فهرس الكتاب

الصفحة 2941 من 5777

بعد رمضان

الرقاق والأخلاق والآداب

فضائل الأعمال

ناصر بن محمد الأحمد

الخبر

النور

1-مضي شهر العبادة والإنابة ودعوة للاستقامة بعده. 2- من علامات قبول رمضان الثابت

على الطاعة بعده. 3- قد تبطل السيئات الحسنات. 4- فضل الاستقامة والمداومة على العمل

الصالح. 5- دعوة إلى عدم مجاوزة السنة في الفتور بعد رمضان. 6- العودة إلى المعاصي

والغفلة كفران للنعمة ونكوص عنها. 7- صيام الست من شوال.

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا...

أما بعد: لقد كان شهر رمضان المعظم، ميدانًا لتنافس الصالحين بأعمالهم، ومجالًا لتسابق المحسنين بإحسانهم، كم تهذبت نفوسنا ولله الحمد في تلكم الأيام والليالي، لقد تروضنا على الفضيلة وارتفعنا عن الرذيلة، وأخذنا دروسًا ودروسًا في سمو النفس، واكتسبنا هدى ورشادًا وازددنا أخلاقًا وإحسانًا، فحمدًا لك يا رب، على نعمك وأفضالك.

عباد الله، كنتم في شهر الخير والبركة، تصومون نهاره وتقومون من ليله، وتتقربون إلى ربكم بأنواع القربات، طمعًا في ثوابه وخوفًا من عقابه، ثم انتهت تلكم الأيام، وكأنها طيف خيال قد قطعتم بها مرحلة من حياتكم لن تعود إليكم، وإنما يبقى لكم ما أودعتموه فيها من خير أو شر، وهكذا كل أيام العمر مراحل تقطعونها يومًا بعد يوم، في طريقكم إلى الدار الآخرة، فهي تنقص من أعماركم وتقربكم من آجالكم.

عباد الله، تذكروا قبل أيام، يوم استقبلنا شهر رمضان، كنا فرحين مسرورين على إدراكه، وهي بلا شك نعمة كبرى، كنا نتبادل التهاني، يهنئ بعضنا بعضًا، وبالأمس ودعناه بالعيد، ودعه الصالحون أمثالكم بعبرات حشرجت بها الصدور، ودمعات أسالتها لوعة الفراق أو خوف عدم القبول، والفطن منا يتساءل: من سيستقبله منّا بعد، من الذي خرج كيوم ولدته أمه، من الذي سيضمه القبر منا وسيشفع له مواطن الركوع والسجود.

تذكرت أيامًا مضت ولياليًا خلت فجرت من ذكرهن دموع

ألا هل لها يومًا من الدهر عودة وهل لبدور قد أفلن طلوع

عباد الله، ما أجمل الطاعة إذا أتبعت بطاعة ما أجمل الحسنة تتبعها حسنة بعدها، ما أحسن الإحسان يليه الإحسان، والمعروف يليه المعروف والخير يليه الخير، قال تعالى: وَ?لَّذِينَ ?هْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَءاتَـ?هُمْ تَقُوَاهُمْ [محمد:17] ، وقال: وَيَزِيدُ ?للَّهُ ?لَّذِينَ ?هْتَدَواْ هُدًى وَ?لْبَِّقِيَـ?تُ ?لصَّـ?لِحَـ?تُ خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا [مريم:76] ، وقال: إِنَّ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ?لصَّـ?لِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ [يونس:9] .

قال العلماء: إن من علامة قبول الحسنة أن تُتْلى بشكر صادق على التوفيق لها وبعمل صالح مماثل لها.

فيا إخوتي في الله الذين أكرمكم الله بأنواع الطاعات وتقربتم إلى الله في أيام رمضان ولياليه بأنواع القربات، محلقة بذلك نفوسكم مع عالم السماء الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون صيامًا وصلاةً وتلاوةً وبرًا وصلةً وإحسانًا واستغفارًا وذكرًا وربما مشاركة في من عنوا بقول الله سبحانه: وَطَهّرْ بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ وَ?لْقَائِمِينَ وَ?لرُّكَّعِ ?لسُّجُودِ [الحج:26] ، واصلوا سيركم إلى الله، تعاهدوا زرعكم.

فمن زرع الحبوب وما سقاها تأوه نادمًا يوم الحصاد

حافظوا على ما وفقتم له من طاعة الله والتأهل به للفوز بمرضاة الله وحسن الوفادة عليه، يوم أن تغادروا هذه الحياة إلى عالم الأموات وذلك بلزوم طاعته والبعد كل البعد عن الاغترار بالعمل أو رؤية استكثاره، فما هذا نهج عباد الرحمن الراجين الفوز برضى الله وحسن الوفادة عليه، بل نهجهم في قول الله سبحانه: إِنَّ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَ?لَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَـ?هَدُواْ فِي سَبِيلِ ?للَّهِ أُوْلئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ ?للَّهِ [البقرة:218] ، وقوله: وَ?لَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى? رَبّهِمْ ر?جِعُونَ أُوْلَئِكَ يُسَـ?رِعُونَ فِى ?لْخَيْر?تِ وَهُمْ لَهَا سَـ?بِقُونَ [المؤمنون:60، 61] .

أيها الإخوة المؤمنون، لئن كان فعل السيئة قبيحًا فإنه يعظم قبحه وتشتد شناعته وبشاعته إذا جاء بعد فعل الحسنة، فلئن كانت الحسنات يذهبن السيئات، فان السيئات قد يبطلن صالح الأعمال: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَـ?تِكُم بِ?لْمَنّ وَ?لاْذَى? [البقرة:264] ، فحذار أيها الإخوة، حذار يا من سمت نفوسهم في رمضان إلى درجات الصالحين، ونعمت بلذة المناجاة والانضمام في سلك الطائعين، أن تهدموا ما بنيتم، وتبددوا ما جمعتم، حذار حذار تصدئوا قلوبًا ونفوسًا خلصت لله ونقيت وصفيت من لوثة العصيان بإعادتها فما أقبح النكوص على الأعقاب والالتفات عن الله بعد إن أقبلت عليه تائبًا من ذنبك راغبًا في رحمته خائفًا من نقمته، حذار بعد أن كنت في عداد الطائعين وحزب الرحمن وأُهّلت للباس العفو والغفران أن تخلعه بالمعصية فتكون من حزب الشيطان، قال تعالى ـ والعبرة بعموم الألفاظ ـ: وَلاَ تَكُونُواْ كَ?لَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَـ?ثًا [النحل:92] ، وقال في المرابين: فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رَّبّهِ فَ?نتَهَى? فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى ?للَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَـ?بُ ?لنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـ?لِدُونَ [البقرة:275] ، قيل لبشر الحافي: إن قومًا يتعبدون في رمضان فإذا انسلخ تركوا. قال: بئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان. وقال الحسن: لا يكون لعمل المؤمن أجل دون الموت، وقرأ: وَ?عْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى? يَأْتِيَكَ ?لْيَقِينُ [الحجر:99] ، وقال عليه الصلاة والسلام: (( أحب الأعمال إلى الله أدومه وإن قل ) )رواه مسلم، وقال جل من قائل: إِنَّ ?لَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ?للَّهُ ثُمَّ ?سْتَقَـ?مُواْ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [الأحقاف:13] .

إن أصحاب العبادات الموسمية، هؤلاء لا تنفعهم يوم القيامة والذي كان يعبد رمضان يجب عليه إن يعلم بأن رمضان شهر لا ينفع ولا يضر. ثم إذا عبدت الله في رمضان، ثم عدت كما كنت في شوال ومت في شوال، فماذا ينفعك رمضان فالعبرة بالخواتيم لقد كنا نؤمن مع الإمام في صلاة الوتر: اللهم اجعل خير أعمارنا أواخرها وخير أعمالنا خواتمها، هل كنا نعي ما نؤمن عليه، لو كنا نعي حقيقة لحرصنا على خير الأعمار وخير الأعمال بعد رمضان.

أيها المسلمون، كم هو محزن أن يوفق أناس لعمل الطاعات والتزود في فرص الخيرات حتى ما إذا انتهى الموسم نقضوا ما أبرموا، وعلى أعقابهم نكصوا، واستدبروا الطاعات بالمعاصي، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، تلك هي النكسة المردية والخسارة الفادحة أين دروس الصلاح والطهر والاستقامة والتقى من شهر رمضان.

هل رأيتم أعظم مقتًا من الكسل بعد الجد، والتواني بعد العزم، ولكن أشد منه، من تنكب السبيل فعاد إلى حماه، الصبوات والهفوات، ومقارفة الآثام بعد إذ نجاه الله منها.

ألا فاتقوا الله عباد الله، وأروه من أنفسكم خيرًا فمن كان مجدًا فليزدد، ومن كان مقصرًا فليرجع، من غلبه هوى أوتشاغل بلهو أيام العيد، فليبادر بالتوبة النصوح، وليعظم رجاؤه بربه، فأبواب التوبة مفتوحة، ومولاه يناديه: قُلْ ي?عِبَادِىَ ?لَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى? أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ?للَّهِ إِنَّ ?للَّهَ يَغْفِرُ ?لذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ ?لْغَفُورُ ?لرَّحِيمُ [الزمر:53] .

أيها المسلمون، ثم هاهنا نقطة قد نغفل عنها، وهو أننا عندما نطالب بالاستمرار في الأعمال الصالحة بعد رمضان فإنه لا يلزم ولا يمكن أصلًا أن يكون الناس في مستواهم التعبدي في شوال بنفس المستوى الذي كانوا عليه في رمضان، والذي يطالب بهذا فهو يطالب بالمستحيل، فشهر رمضان شهر مميز وله خصوصيات، ومن خصوصياته الإكثار من التعبد فوق المستوى العادي للفرد طوال السنة. لكن الذي نطالب به، هو عدم النزول عن المستوى الأدنى الذي يلحق الإنسان بالتقصير وربما الاثم والوزر، فالمستوى الأدنى الذي نطالب به هو المحافظة على الصلوات الخمس في المساجد، والمستوى الأدنى الذي نطالب به هو إن لا تعص الله في شوال.

فلنتق الله أيها الإخوة، ولننظر ماذا خرجنا به وماذا نحن عليه، فمن وجد خيرًا فليحمد الله وليزدد من الخير ومن وجد غير ذلك، فليتذكر أن الموت آت في أيّة لحظة قد لا يسبقها مقدمات، لا يلزم من الموت مقدمات كمرض أو نحوه، فآلاف الناس قد ماتوا بدون مقدمات، فنحن نعيش في زمن موت الفجأة، وجهنم آتية، قال الله تعالى عنها عما تستقبل به أهلها: إِذَا رَأَتْهُمْ مّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا وَإَذَا أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَانًا ضَيّقًا مُّقَرَّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُورًا لاَّ تَدْعُواْ ?لْيَوْمَ ثُبُورًا و?حِدًا وَ?دْعُواْ ثُبُورًا كَثِيرًا قُلْ أَذ?لِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ?لْخُلْدِ ?لَّتِى وَعِدَ ?لْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاء وَمَصِيرًا لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءونَ خَـ?لِدِينَ كَانَ عَلَى? رَبّكَ وَعْدًا مَّسْئُولًا [الفرقان:12-16] .

نفعني الله وإياكم بهدي كتابه...

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم...

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله واعلموا أن مقابلة نعمة التوفيق لصيام شهر رمضان بارتكاب المعاصي بعد خروجك من تبديل نعمة الله كفرًا، فمن عزم على معاودة المعاصي بعد رمضان، فصيامه عليه مردود، وباب الرحمة في وجهه مسدود.

أيها المسلمون، إن فضل الله علينا متواصل، ومواسم المغفرة لا تزال متتالية لمن وفقه الله لاغتنامها. فإنه لما انقضى شهر رمضان، دخلت أشهر الحج إلى بيت الله الحرام، فكما أن من صام رمضان وقامه إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، فكذلك من حج البيت ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه، فاعزموا النية على حج بيته من الآن، وتابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد.

أيها المسلمون، ألزموا أنفسكم المسلك القويم، الذي سلكتموه في رمضان، من اجتناب المعاصي، والإكثار من أعمال البر، ومتابعة الإحسان بالإحسان، وإن من متابعة الإحسان، صيام ستة أيام من شوال ندبكم إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (( من صام رمضان وأتبعه ستًا من شوال كان كصيام الدهر كله ) )رواه مسلم. إنني أوصي نفسي وأوصي إخواني بصيام هذه الست، فإن صيامها مع رمضان يعادل صيام العام كله.

اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت واصرف عنا سيئها لا يصرف عنها سيئها إلا أنت...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت