ ?لْهُدَى? وَ?لْفُرْقَانِ [البقرة:185] ، فالقرآن سمَاه الله فرقانًا لأن فيه التفريق بين الحق والباطل، وبين الحلال والحرام، وبين الإيمان والضلال.

وفي شهر رمضان ـ أيها الإخوة ـ فرقانٌ من نوع آخر، فرقانٌ بين الحق والباطل، إنه فرقانُ بدر المعركة الكبرى، وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى? عَبْدِنَا يَوْمَ ?لْفُرْقَانِ يَوْمَ ?لْتَقَى ?لْجَمْعَانِ [الأنفال:41] ، لقد سمى الله تعالى يوم بدر فرقانا لأنه المعركة الأولى التي تميز بين الحق والباطل.

ولئن وقعت هذه المعركة في رمضان من السنة الثانية من الهجرة فإن النصر لم يكن خاصًا بمن كان له شرف خوضها، إن النصر فيها هو نصرٌ لهذا الدين ولمن يحمل هذا الدين.

لقد كانت معركة بدر أولى المعارك في تاريخ الإسلام، وأول مواجهةٍ بين المؤمنين وأعداء الدعوة.

لقد خرج المسلمون مع الرسول من المدينة يوم بدر، وهم لا ينوون قتالًا، إنما يريدون قافلة التجار الخاصة بكفار مكة ليستولوا عليها في مقابل جانب مما استولى المشركون عليه من أموال المسلمين وحقوقهم، فهم لم يأخذوا للمعركة حسابا، ولم يعدوا للقتال عدة، هذه مشيئتهم، ولكن شاء الله أمرًا آخر، شاء الله أن يكون القتال مع المشركين.

عِير قريش التي أتت من الشام استطاع قائدها أبو سفيان النجاة بها، ولكن قريشٌ أصرت على الخروج بطرًا ورئاء الناس وصدًا عن سبيل الله، حتى قال أبو جهل: والله، لا نرجع حتى نبلغ بدرًا، ونقيم فيها ثلاثًا، تنحر الجزور ونطعم الطعام ونسقي الخمر، وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا أبدًا.

وأعلم النبي أصحابه أن الله وعده إحدى الطائفتين، إمَا العير وإمَا قريش، وأخذ من أصحابه الرأي والمشورة، فأشاروا عليه بمقاتلة المشركين، فسُر من موقف المهاجرين والأنصار، ثم قال: (( سيروا وأبشروا، فوالله لكأني أنظر إلى مصارع القوم ) ). فساروا إلى الموقع واختاروا المكان المناسب، ولجأ النبي إلى ربه مستنزلا نصره قائلًا: (( اللهم قريش جاءت بفخرها وخيلائها وخيلها، تحادّك وتكذب رسولك، اللهم نصرك الذي وعدتني، اللهم عهدك ووعدك، اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تٌعبد ) ). وجاء الردّ من الله تبارك وتعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَ?سْتَجَابَ لَكُمْ [الأنفال:9] .

وقد كان عدد المسلمين ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، أما خصومهم الكفار فكانوا أكثر من ألف مقاتل، ومعهم مائة فرس، وستمائة درع، وجمال كثيرة.

وما إن بدأت المعركة حتى انهزمت جموع الكفار وولت الدبر، ولقي المصير السيىء سبعون منهم، وسبعون وقعوا في الأسر، وفر البقية هاربين، واستشهد من المسلمين أربعة عشر رجلا رضي الله عنهم.

أيها المسلمون، لقد استجاب الله دعاء رسوله ، فنصرهم الله على عدوه وعدوهم، مع تباين في العدد والعدة. إن النصر سنةٌ من سنن الله، ينصر الله من ينصره، ينصر الله من يشاء وهو العزيز الرحيم.

القلة والكثرة ليس لها حساب في سنن الله، كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ ?للَّهِ وَ?للَّهُ مَعَ ?لصَّـ?بِرِينَ. على المسلمين إذا أرادوا نصرًا أن يخلصوا عملهم لله، ويأخذوا بأسباب النصر من قوةٍ وعدة وحيطةٍ وحذر.

لقد أراد الله تعالى للمسلمين أن تتعانق الانتصارات، انتصار الجيش الإسلامي وانتصار القلوب المؤمنة حين اتصلت بالله وتخلصت من ضعفها الذاتي، وانتصرت على نفسها الأمارة بالسوء، وغلب اليقين والثقة بالله على الحسابات الظاهرية، ونزول الملائكة الأطهار لتقاتل مع المسلمين في بدر هو مدد من الله تعالى للمؤمنين، لم يكن مددًا من أجل النصر بل مددًا لنفوسهم، وبشرى وطمأنينةً لها، أمَا النصر فلم يكن إلاَ من عند الله. اقرؤوا كتاب الله: فَ?سْتَجَابَ لَكُمْ أَنّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مّنَ ?لْمَلَئِكَةِ مُرْدِفِينَ وَمَا جَعَلَهُ ?للَّهُ إِلاَّ بُشْرَى? وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا ?لنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ?للَّهِ إِنَّ ?للَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:9-10] .

معركة بدر ـ أيها الإخوة ـ أظهرت قوة الإسلام ودولته، تلكم التي تُهاب ويُحسب لها كل حساب، وشعر المسلمون فيها بالعزة الحقيقية: وَلِلَّهِ ?لْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون:8] .

تذوّق المسلمون فيها طعم الإيمان وحلاوة التضحية ولذة العبادة. لقد شعر المسلمون بعد غزوة بدر بالعزة بعد الذلة، وبالأمن بعد الخوف، وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ?للَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ [آل عمران:123] ، وأمة الإسلام عزّها في الجهاد، متى ما رفعت راية الجهاد كانت عاقبتها النصر والعزة والتمكين، ومتى ما استكانت ورضيت بالقعود وتركت الجهاد ضربت بالذلة، وتسلط عليها أعداؤها بشتى أنواع التسلط.

يقول أبو بكر الصديق رضي الله عنه: (لا يدع قومٌ الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل) .

وروى أبو داود في سننه عن النبي أنه قال: (( إذا تبايعتم بالعينة ـ نوع من البيوع المحرمة ـ وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع ـ أي: اشتغلتم بالزراعة والرعي ـ وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم ) ).

والجهاد فريضة إسلامية كفريضة الصلاة والصيام، والذي شرعها أعلم بمصلحتها لعباده المؤمنين: كُتِبَ عَلَيْكُمُ ?لْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَ?للَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [البقرة:216] .

والجهاد هو أفضل عملٍ يتقرب به العبد لربه بعد الإيمان به لحديث أبى ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أي العمل أفضل؟ قال: (( الإيمان بالله والجهاد في سبيله ) )رواه البخاري ومسلم.

ومنزلة الجهاد منزلة عظيمة لا يرقى إليها إلاَ مَن عظمةُ الآخرة في قلبه وهانت عليه الدنيا، لا يرقى إليها إلا من تمكن الإيمان في قلبه ورسخت محبة الإيمان في سويداء قلبه، فسرى الإيمان في أعضاء الجسم سريان الدم في العروق، فعاش هذا الإنسان بالله ولله، وأيقن أنه لن تموت نفسٌ حتى تستوفي أجلها ورزقها، وأن الروح لن تخرج إلاَ في اليوم المحدد لها، وأن دخول المعارك لا يقرب ولا يبعد أجلها، وأنه لن يصيبه إلاَ ما كتبه الله له، ومهما أصيب أو أوذي في الله فإنها كفارةٌ لذنوبه حتى الشوكة يشاكها.

بهذه العقيدة الصحيحة ربى الرسول أصحابه، فتسابقوا للجهاد، وواجهوا أعداء الله بثبات وإيمان، وحرصوا على الموت حرص غيرهم على الحياة، فنصر الله دينه على أيديهم وشرفهم بخدمة دينه، فهم أحياءٌ بعزةٍ وتمكين فوق الأرض، وهم أحياءٌ عند ربهم يرزقون.

وما كانت انتصارات المسلمين إلا بالجهاد، وما تسلط أعداؤنا علينا في هذا الزمن إلا لما تركنا الجهاد.

مأساة البوسنة والهرسك مثالٌ شاهد على ذلك، مدة اثنين وأربعين شهرًا والنصارى يُعملون القتلَ في رقاب المسلمين، وينتهكون أعراض المسلمات، ويخربون الديار، ويشردون الأبرياء، والعالم الغربي ومنظماته يقومون بأدوار المسرحية مع إخوانهم النصارى الصرب، حتى لما خافوا من يقظة الجهاد ويئسوا من إبادة شعب مسلم ودولته وتشفوا من المسلمين بقتل ما يزيد عن مائتي ألف مسلم، وكل فترة نسمع عن اكتشاف مقبرة جديدة، وهتك عرض أكثر من أربعين ألف فتاة مسلمة، وجعلوا سرايفو وغيرها خرابًا دمارا، عطفوا على البوسنة باتفاق هش وظالم؛ جعلهم أقلية داخل ديارهم يخافون أن يتخطفهم الناس، وهكذا في كل صقع من عالمنا الإسلامي يتمكن الأعداء فيه من رقاب المسلمين.

هذا ـ أيها الإخوة ـ حديثٌ عن الجهاد وعن يوم الفرقان، حديثٌ عن العزة والانتصار.

فاتقوا الله يرحمكم الله، وخذوا من دينكم عزتكم ونصرتكم في الدنيا، وفلاحكم وفوزكم في الآخرة.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَ?ذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي ?لأرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ?لنَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مّنَ ?لطَّيّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [الأنفال:26] .

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت