فهرس الكتاب

الصفحة 3093 من 5777

السفر

موضوعات عامة

السياحة والسفر

فهد بن عبد الله الصالح

المجمعة

القادسية

1-الإجازة والسفر. 2- أنواع السفر في الإسلام. 3- وقفات مع المسافرين. 4- توجيهات عامة للمسافرين. 5- أخطاء يقع فيها كثير من المسافرين.

عباد الله، ونحن على أبواب الإجازة الصيفية يناسب الحديث عن السفر والسياحة، إذ إن البعض من المسلمين اعتاد أن يسافر في هذه الإجازة، وبعضٌ أخطأ في وجهته أثناء سفره, وبعضٌ سأل: إلى أين يسافر هذه الأيام؟ ولا عجب في ذلك.

فالسياحة في الأرض أمرٌ محبب للنفوس؛ لأن النفس تَمل المكث والبقاء في مكان واحد، وقد نُقل عن الزاهد الورع بشرٍ الحافي رحمه الله أنه قال:"يا معشر القراء، سيحوا تطيبوا، فإن الماء إذا ساح طاب، وإذا طال مقامه في موضع تغير".

والسفر ـ أيها الإخوة ـ له مقاصد في الإسلام كثيرة ومشروعة، فأعلى أنواع السفر هو ما كان للجهاد في سبيل الله ونصرة الدين والدعوة إلى الله وإغاثة المسلمين وتفقد أحوالهم، وفي الحديث: (( سياحة أمتي الجهاد ) ).

ولقد أمر الله بالخروج والنفرة من أجل الغزو والجهاد، قال الله تعالى: ?نْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَـ?هِدُواْ بِأَمْو?لِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ ?للَّهِ ذ?لِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [التوبة:41] ، وقال: لَـ?كِنِ ?لرَّسُولُ وَ?لَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ جَـ?هَدُواْ بِأَمْو?لِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ ?لْخَيْرَاتُ وَأُوْلَئِكَ هُمُ ?لْمُفْلِحُونَ [التوبة:88] .

والسفر يكون للحج والعمرة سواءً حج الفريضة أو النافلة, ويكون لطلب العلم رفعًا للجهل عن النفس ونفعًا للأمة، يقول: (( من سلك طريقًا يلتمس به علمًا سهل الله لديه طريقًا إلى الجنة ) )رواه مسلم.

والسفر يكون لطلب الرزق لتعذر حصوله في بلده, ويكون السفر بقصد التجارة وجلب السلع وتصديرها.

ومن السفر ما يكون للبقاع الكريمة الثلاثة لقوله: (( لا تشد الرحال إلاَ إلى ثلاث مساجد، مسجدي هذا ـ يعنى المسجد النبوي ـ والمسجد الحرام والمسجد الأقصى ) ).

ومن السفر المشروع ـ أيها الإخوة ـ السفر لصلة الرحم وزيارة الأقارب والإخوان في الله تعالى، جاء في الحديث الصحيح عنه أنه قال: (( زار رجل أخًا له في قرية، فأرصد الله على مدرجته ملكًا، فقال: أين تريد؟ قال: أريد أخي في هذه القرية، قال: هل لك من نعمةٍ تربُّها عليه؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله عز وجل، قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه ) )رواه مسلم.

هذه معظم أنواع السفر المشروعة في دين الإسلام.

ويبقى سفر مباح وسفر محرم، وتبقى النية هي التي تحكم على العمل، فهذا العلامة أبو بكر ابن العربي رحمه الله يبين أهمية النية في السفر، بعد أن عدد أنواع السفر، يقول رحمه الله:"فالنية تقلب الواجب من هذا حراما، والحرام حلالا، بحسب حسن القصد وإخلاص السر عن الشوائب".

أيها المسلمون، هنالك وقفاتٌ سريعة مع موضوع السفر بعد أن عرفنا شيئًا عن أنواعه.

فالسفر في الإجازة ليس أمرًا واجبًا، والذين لا يسافرون ليسوا على خطأ؛ إذ الأصل هو الإقامة والاستقرار، ولكن يبقى السفر إمَّا واجبًا أو مباحًا أو حرامًا كما تقدم.

وإذا كان بعض الآباء يسافرون بعائلاتهم سفرًا نزيهًا للفرجة وتغيير الجو عليهم ومكافأةِ الناجحين على اجتهادهم، إلاَ أنه لا يحق للزوجة ولا للأولاد مضايقة الأب أو إحراجه إذا كان لا يستطيع السفر بهم، إمَّا لقلة ذات اليد أو لعدم التفرغ أو غيرها من الشواغل والموانع. ومن التجاوزات الخاطئة أن يحمّل الإنسان نفسه ديونًا من أجل السفر.

ووقفة أخرى ـ أيها الإخوة ـ مع السفر وأماكن السفر، فمعلوم أن بلاد الكفر كأوربا وأمريكا هي بلاد ليست إسلامية، فلا يسمع فيه الأذان للصلاة، ولا تكاد ترى مسجدًا إلاَ نادرا، ومظاهر الكفر والفسق والفجور فيها منتشرة, وقريبًا من هذا الوضع المتردي أخلاقيًا بعضُ الدول العربية والإسلامية التي دمرها الاستعمار أثناء وجوده، ونشر فيها المراقص والزنا وأماكن الخمر والاختلاط, فالذهاب إلى هذه البلاد خطرٌ على الإنسان وعلى أخلاقه وسلوكه، إلاَّ لمن ذهب لمصلحةٍ راجحة وغلب على ظنه أنه لن يقع في هذه المستنقعات، ولن يتأثر بتلك المظاهر والمفاتن.

أيها المسلمون، الأولى بالإنسان إذا أراد السفر أن يختار المكان اللائق به، فالسياحة داخل المملكة أصبحت ولله الحمد متيسرة إلى درجة كبيرة, وفي هذه البلاد الحرمان الشريفان، واللذان تضاعف فيهما الصلاة مع أداء العمرة في مكة, وفي هذه البلاد أماكن طيبة الهواء، وأماكن تطل على البحار، ووسائل التنقل متيسرة والطرق معظمها سريع.

ووقفة ثالثة ـ أيها الأحبة ـ مع السفر وهو وجوب البعد عن أماكن الشر، سواءً كان في أسواق فيها نساء أو حفلات غنائية، أو مهرجانات فيها صخب واختلاط، أو أي أمر ٍ محرم في الشرع.

فلا يحل للمسلم أن يذهب بنفسه أو يصطحب عائلته إلى أي موقع يغلب على ظنه أن فيه منكرًا، وقد قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز: وَإِذَا رَأَيْتَ ?لَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءايَـ?تِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى? يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ?لشَّيْطَـ?نُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ?لذِّكْرَى? مَعَ ?لْقَوْمِ ?لظَّـ?لِمِينَ [الأنعام:68] .

أمَا الوقفة الرابعة فهي ضبط الأهل والأولاد وذلك أثناء السفر.

فينبغي مراعاة تصرف الأولاد والبنات، فلا يذهبوا إلى أي مكان شاؤوا دون إذن ورقابة، ولا تتساهل المرأة في أمر الحجاب في الأسواق والطرقات بحجة أنها لا تُعرف، فالحجاب شريعة يُتعبد الله بها في كل مكان، وهو ستر لها عن أعين جميع الرجال، وكذا مراقبة الأولاد في مشاهدة القنوات الفضائية التي توجد في بعض الشقق المفروشة.

وأمَا من اضطر إلى السفر خارج هذه البلاد إلى بلاد فيها تبرج واختلاط وخمر ومخدرات، فعليه أن يراقب ربه وأن يغض بصره، وأن يبحث عن سكن ليس فيه منكرات، وأن يبتعد عن جميع الأماكن التي يغلب على ظنه أن فيها شيئًا من ذلك، وإلا أصبح متساهلًا معرضًا نفسه المهالك والوقوع فيما حرم الله.

والمسافرون ـ أيها الإخوة ـ سواءً كان سفرًا قصيرًا أو طويلًا عليهم أن يحسنوا النية في سفرهم، ولا ينسوا دعاء السفر، فهو دعاء عظيم ووردٌ حصين.

وعليهم اختيار الرفيق الصالح وقديمًا قيل:"الرفيق قبل الطريق"، وإنما سمى السفر بهذه الاسم لأنه يسفر عن حقيقة المرء وعن أخلاقه.

وعلى المسافرين أن يتأملوا عجيب صنع الله في المناظر الطبيعية، في الأنهار والبحار، وأن يتأملوا كثيرًا في واقع بعض الدول إمَّا لفقر أهلها مع وجود الخيرات والأنهار والبحار فيها، وإمَّا لاضطراب الحياة الاجتماعية والأخلاقية، وإمَّا لخراب ديارهم كبقايا الأمم السالفة، وكل ذلك بسبب التكذيب والبعد عن التمسك الدين. يقول الله تعالى في ذلك: أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي ?لأرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـ?قِبَةُ ?لَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَءاثَارًا فِي ?لأرْضِ فَأَخَذَهُمُ ?للَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مّنَ ?للَّهِ مِن وَاقٍ [غافر:21] .

وينبغي على مريد السفر أن يتجنب الإسراف في المسكن والمأكل وغيرهما من المصروفات؛ فإن الله أمر بالتوسط في كل شيء.

والمؤمن كالغيث حيثما حَلّ كان الخير والفلاح، فعلى المسلم أن يكون في حِلِه وتِرحاله داعية ً إلى الله بالقدوة الطيبة والموعظة الحسنة وإهداء الشريط والمطوية والكتاب المناسب والمشاركة في أعمال الخير المتنوعة، وكما يكون آمرًا بالمعروف وداعيًا إلى الله يكون ناهيًا عن المنكر إذا صادفه أو رآه.

هذا هو عمل المسلم، هو في عباده وفي طاعة، وفي عمل صالح ما دام في رحلة الحياة يَمتثِل قوله تعالى: وَ?عْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى? يَأْتِيَكَ ?لْيَقِينُ [الحجر:99] .

والمسافر عليه أن يلهث بشكرِ الله على نعمه، فهو سبحانه وتعالى الذي سهل له سفره، ورَزَقه هذا المال وهذه الزوجة وهؤلاء الأولاد، وأعطاه هذه المركبة، ومكنه من قيادتها وسهل له الطرق ووسائل المواصلات من طائرات وسيارات، فالإنسان يقطع الطريق إلى مكة المكرمة في أقل من نهار، ولقد كان الآباء والأجداد يمكثون شهرًا كاملًا مع التعب والنصب.

فهذه النعم ينبغي أن تُشكر لله، ومن شكرها عدم استخدامها في غير طاعة الله تعالى.

ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض المسافرين ـ هداهم الله ـ التساهل في أمر الصلاة، فلا ينتبه عند بحثه عن سكن أن يكون قريبًا من مسجد, فإذا استقر واستأجر وإذا ليس بقربه مسجد فأصبحت الصلاة بعضها يذهب لها بسيارة، وأكثرها يصليها منفردًا في المنزل، وهذا خطأ وتفريط، ومثل السكن والجلوس في بعض المنتزهات.

فعلى المسلم أن يبحث عن جماعة يصلي معهم. وللمسافر دعوة مستجابة فلا يحرم نفسه وأهله والمسلمين منها.

هذه ـ معاشر الأحبة ـ بعض الوقفات السريعة مع أمور تتعلق بالسفر، وهي من فقه السفر، وفي الحديث الصحيح عنه أنه قال: (( من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين ) ).

جعلنا الله وإياكم من أهل التقى والرشاد، وممن يراقب الله في السر والخفاء، وجنبنا وإياكم المعاصي والمنكرات،ووفقنا لمرضاته، إنه وليّ ذلك.

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت